أسلحة الدمار الشامل والطغاة العرب.. من صدام إلى معمر

ثلاثة أنظمة عربية حاول قادتها في أواخر القرن الماضي امتلاك أسلحة دمار شامل: نظام صدام حسين في العراق ونظام حافظ الأسد في سورية ونظام معمر القذافي في ليبيا. ومع إقرارنا بوجود العديد من الفروقات بين الزعماء الثلاثة، إلا أن هناك أشياء مشتركة عديدة بينهم لا تخفى على عين، ولا يخطئها محلل موضوعي بعيد عن الأدلجة والانحياز العاطفي لهذا أو ذاك. فالزعماء الثلاثة مارسوا العنف غير المحدود على شعوبهم، ودخلوا في حروب ونزاعات داخلية وخارجية والقادة الثلاثة أصيبوا بهوس العظمة وعبادة الذات وإدعاء البطولات الخارقة والعبقرية اللامتناهية. فقد اخترع صدام لقب المهيب الذي منحه لنفسه، وهو أصلا ليس عسكريا، ونصب الأمين حافظ الأسد نفسه قائدا لسورية إلى الأبد، ومارس ذلك بالفعل لا القول بتوريثه العرش لابنه باسل أولا، ثم لبشار بعد مقتل الأول في حادث سيارة، أما معمر فقد اكتفى برتبة عقيد العسكرية، لكنه منح نفسه عديدا من الألقاب تصل إلى مرتبة الأنبياء والفلاسفة الكبار: فهو زعيم ومفجر ثورة الفاتح، وهو مفكر وصاحب النظرية الثالثة التي جسدها في الكتاب الأخضر، وصاحب أول جماهيرية في التاريخ وملك ملوك افريقيا وعميد الزعماء العرب، بل أضاف كلمة عظمى على اسم جماهيريته لأنه هو الذي منحها هذه العظمة الموهومة. وكي تكتمل شروط العظمة لهؤلاء القادة الثلاثة كان لا بد أن يمتلكوا أسلحة دمار شامل (نووي- كيميائي- بيولوجي) كي يرهبوا أعداءهم المتربصين بهم في الداخل والخارج. وما هي إلا سنوات حتى جلبت تلك الأسلحة دمارا شاملا على أصحابها وشعوبها وبلدانها، وإذا بالأول يشنق والثاني يقتل ووريث الثالث يرفع يديه استسلاما لعله ينقذ عرشه الذي ورثه عن أبيه ولا يلقى مصير الأول ولا مصير الثاني.
العراق وسورية وليبيا
لقد حبا الله هذه الدول كل إمكانيات التقدم والانتقال إلى أعلى درجات سلم التنمية، لو قدر لهذه الموارد الهائلة قيادات رشيدة نظيفة متواضعة ملتزمة بأولويات شعوبها وخياراتهم الأساسية لتطوير التعليم والصحة والمواصلات والاتصالات والزراعة والصناعة والتجارة والسياحة والبنى التحتية. صحيح أن العراق قطع شوطا كبيرا على هذا الطريق في سبعينات القرن الماضي، لكنه عاد ودخل في نفق الحروب والصراعات المحلية. لقد بدأ العراق يخطو خطوات واثقة نحو النهضة الشاملة في كل المجالات لغاية يوم 16 تموز/يوليو 1979 على إثر استبعاد الرئيس أحمد حسن البكر، بعد أن وقع على ميثاق العمل القومي مع سورية وبدأ يعد لاتفاق الوحدة الشاملة بين البلدين إلى أن تغيرت الأيدي وتسلم زمام الأمور الرئيس صدام حسين، فبدأ حكمه بإعدام مجموعة من رفاقه في قيادة الحزب من مؤيدي الوحدة مع سورية بتهمة الخيانة العظمى، بعد ستة أيام من استيلائه على السلطة في ما أطلق عليه مذبحة الرفاق. بدأ العراق انطلاقا من عام 1980 يدخل في صراعات دموية أولا مع إيران، وثانيا مع الكويت، وثالثا مع قوات 30 دولة قادتها الولايات المتحدة، ورابعا مع 13 سنة من الحصار الشامل الظالم، وانتهت الأمور بوقوع العراق تحت الاحتلال الأمريكي المباشر. إمكانيات العراق المادية والبشرية الهائلة تبعثرت وأهدرت