مأساة سورية.. نحن العرب والعالم

في كتيب مهم له يعبر عن موقف القطاع الذي يمثله من اليسار بصدد ثورة الشعب السوري الملحمية، يتناول المفكر اليساري الأستاذ سلامة كيلة ما يعتبرها الظروف الموضوعية التي مهدت للثورة وشكلت أرضيتها الخصبة، ولا يحصر ذلك في البعد السياسي الإقصائي والباطش للنظام، وإنما يتخطى ذلك إلى تحليل ما استحدثه بشار وحاشيته من متغيرات عميقة طالت أسس الاقتصاد السوري، محولة إياه من النمط الإنتاجي (بشكل أو بآخر) إلى اقتصاد ريعي خدمي يصب في جيوب تلك الفئة من الأقارب المنتفعين، الذين يسيطرون ويمتلكون شركاته، إما منفردين وإما محاصصة مع رأس المال الأجنبي، والذين لا يزيدون في مجموعهم عن 2′ من مجمل الشعب السوري؛ والأستاذ كيلة إذ يفعل ذلك فإنما يلقي الضوء على التحركات النسبية في موقع مختلف الطبقات الاجتماعية وما طالها من الإفقار والتدهور مؤججا غضبها وجعلها تنتظر تلك الشرارة التي أتت من الغرب، من تونس ومصر ودفعت بالشعب إلى فضاء الثورة. لن أزعم الاطلاع على الشأن الاقتصادي السوري كالأستاذ كيلة ( أو كآخرين محترمين من أمثال الأستاذين بسام جعارة وصبحي حديدي)، وإنما تعنيني في هذا الصدد رؤيته لطبيعة الصراع والتجاذب بين أمريكا والغرب بصفة عامة، وبينها وبين روسيا والصين، مشخصا طبيعته الرأسمالية بامتياز التي تتقاتل على المصالح وعلى تغير المواقع النسبية في رصيد الثراء والنفوذ والقوة على خريطة عالم صار صغيرا.
أعدت قراءة هذا الكتيب أثناء متابعتي لردود أفعال الغرب لاستخدام السلاح الكيميائي في سورية و’للفصال’ الدائر في ما بعد بين روسيا وأمريكا، إلا أنني أعترف بأن أكثر ما أدهشني وأزعجني، بل وأحزنني بصورة عميقة، هو ردود الأفعال التي أبداها كثيرون من جمهورنا، خاصة بعض من يدعون اليسارية ويعانون في حقيقة الأمر من ‘أنيميا’ يسارية في تصوراتهم وفهمهم للواقع المعاصر، الذي يختلف كثيرا عن ذلك الذي نشأنا فيه جميعا، والذين تصدوا لاحتمال توجيه ضربة للنظام السوري بـ’بطارية’ من الشعارات المكررة والمرهَقة، المكدودة في حقيقة الأمر، التي تعود إلى زمن الحرب الباردة، ناهيك عن مخزون الرطانات والأغاني من عينة ‘دع سمائي فسمائي محرقة’.
أدرك أن تفسير الظواهر والواقع يتفاوت وفقا للخلفية الاجتماعية الطبقية، ومن ثم الأيديولوجية، بيد أنني أعتقد اعتقادا راسخا بأنه يتعين على كل محلل منصف (أو على الاقل يدعي ذلك) وينشد الحقيقة، أن يأخذ نفسه بقدر من الالتزام الفكري والمنهجية الصارمة، بحيث لا يحيد تماما عن الصواب، وهذا هو جوهر الفهم العلمي للواقع والتاريخ، وليس عيبا أن يقول ‘لا أعرف’.. أما أن نسقط قسرا تصوراتنا عن الواقع المستمدة من زمن ميت وأمانينا فهذا هو غير المقبول.
من هذا المنطلق، أحب أن أذكر أن روسيا اليوم ليست الاتحاد السوفييتي، ولا تحكمها أية اعتبارات أو ادعاءات أيديولوجية مطلقا، بل تسيطر عليها مجموعة من التجمعات او التشكيلات العصابية المافيوية المجرمة، لعلها الأسوأ في العالم، صعدت على جناح ثروة روسيا من الغاز والنفط، ونمط الرأسمالية حتى النخاع المسيطر عليها أكثر فظاظة وخشونة بمراحل من نظيراتها في الغرب، بما يذكرنا بـ’آل كابوني’ المجرم الشهير. إن الكبار في عالم اليوم ليس بينهم شيوعي أو يساري، وإنما كلهم رأسماليون وما تنافسهم سوى محاولة لإعادة تقسيم الخريطة بصورة تستحضر إلى الأذهان القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، خاصة أنه لا يخفى على أحد الأزمة الاقتصادية العميقة التي يمر بها الغرب، وصعود دول عمالقة جديدة على رأسها الصين، ذات القدرة الإنتاجية غير المسبوقة في التاريخ، ويرون أن من حقهم أن يلعبوا دورا أكبر ويصبح صوتهم مسموعا أكثر، بما يتوافق مع أحجامهم المستجدة.
للأسف، كثيرون في بلداننا لا يرون ولا يدركون أن الغرب شاخ، وأن تجربة العراق الخاسرة بشتى المعايير التي تهمه، تلقي بظلال ثقيلة عليه وعلى شعوبه، خاصة أن الزمن لم يتكفل بدفنها في ثنايا الذاكرة البعيدة بعد، ولكنه لن يدير ظهره إلى مصالحه، ومن هنا سوء التفسير لمواقفه فنتصورها خوفا أو نكوصا من ‘قوة النظام السوري الباطشة’.
