إسرائيل تبذل في هذه الأيام جهودا كبيرة من أجل منع اشتعال عسكري في قطاع غزة. الأسباب لذلك واضحة ـ عدم وجود بديل واضح لحكم حماس والرغبة في مواصلة بناء عائق الأنفاق ـ ولكن ترتبط بها أيضا اعتبارات أخرى، الأساسي منها يتعلق بالجبهة الشمالية وتأثير إيران هناك، وهي مسألة تقف الآن على رأس سلم أولويات إسرائيل.
أمس الأول أصدر وزير الطاقة أمرا بإعادة تزويد القطاع بالكهرباء من إسرائيل إلى الوضع السابق قبل سبعة أشهر. وفي الوقت ذاته تمت دعوة الكابنت للاجتماع في القدس إلى جلسة مطولة بحثت في الوضع على الحدود مع لبنان وسورية. الحدثان مرتبطان ببعضهما، على خلفية انعدام الاستقرار في الحدود، على إسرائيل أن تدير طوال الوقت عدة أزمات في الوقت عينه وفحص الطريقة التي تؤثر فيها التطورات في هذه الجبهة على الجبهات الأخرى.
في حزيران الماضي قلصت إسرائيل تزويد الكهرباء لقطاع غزة بعد أن قررت السلطة الفلسطينية تقليص الدفعات الشهرية لتمويل الكهرباء من 40 مليون شيقل إلى 25 مليون شيقل شهريا. على المستوى السياسي وفي الأجهزة الأمنية لم يتحمسوا لهذه الخطوة من قبل قيادة السلطة، لكنهم قرروا التماشي مع رئيس السلطة محمود عباس. الضغط غير المباشر الذي قام به عباس على حماس أثمر: تقليص الكهرباء في غزة لساعات معدودة فقط في اليوم فاقم الضائقة الإنسانية هناك. وكانت تلك واحدة من الأسباب لاستعداد حماس الاستجابة لاقتراح المصالحة المصري والموافقة على نقل صلاحيات مدنية في القطاع إلى أيدي السلطة.
ولكن في الأشهر الأخيرة وصلت محادثات المصالحة إلى طريق مسدود. عباس غير مقتنع أن المصالحة لن تفيده وهو يرفض التقدم لأخذ الصلاحيات طالما أن حماس لم تخضع مسلحيها للسلطة. وهو أمر حماس غير مستعدة لتنفيذه. في هذه الأثناء يتواصل التدهور في البنى التحتية للصرف الصحي وزاد الاعتماد على تزويد الكهرباء مع قدوم الشتاء. الآن، بعد تصريح ترامب في 6 كانون الأول بدأ إطلاق الصواريخ على النقب من قبل التنظيمات السلفية الصغيرة التي انضم اليها ايضا مؤخرا الجهاد الإسلامي.
مصر التي تخاف من فقدان السيطرة التامة على الوضع بدأت باستخدام الضغط على كل الأطراف كي تتنازل. عباس قام في الأسبوع الماضي بتحول تام في موضوع الكهرباء، وإسرائيل التي تريد تحييد الجهات التي من شأنها أن تسرع المواجهة العسكرية، زادت أمس تزويد الكهرباء. في اخبار «كان» جاء أمس أن إسرائيل تفحص تسهيلات إضافية منها زيادة نقل البضائع إلى القطاع (عدد الشاحنات في معبر كرم أبو سالم انخفض إلى النصف تقريبا بسبب انخفاض القوة الشرائية في غزة) والمصادقة على مشروعات في مجال البنى التحتية بتمويل دولي.
في الشمال يواصل نظام الأسد استعادة مناطق في أرجاء سورية إلى سيطرته، برغم الهجمات المضادة للمتمردين السنة (في شمال غرب الدولة نجح المتمردون في تدمير عدد من الطائرات الروسية على الأرض في قاعدة «حميميم» الجوية. المعارك القاسية تجري في إدلب في شمال سورية، لكن بموازاة ذلك يستعد النظام أيضا لإعادة السيطرة على مناطق في جنوب الدولة قرب الحدود مع إسرائيل. في بداية كانون الثاني تم التوصل إلى اتفاق حول استسلام وانسحاب المتمردين من منطقة تقع في محيط قرية بيت جن، على بعد 11 كم شرق الحدود مع هضبة الجولان.
في ظل تقدم النظام بدأت إيران جني ثمار انتصار نظام الأسد. شاحنات إيرانية تقوم بنقل البضائع وربما وسائل قتالية في الممر البري الذي انشأته طهران مجددا في الأراضي العراقية والسورية، حتى دمشق. إيران تجري أيضا محادثات مع الأسد حول استئجار قاعدة جوية وميناء، وحول إقامة قواعد للمليشيات الشيعية وحول إذن لتمركز المقاتلين الشيعة في الجنوب، ليس بعيدا عن الحدود مع إسرائيل. الأسئلة الأكثر حسما بالنسبة لإسرائيل تتعلق بصناعة السلاح الإيراني.
إعادة تأهيل ترسانة الصواريخ
شخصيات إسرائيلية رفيعة المستوى منها رئيس الحكومة نتنياهو ووزير الدفاع نتنياهو أظهروا القلق من توجهين: إعادة تأهيل ترسانة الصواريخ للنظام، التي استنفدت تقريبا بشكل كامل في الحرب مع المتمردين وانشاء مصانع أسلحة في سورية ولبنان، التي بمساعدتهما ستتحسن قدرة الإصابة الدقيقة للصواريخ والقذائف لدى حزب الله. على المدى البعيد تستطيع إيران تهديد نقطة ضعف لإسرائيل ـ السكان المدنيين ـ من ثلاث ساحات: لبنان، سورية وقطاع غزة، الذي يتلقى فيه الجهاد الإسلامي، وبدرجة أقل الذراع العسكرية لحماس، المساعدة الاقتصادية من طهران.
في إسرائيل أملوا أن تركز موجة الهجرة في نهاية كانون الأول في إيران، النقاش الداخلي هناك حول المساعدة الاقتصادية الكبيرة التي تنقلها الحكومة للإرهاب على حساب المواطنين. ولكن في هذه الأثناء يبدو أن النظام نجح في كبح انتشار الاضطرابات في الأقل في الموجة الحالية.
في الأشهر الأخيرة تبذل إدارة ترامب الجهود الكبيرة لإقناع المستوى السياسي في إسرائيل بأن الخوف الذي ظهر في القدس وكأن الولايات المتحدة ستنسحب من الشرق الأوسط بعد هزيمة داعش وتبقي الساحة مفتوحة أمام هيمنة روسيا وإيران، غير صحيح. في البنتاغون قرروا أن 2000 جندي أمريكي تقريبا سيبقون في شرق سورية، من أجل تقييد حرية عمل إيران في الممر البري. وزير الدفاع الأمريكي، الجنرال جيمس ماتيس، يتبنى خطا متشددا مناهضا لإيران في الإدارة، لكن حتى الآن هو مدعوم بتصريحات أكثر من الأفعال من جانب الرئيس. من جهة أخرى، تحت إدارة ترامب ـ خلافًا لأيام أوباما ـ تصعب رؤية واشنطن تتدخل من أجل تقييد خطوات إسرائيل في الشمال، إذا قرر نتنياهو أن هذه نشاطات مطلوبة.
هآرتس 9/1/2018
عاموس هرئيل