وأعيد العراق إلى العصر الحجري، كما جاء في تقرير ‘مارتي إحتساري’ مبعوث الأمين العام الخاص للتحقيق في نتائج حرب 1991. إفغيني بريماكوف، رئيس وزراء ووزير خارجية أسبق لروسيا ووسيطها إلى العراق للصداقة التي تجمعه مع صدام حسين أيام كان مراسل البرافدا، كتب كتابا صغيرا سماه ‘الحرب التي كان يجب ألا تكون’، أكد فيه أن تلك الحرب كان يمكن تجنبها لو استمع صدام حسين لنصائح رفاقه الروس، مثلما يسمعها الآن بشار الأسد بعد 22 سنة، حيث استطاع أن يتجنب حربا كانت لا بد واقعة لو بقي راكبا رأسه كما فعل صدام. لو تجنبت القيادة العراقية حربها مع إيران واحتلال الكويت لما وقعت الحروب الأطلسية والحصار والاحتلال. ماذا كان ينقص العراق إلا الاستقرار؟ كل ما تحتاجه التنمية الرشيدة كان متوفرا، مثل النفط والماء والأراضي الزراعية الشاسعة والمواقع التاريخية والأماكن المقدسة والشعب العظيم والجامعات الراقية. لكن القرارات الفردية وعقدة العظمة ومرض عبادة الذات، أدت إلى اهدار كل ما بناه العراق في عقود وهو الآن بلد غير متماسك وينزف دما من جميع الطوائف.
وما قيل عن العراق ينطبق إلى حد بعيد على سورية. فلو تم تطوير قطاع السياحة لوحده كان كافيا لإنعاش الاقتصاد ودفع سورية إلى مصاف الدول المتطورة. فسورية مثل العراق من أغنى دول العالم في السياحة. يكفي سورية أن تكون فيها بلدة مثل معلولا التي تتحدث الآرامية لتصبح محجا لكل من يتلمس أجواء العصر الذي عاش فيه السيد المسيح. وهل هناك مسلم لا يهوى أن يزور ضريح صلاح الدين في دمشق أو ضريح خالد بن الوليد في حمص أو مقام السيدة زينب في دمشق أو آثار تدمر وبصرى وقلعة حلب؟ لكن البلاد وتحت يافطة الصراع العربي الإسرائيلي والممانعة حولت معظم الموارد إلى الجيش، الذي استخدم كقوة فصل في لبنان تحولت في ما بعد إلى قوة احتلال وتدخل في كل الحروب الطائفية وغيرها، كحصار المخيمات عام 1976 وحصار عرفات في طرابلس 1983 وحرب المخيمات الثانية 1987. كما وجه الجيش نيرانه عام 1982 إلى مدينة حماة فدمرها عن آخرها بمن فيها، ثم انضم إلى قوات التحالف في حفر الباطن عام 1990/1991. بعد 30 سنة من حكم الفرد المطلق المؤله تهلهلت الدولة ونخر الفساد في كل مفاصلها وتحولت إلى دولة أمنية بامتــــياز، أقرب إلى السجن منها إلى الوطن. لقد شهدت سورية فترة من الانفتاح بعد تنصيب بشار الأسد وريث ابيه رئيسا في يوليو 2000. كان الأمل معقودا على الشاب طبيب العيون المتفتح والحضاري والإنساني والبسيط. وقد بلغت شعبيته في بداية حكمه درجة عالية، إلا أن الحرس القديم عاد وفرض رؤيته الأمنية على البلاد فأغلقت مجلة ‘الدومري’ المستقلة وأعيد رياض الترك إلى السجن بعد إطلاق سراحه، ووضع موقعو ‘إعلان دمشق للتغيــير الوطني الديمقراطي 2005’ في السجن وتغولت الأجهزة الأمنية أكثر، وترهلت إدارة الدولة وتحولت نقاط الحدود والمرافئ والمطارات إلى آليات لابتزاز المسافرين العائدين أو المغادرين. وكلما تجرأ أحد على المجاهرة بشيء من التذمر انتهى به الامر إلى سجون بدائية فظيعة تحولت أيضا إلى وسائل ابتزاز وارتزاق، إلى أن وصل الوضع إلى الانفجار الشعبي العفوي في 15 آذار/مارس 2011 كما هو معروف.