إن النتيجة التي وصلنا إليها منطقية ومهينة في آن معا لمن يتدبر، فالدول الكبرى، الرأسمالية من دون استثناء، تتعامل مع سورية ونظامها كبيدق على رقعة شطرنج، وترى ذلك النظام أتفه من أن تنزلق إلى مواجهة عسكرية بسببه، خاصة بعدما تبينت حماقاته وفشله… لقد أمهله الغرب بموافقة روسية أكثر من عامين ليجهز على الثورة، ولم يهدد ويزمجر لمقتل ما يزيد على المئة ألف، مكتفيا بالشجب والتنديد وبعض المساعدات التافهة للمعارضة، بغرض إنهاك الجميع فلم يحسم النظام، بيد أن الكيميائي يقلق ذلك الغرب، فقد بنيت صيغة التعايش بينه وبين نظام الأسد على أساس احترامه لخطوط حمراء: لا اشتباك في الجولان ولا سلاح محظور… وهم يرون ذلك دلالة على اليأس والإخفاق، ويخشون من تسرب هذا السلاح ووصوله إلى أيد غير أمينة، بما قد يهدد أمن إسرائيل، ناهيك عما يعتبرونه تعديا على قواعد اللعبة.
الطريف في الموضوع (إذا جاز لنا أن نستخدم كلمة كتلك في مثل هذا الظرف)، أن النظام السوري، وفي مفارقة صارخة لجمهور ‘المتحمسين’، تصرف بواقعية كنا نتوقعها منه، ما أن لمح النية الجادة لعقابه حتى أعلن استعداده للتنازل عن كل سلاحه للحفاظ على بقائه، ولا أعتقد أن ثمة مبالغة في أن روسيا هي من فرضت ذلك، وها هي الآن تماطل في التفاصيل على عادة أصحاب دكاكين الخردة.
إن ما يحزنني حقا في كل ذلك هو أننا بعد كل الشهداء الذين سقطوا وحجم الدمار، مازلنا لا نستطيع رؤية العالم الذي نعيش فيه على حقيقته، بعيدا عن الشعارات والعنتريات التي ما قتلت ذبابة.. ما زلنا نراه من منظار صراعات الهوية لا صراعات المصالح؛ لا أنكر أن الهوية والصراعات الدينية قد تلعب دورا، إلا أنه ثانوي في أفضل تقدير يستغله ذوو المصالح في مآربهم. أما نحن، ومحكومون بتصوراتنا عن الواقع، فلا نرى الإيجابيات في هذه الدول (على إشكالياتها)، فنهلل لهزيمة كاميرون ولا نُعجب بما أعلنه من تفهمه وانصياعه للإرادة الشعبية ممثلة في تصويت البرلمان… ننسى أن ‘زعيما’ عربيا لم يفعلها، اللهم إلا متأخرا جدا على طريقة زين العابدين ‘فهمتكم’. وبتأثير ذلك المزيج المتوالد والمتوارث من الشعور بالمرارة والهزيمة وقلة الشأن وتعاقب الطغاة والعملاء على مصائرنا فإننا نبحث عن معركة رابحة ننتقم فيها من الغرب المتفوق ونكيل له الصاع صاعين. إن النظام السوري لم يهزم أحدا ولم يقتل أحدا سوى شعبه، والحقيقة أن أبشع دلائل إجرامه هو دفع شعبه إلى صراعات الهوية الطائفية لكي يحافظ على بقائه، وفرضه على الجمهور العربي تلك الخيارت البشعة: أيقف مع ضربة له من العدو التقليدي، ‘الشيطان الأكبر أمريكا’، أم يصطف خلف ذلك النظام المجرم؟ وها هو الآن، كما عودنا دائما حين كان يعلن ‘احتفاظه بحق الرد’ مع كل اعتداء إسرائيلي يعلن استعداده تسليم كل أوراقه مستجديا السماح له بالاستمرار، ومؤكدا أنه لا يعدو كونه ورقة أو حبلا تتجاذبه أمريكا وروسيا وإيران. تصورا، هذا النظام الورقة التافه سفك كل هذه الدماء خلال ما يقارب أربعة عقود وتسبب في كل هذه التشوهات الاجتماعية والدمار لشعب لا نبالغ ولا نجامل حين نقول انه من أجمل وأكرم وأبدع شعوب العالم في أجمل وأجود بقاع الأرض.
للأسف، سوف نستمر نطبل ونزمر، ونخوض معارك فرضت علينا ‘بمنطق الطبلة والربابة’ وفق تصورات مشوشة عن العالم، ونصارع طواحين الهواء في معارك سنصفها بعد ذلك بالتاريخية، ولن يأبه بها العالم… فقط أود أن أذكر المتحمسين ‘لسمائي المحرقة’ أننا لا نرى الصواريخ التي تنطلق من البوارج البعيدة جدا، جدا… وأن ‘سمائي’ تحترق فوق رؤوسنا نحن، بينما الطغاة في المخابئ الآمنة تحت الأرض أو خارج البلاد.

‘ كاتب مصري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية