لا’أحد’يتوقع’أن تقوم أمريكا والغرب هكذا وبلا مبررات بتفهم’طموحات ايران والاعتراف’بها دولة نووية، لكن’ماذا لو استفاق العالم يوما على خبر عاجل بأن الايرانيين أجروا أولى تجاربهم في مجال التفجيرات النووية، وقتها ماذا ستفعل ‘أمريكا والدول الغربية’وإسرائيل؟ هذه’ليست رؤية حالمة أو خيالية، صحيح’أن ايران أعلنت’رسميا’أنها’ليست بصدد تصنيع أسلحة’نووية،’وليست’بصدد عسكرة برنامجها النووي، لكنها’لن تمانع’بالوصول إلى’ما يعرف بـ’العتبة النووية’ على الطريقة’اليابانية، أي أن تمتلك’القدرة العلمية’والتكنولوجية لتحويل بعض منشآتها النووية’المدنية إلى’منشآت عسكرية خطرة، خلال 48 ساعة، وهذا ما يعرف باسم ‘الردع’النووي’، من دون’إنتاج أي سلاح نووي. واضح أن النظام الايراني غير معجب بالنموذج الكوري الشمالي القائم على التحدي والتشدد والذهاب بعيدا في المواجهة مع المجتمع الدولي، كذلك لا يفضل الايرانيون النموذج الاسرائيلي الذي يعتمد الغموض، عبر عدم تأكيد أو نفي امتلاك أسلحة نووية، وعدم الادلاء بأي تصريح بهذا الشأن، والامتناع عن توقيع أي معاهدة نووية. تفضل إيران نموذج التفاوض الطويل والمضني، وفي حال قررت المغامرة فإنها ستغامر ضمن حدود هذا النموذج ووفق قواعده، ويبدو أن المغامرة الايرانية قادمة، إذ بات واضحا تقريبا أن الرئيس حسن روحاني حصل على الضوء الأخضر من المرشد الأعلى آية الله علي خامنئي لبدء مرحلة جديدة من المفاوضات، من خلال تقديم بعض التنازلات، وربما عقد طاولة حوار مباشر مع واشنطن، من دون شروط مسبقة. مهد الرئيس روحاني الطريق وهيأ الساحة الداخلية لذلك، بخطاب غاية في الأهمية أمام قادة وكوادر الحرس الثوري، حين اعتبر الحرس بمثابة حارس للأمن القومي وحقوق الايرانيين الاقليمية والدولية، لكن روحاني في الواقع كان يمهد للخطوة الثانية التي جاءت عبر خطاب للمرشد الأعلى، الذي طالب الحرس الثوري بعدم التدخل في شؤون السياسة وعدم عرقلة أو إعاقة مسار الديمقراطية، الذي جاء بروحاني إلى كرسي الرئاسة، وفي لحظة صراحة نادرة قال المرشد انه يؤيد بالكامل الخط السياسي والدبلوماسي الحالي للرئيس روحاني. تزداد أهمية هذا الكلام كونه جاء بعد أيام قليلة من إعلان طهران رسميا أن روحاني تبادل رسائل سياسية مع نظيره الأمريكي باراك أوباما، وأن طهران لا ترى مانـــعا في عقد جلسات حوار مباشر. كل هذه الأحداث تدور بينما يستعد روحاني لالقاء كلمة على هامش اجتماعات الجمعية العمومية للأمم المتحدة يوم الأربعاء المقبل، فما الذي سيقوله روحاني في نيويورك أمام العالم، وقد حصل على تأييد مسبق من المرشد الأعلى. من يعرف العقلية الايرانية جيدا يدرك تماما بأن الضوء الأخضر الذي حصل عليه الرئيس روحاني يستهدف حلحلة عُقد الملف النووي الكثيرة، واستطلاع حدود المرونة والجدية الامريكية في إغلاق هذا الملف، اذا ما قررت ايران الجلوس إلى طاولة مفاوضات ثنائية، بيد أن ذلك لا يعني تجاوز المحرمات، فالمرشد وإن وقف بقوة خلف