أما عن ليبيا فهي بلاد واسعة تعادل مساحتها ثلاثة أضعاف العراق وسورية مجتمعتين، بينما لا يزيد عدد السكان عشية انقلاب القذافي في 1 أيلول/سبتمير 1969 عن مليون ونصف مليون إنسان. وقد تدفقت أجود أنواع النفط من تحت رمال الصحراء، لتجعل ليبيا من أغنى دول العالم نسبيا. وقد نصح الرئيس السوفييتي بريجنيف معمر القذافي عندما ذهب إليه ليشتري السلاح بعد حرب تشرين الأول /أكتوبر عام 1973 قائلا، إذهب إلى بلادك واجعل كل ليبي مليونيرا…. ما لك ومال الحروب. إلا أن القذافي المهوس بالزعامة والعظمة دخل في صراعات مسلحة أو نزاعات عنيفة مع تشاد ومصر وتونس والولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا، وتدخل في الشأن السوداني وبقية الصراعات في الساحة الأفريقية وثوار المورو في الفلبين وجيش التحرير الإيرلندي وكافة الفصائل في الساحتين اللبنانية والفلسطينية. حول البلاد خلال 40 سنة إلى عزبة يملكها هو وأولاده وإلى حقل تجارب لنظرياته المجنونة وبعثر خيراتها وأهدر مليارات الدولارات، خاصة بعد أن وقع في الفخ الغربي بعد حادثة لوكربي 21 كانون الأول/ديسمبرعام 1988. وكلما تآكلت شعبيته ومصداقيته زاد جنونا ودموية وعنجهية، إلى أن أصبحت ليبيا حقيقة دولة الرعب بامتياز.
أسلحة الدمار الشامل
قلنا إن هناك الكثير من الميزات المشتركة بين الرؤساء الثلاثة، صدام وحافظ ومعمر. ثلاثتهم بقوا في السلطة (24 و30 و40 سنة على التوالي) حتى ماتوا أو قتلوا، كل واحد كان يحضر ابنه لوراثة الدولة مع أنها جمهورية أو جماهيرية، كل واحد أصيب بداء العظمة لدرجة الجنون. وقد ذهلت لكثرة التماثيل والصور والملصقات واليافطات التي تمجد القائد الملهم/الضرورة/ الأب/المعلم/الثائر/ الباني في البلدان الثلاثة، بل إنني رأيت بأم عيني في مدينة كربلاء، وفي مقصورة استقبال الضيوف شجرة عائلة صدام حسين التي تعود به إلى الإمام الحسن بن علي (رضي الله عنهما). والأمر لا يختلف عنه كثيرا في سورية أو ليبيا. ومن المهازل أن صدام ومعمر أصبحا بقدرة قادر كتاب رواية، فنشر صدام رواية ‘زبيبة والملك’ ويقول تحت العنوان رواية لكاتبها. ونشر معمر مجموعته القصصية ‘القرية القرية – الأرض الأرض وانتحار رائد الفضاء’. وأكاد أقسم أن معمر لم يكتب حرفا واحدا في تلك المجموعة القصصية وربما لم يقرأها أيضا. أما حافظ الأسد فقد ترك غيره يكتب عنه، مثل صديقه باتريك سيل وبثينة شعبان وغيرهما.
