الياس خوري
السؤال ليس كيف امتلك الاسرائيليون جرأة مجزرة غزة، القاتل لا يسأل عن الجرأة او عن الأخلاق. والسؤال ليس كيف يتابع الامريكيون تسييج معتقل غوانتانامو بالموت، فالمنتصر، حتي وان كان مرتبكا، ليس مطالبا بتقديم الجواب.
الجواب تملكه الضحية، وعليها هذه المرة ان تصوغه، تحت النار والدم.
هذه هي المفارقة الأخلاقية والسياسية والفكرية التي علي الثقافة العربية تقديم جواب عليها.
قد نقول، وفي قولنا الكثير من الصحة، اننا نعيش مرحلة كمون وتراجع، وان الانتقال من المرحلة القومية المندثرة الي مرحلة جديدة، دونه الأهوال. وخصوصا ان هذا الانتقال يأتي نتيجة هزيمة عسكرية كبري هي هزيمة الخامس من حزيران (يونيو)، ويتم تحت النار التي يطلقها الغزاة.
وقد نقول استطرادا، انه في المراحل التاريخية المشابهة، مرحلة الغزوين الافرنجي والمغولي، عاشت الثقافة ما يشبه فقدان البوصلة، ونمت تيارات مختلفة، من التصوف الجماهيري، الي الحشاشين، وان المجتمع كمن، والثقافة نامت، في انتظار ان تخفت موجات الغزو.
وقد نستنتج، ان علينا الصمت الآن، او الانصراف الي كتابة الأدب، وتناسي ما يجري، او النظر اليه في وصفه تجربة موت، وثمنا لتعثر حركة النهضة العربية، وسقوطها بين فكي كماشة، طرفاها الانقلاب العسكري من جهة، والريوع النفطية المرتبطة بالاوليغارشية الدينية والسياسية من جهة ثانية.
قد نقول، وفي قولنا الكثير من الحقيقة، ان الشعوب تتعرض، كما الأفراد، لانحطاط اخلاقي وفكري، وان العالم العربي، يمر اليوم في لحظة انحطاط اخلاقية وفكرية كبري، وان جل ما تستطيعه الثقافة هو الانتظار، وتعبئة هذا الانتظار الطويل بنصوص الانتظار.
غير ان علاقة هذا القول بالحقيقة تبقي ملتبسة، وليست مؤكدة، لأنها تهمل مسألة كبري، هي ان الدم في الشوارع، وحين يكون هذا الدم دمنا، وليس مجرد صورة تلفزيونية، فان المسألة تصير مختلفة، وتفرض علينا، اكتشاف وسائل جديدة لربط القول بحقيقة مواجهة الموت.
اعتقدت وانا اشاهد الدم المسفوك علي شاطئ غزة، بأن هذا الدم سيرسم خطا جديدا علي الرمال، وسيدفع بالقوي السياسية الفلسطينية الي اعادة نظر جذرية في المناخ الخلافي المسيطر، منذ لحظة وثيقة الأسري.
اعتقدت بداية، ان وثيقة الأسري، بما تحمله من وزن معنوي واخلاقي، سوف تضع حداً لجدل الصراع علي سلطة لا سلطة لها في فلسطين. وانها سوف تفتح الباب امام العقل كي يكون حكما، ويرسم استراتيجية جديدة، في مواجهة القرار الاسرائيلي الحاسم بتحويل الفلسطينيين عبيدا في بلادهم المنتهكة.
لكنني كنت علي خطأ.
اذ لم اضع في حسابي، وانا ابحث من خلال مشاهد الدم والمعاناة، ان الانحطاط قد يفترس العقل، وان الصراع الداخلي اكثر سهولة من مواجهة مهمات مقاومة صارت اليوم في فلسطــــين مرادفا للحياة نفــــسها. اذ ان خفوت ارادة المقاومة، او تمزقها، سوف يعني ان غريزة الموت انتصرت علي غريزة الحياة.
وبوضوح لا لبس فيه، اقول انا العلماني ان الوقت ليس وقت تصفية او قهر حماس والتيارات الأصولية في فلسطين. الوقت يجب ان يكون لاستخلاص عبر الهزيمة الانتخابية التي منيت بها القوي الوطنية والعلمانية، كي تكون عودتها الي القيادة، جزءا من استراتيجية جديدة، ترسم افقا نضاليا طويلا، علي فلسطين ان تمر به، قبل ان يولد فجر الاستقلال.
وبوضوح ايضا، فأنا مفاجأ بالتسرع الحمساوي، وبعدم القدرة علي بلورة اي افق استراتيجي، كأن المسألة يمكن اختصارها، بأن حماس تبدأ اليوم من حيث انتهت فتح، وان هدفها هو الاستيلاء علي كل السلطة، من دون اي بناء جديد، ومن دون القدرة علي المناورة، او علي بناء تكتيكات متحركة، تلبي متطلبات المرحلة.
الممارستان، داخل ازدواجية السلطة الفلسطينية تثيران القلق والخوف، حماس تتجاهل ان اول علامات النضج السياسي هو ان السلطة استمرار، وان الديمقراطية لا تعني ان الفائز في الانتخابات يستطيع التنكر للمواثيق والمعاهدات والالتزامات التي قررتها الحكومات السابقة، والا بطلت فكرة تداول السلطة، التي هي اساس الديمقراطية. بينما تقوم فتح بعرقلة كل شيء، متناسية ان صحراء الاقلية البرلمانية التي تملكها، كانت معبرا ضروريا لتطهير نفسها من الفساد، واعادة بناء افق فلسطيني نضالي جديد.
لذا تبدو الأمور وكأنها في المأزق.
بدل ان تعتبر حماس ان وثيقة الأسري هي معبرها الي وفاق فلسطيني يسمح باعتماد استراتيجية متحركة للحالة الفلسطينية المهددة، اعتبرتها مناورة فتحاوية لاسقاط سلطتها، كما ان فتح بدل ان تجعل من الوثيقة نفسها بابا للوحدة الوطنية، جعلتها اساسا لفرز سياسي مبكر.
انه المأزق.
وهو يعبر عن غياب صارخ للثقافة عن لعب دورها الاخلاقي والسياسي في لحظة الأزمة.
نعود الي السؤال الذي لا جواب عليه:
هل يكون هذا التفكك معبرا الي انحطاط لا مهرب منه؟ ام سيكون دافعا الي يقظة فلسطينية تواجه اللحظة الحرجة؟
لا ادري، لكنني اعتقد ان وثيقة الأسري هي الصيغة الأفضل الآن، لبناء افق جديد، ومن دون اعتبارها اساسا موحدا فان فلسطين مهددة، علي كل المستويات والأصعدة.
يجب ان نبدأ من مكان ما، لكنني لا اري علامات البداية.