روحاني وسياساته الخارجية، إلا أنه حدد وبوضوح حدود التنازلات المقبولة في حال ضمنت ايران اعترافا أمريكيا ودوليا بها كدولة نووية: وقف تخصيب اليورانيوم بنسبة 20 في المئة بشكل طوعي ورسمي، والاكتفاء بنسبة تخصيب بحدود 5 في المئة، شرط أن يكون ذلك على الأرض الايرانية حصرا. خفض عدد أجهزة الطرد المركزي، بما يتناسب ونسبة تخصيب 5 في المئة، من دون تحديد نوعية وجيل هذه الأجهزة ومدى تطورها. قبول توقيع البروتوكول الاضافي الذي يسمح بتفتيش دولي مباغت وسريع، وربما يفتح أبواب منشآت لم تفتح من قبل. توسيع نطاق عمل المفتشين الدوليين داخل المنشآت النووية الايرانية. مما لا شك فيه أن أمريكا لن تقبل بايران إسلامية مجهزة بأسلحة نووية في منطقة الشرق الأوسط، لكن لدى طهران شعورا مشوبا ببعض المعلومات غير الرسمية بأن الأمريكيين ربما لن يمانعوا بايران تقف عند العتبة النووية، إذا ما كان ذلك سيشكل حلا وخاتمة لأزمة النووي الايراني. يتكئ الايرانيون على هذا المنطق مسلحين بطرح ثلاث ضمانات يمكن أن تدفع واشنطن للقبول بذلك: 1 ضمانات بشأن ما يسمى اصطلاحا ‘ضبط الايقاع النووي وعمليات توليد الطاقة’ عبر آليات صارمة جدا في التعامل مع النووي الايراني، منعا لحدوث اي خطأ كارثي في الشرق الأوسط، وهذا ما لا تمانع طهران به. 2 ضمانات حقيقية وملموسة بأن لا تسعى طهران لتصدير التكنولوجيا النووية لأي بلد آخر، خاصة في الشرق الأوسط وبلدان أمريكا اللاتينية التي تعتبرها واشنطن حديقتها الخلفية وخاصرتها الرخوة. 3- ضمانات بشأن عدم اندلاع سباق تسلح بين بلدان الشرق الأوسط، خاصة العربية منها كالسعودية ومصر والامارات والأردن. ربما ليس من المجازفة القول ولو من باب التحليل على الأقل إن هناك مصلحة أمريكية بوجود إيران نووية سلمية مقيدة برقابة عالية، كون ذلك سيجعل منها شرطيا للمنطقة بمواصفات تناسب الأمريكيين، بمعنى آخر أن تتحول إيران إلى شرطي شرق أوسطي منضبط وعقلاني يمكن الوصول معه إلى حلول وسطية في أغلب قضايا المنطقة. هذا بدوره سيؤمن للأمريكيين حضورا عسكريا أبديا في أهم ممر مائي في العالم، أي المياه الخليجية التي تصدر40 في المئة من طاقة العالم، فضلا عن أن أمريكا ستكون أيضا حليفا لا غنى عنه لدى الدول الخليجية المتوجسة من إيران وطموحاتها السياسية، هناك من يرى ان وجود إيران نووية ربما يشكل كابحا لجماح اسرائيل وبقائها مرغمة تحت العباءة الأمريكية، من دون التمرد أو القيام بخطوات قد تنعكس سلبا على المصالح الاستراتيجية للولايات المتحدة الأمريكية. تعرف أمريكا جيدا أن طهران مستعدة في مرحلة ما لتقديم تنازلات نووية ملموسة وربما مؤلمة، ويعرف الايرانيون جيدا أن واشنطن لا تمانع بايران نووية سلمية مضبوطة ومقيدة، لكن كلا الطرفين يدركان بعمق صعوبة الخطوة الأولى، مع غياب شبه مكتمل للثقة وحسن النوايا، وهذه الأخيرة وعلى بساطتها تشكل العقدة الأساس في منشار الوصول إلى حل جذري للنووي الايراني يرضي الجميع شرقا وغربا.