حاول الثلاثة امتلاك أسلحة الدمار الشامل بفروعها الثلاثة: النووي والكيميائي والبيولوجي، حيث لا تكتمل العظمة إلا بمثل هذا السلاح الذي يردع الأعداء عن بعد ويشكل سياجا منيعا لحماية النظام، وليس بالضرورة لحماية الوطن. وقد يطول المجال لو أردت الدخول في التفاصيل مع أنها متوفرة، إلا أنني أريد أن أذكر القراء بأن معمل أوزيراك للأبحاث النووية شرق بغداد دمرته إسرائيل في 7 حزيران/ يونيو 1981. أما بقية الأسلحة الكيميائة والبيولوجية فقد تكفل بتدميرها المفتشون الذين دخلوا حتى غرف نومه في القصور. ولم تكتف الولايات المتحدة بذلك، بل قامت باحتلال البلاد وإعدام صدام صباح عيد الأضحى، كي يتجرع كل عربي شيئا من كأس المذلة، ثم يقوم الاحتلال بعد ذلك بتفكيك الدولة إلى مكوناتها الطائفية حتى يبقى الصراع الداخلي إلى الأبد أو تتقسم البلد.
أما أسلحة الدمار الليبية فقد تم تسليمها بهدوء إلى الولايات المتحدة بدون قيد أو شرط بتاريخ 19 كانون الأول/ديسمبر 2003 على خلفية غزو الولايات المتحدة للعراق، أو هكذا عممت إدارة بوش السبب في التنازل عن الأسلحة والبحوث والمواد الخام. علما أن الحقيقة هي شرط وضع على القذافي منذ عام 1992 وبعد أن فرض مجلس الأمن عقوبات على ليبيا، والشرط ينص على أن العقوبات لا ترفع عن ليبيا إلا بعد أن يسلم كافة برامجه وتدمير كافة المواد المتعلقة بأسلحة الدمار الشامل ضمن مجموعة كبيرة من الشروط تصل إلى 17 شرطا. وعندما أنجز القذافي تلك الشروط جميعها بما في ذلك الإقرار بالمسؤولية عن لوكربي واليو تو الفرنسية والتعويض على ضحايا الحادثتين تم إعادة تأهيل النظام.
أما أسلحة الدمار السورية فقد تكفلت إسرائيل بالجزء الأول من تدميرها، حيث أغارت على مجمع دير الزور في 6 أيلول/سبتمبر2007، ثم مراكز الأبحاث في جمرايا في 30 كانون الثاني/ يناير 2013. وقيل بعد كل حادث إن الرد سيكون في الزمان والمكان المناسبين. أما بقية الأسلحة الكيمائية فقد قبل النظام تسليمها للمفتشين الدوليين لتدميرها من أجل أن يبقى النظام.
لم تحم تلك الأسلحة الزعماء الذين امتلكوها لأنها أصلا كانت جزءا من مظاهر الأبهة والعظمة والعنجهية التي كان الزعماء الثلاثة يعيشونها ويؤمنون بها لدرجة التماهي ، وليست جزءا مدروسا من قدرات البلد الدفاعية. كانوا يعـتقدون أن أسلحة الدمار الشامل سترهب أعداء الخارج وأعداء الداخل، ولم يكن في علمهم أن تلك الأسلحة أدت إلى نهاية مأساوية ليس فقط للزعماء بل للبلاد برمتها. وكم تمنينا لو أن ما صرف من مليارات الدولارات على تلك الأسلحة استخدم للتنمية الداخلية لجعل تلك البلدان أكثر مناعة وقوة وتأثيرا، فالسلاح لوحده من دون اقتصاد قوي ومجتمع متماسك وشعب موحد وسعيد يختار قياداته دوريا لبناء الوطن والسهر على مناعته لا يمكن إلا أن ينهار السلاح وينهار معه الوطن… ولنا عبرة قريبة في ما جرى للاتحاد السوفييتي الذي امتلك كل أنواع الأسلحة التقليدية منها وغير التقليدية، ولكنه انهار لأن المواطنين كانوا يقضون ساعات يوميا في طوابير الخبز والرز والملح.

‘ أستاذ جامعي وكاتب عربي مقيم في نيويورك

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية