ما زلنا كعامة تختلط علينا المفاهيم والرؤى في الكثير من معاني الجهاد وفرضيته وتطبيقه وحدوده الدنيا والقصوى، وننقسم كمجتمعات ما بين تعطيله بالكلية حتى في أدنى صوره وما بين المطالبة بتنفيذه دون هوادة ولا مراعاة لتغير ظروف الزمان والمكان، كما كان الطرح في كتاب الفريضة الغائبة للشهيد محمد عبد السلام فرج أحد منظري الحركات الجهادية، والمشكلة الأكبر هو ما ينطلق من حرب الإدانات بالضعف والتفريط من الطرف الذي يرى الجهاد جهاد القتال فقط، و يسارع الى تقسيم الناس الى مسلمين وكفار، الى الطرف الذي ينظر للجهاد بشمولية أكبر تبدأ من الكلمة قبل أن تصل اضطرارا الى السيف وتفرق بين جهاد الأعداء المحتلين لديار الاسلام واصلاح المجتمعات العاصية والفاسقة، وما فتوحات الاسلام العظيمة السلمية الا دلالة ان هذا الدين دين المرحمة لا دين الملحمة ودين تعبيد الناس لربهم لا قطع رقابهم وهدايتهم بالحسنى لا إقامة الحجة عليهم فقط ومد الجسور لهم لا إعلان البراءة منهم، وهذا لا ينفي وجود مراحل فاصلة لا ينفعها الا قوة السيف وقطعه وحزمه ولكن متى وضد من فهذا لا يكون الا بعد استفراغ واستنفاذ الجهاد السلمي،الذي جاء وصفه بالجهاد الأكبر، وهذه القرارات الحاسمة لا تستأثر بها طائفة ولا حزب وإنما تكون بإجماع المسلمين ومشورة الصادقين من العلماء وأهل الحل والعقد، فالرسول صل الله عليه وسلم بعث هاديا وحافظا وعاصما للحرمات حتى حرمة أهل الذمة فما بالنا بالمسلمين حتى لو كان اسلامهم بالاسم وشهادة الميلاد فقط فالنوايا لا يعلمها الا الله ولنا الظواهر فقط. إن حرق المراحل في الإصلاح وإعمار الأرض يؤذي الفكرة والمشروع الاسلامي فلا يمكن إقامة الدين وتطبيق الشريعة على مجتمع غير معد في معظمه لقبول أحكام الدين لأن ذلك سينتج كراهية أشد ونفورا أكبر ونفاقا ما بين سلوك وإيمان العلن وكفر الباطن وما بعض الممارسات التي نعرفها في بعض دول الخليج وإيران تجاه الحجاب مثلا الا دلالة أن السلطان وان تحكم بظاهر الأجساد فإنه لا يتحكم بالعقول والقلوب وهذه ان لم تسق بالحسنى ستظل نافرة ولا تحسب على الاسلام وأهله ولا عدته في شيء بل ان أول كبوة للاسلام تكشف عن ضغينة هؤلاء لكل ما ينتمي الى الدين. لقد جاء في الحديث الشريف’ أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر’ وبهذا تفوق الاسلام على كافة الشرائع الدولية فهي منحت حرية التعبير عن الرأي للبشر بينما رفعها الاسلام لدرجة ‘فريضة التعبير’ وجعلها أفضل الجهاد وهو سنام الاسلام ورغب كذلك في تحمل العواقب الناتجة عن قول الحق فجاء في الحديث ‘سيد الشهداء حمزة ورجل قام الى إمام جائر فأمره ونهاه فقتله’ ودعى أن تكون مراقبة الله وخشيته هي الدافع وراء قول الحق فجاء في الحديث ‘لَا يَحْقِرْ أَحَدُكُمْ نَفْسَهُ ‘، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَيْفَ يَحْقِرُ أَحَدُنَا نَفْسَهُ ؟ قَالَ: ‘ يَرَى أَمْرًا لِلَّهِ عَلَيْهِ فِيهِ مَقَالٌ، ثُمَّ لَا يَقُولُ فِيهِ، فَيَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: مَا مَنَعَكَ أَنْ تَقُولَ فِي كَذَا كذا وَكَذَا، فَيَقُولُ: خَشْيَةُ النَّاسِ، فَيَقُولُ: فَإِيَّايَ كُنْتَ أَحَقَّ أَنْ تَخْشَى ‘، ولم يفرق في قول الحق بين رجل وامرأة فكانت النساء وهن الأكثر استضعافا في المجتمع يشتكين الى الله وفي الأمة نبي مرسل بين ظهرانيهن فينزل الانصاف بحكم الهي ويرفعن صوتهن معارضات بالحق في وجه الخلفاء والأزواج والمستبدين كالحجاج وغيرهم. بل ان الانتكاس من درجة فريضة التعبير التي منحها الاسلام للناس الى حرية التعبير في القوانين الدولية يجعل من هذه الحرية عرضة للانتهاك اذا غاب القانون والدولة، ففريضة التعبير منحة ربانية لا يملك أحد أن ينزعها من الانسان حتى لو كان الثمن روحه بينما حرية التعبير يتلاعب بها أصغر شرطي لا تعجبه كلمة أو حركة فيبطش بالناس بتهم عجيبة مثل إطالة اللسان والتعدي على المقامات السامية ظنا منه أنه يتحكم بأقدار وحياة وأرزاق الناس أو يتلاعب بحرية التعبير بالسماح للنفاق والتضليل ومسح الجوخ بالظهور والانتشار بينما يمنع بيان الحقيقة والانتقاد ولكن الله حرر المسلمين من الخوف على هذين الامرين بالذات حتى لا يقف في وجه قول الحق والتعبير عنه أي عوائق. إن قول الحق وفريضة التعبير على قدسيتها لا تستدعي العنف والمفاصلة والمحاججة بل ان الرفق يحقق ما لا تحققه الشدة والغلظة وقد أمرنا الله أن نقول للناس حسنى فشعوبنا، على ضلال كثير منها، قابلة للتغيير والتعاون معها على قواسم مشتركة من الحق والفضيلة ولا يجوز الحكم بالهلاك والثبور الا على من اعتدى على دماء المسلمين وأموالهم وأعراضهم وما دون ذلك مغفور من الله قبل البشر والحقوق تؤخذ بقدرها في الشرع. إن قول الحق يستدعي أن يكون معه عمل بالحق حتى يرى الناس الاسلام حيا عاملا فاعلا في واقع الحياة وليس مجرد نظريات لا تسمن ولا تغني من جوع فليس كل الناس أصحاب عقول يمكن مخاطبتهم بالمنطق بل ان معظمهم لا يراك ولا يمشي معك خطوة ولو في الحق ما لم تسد حاجته فقد جاء الأعرابي الى رسول الله يرعد ويزيد وأمسكه وشده من عبائته حتى أعطاه الرسول وأرضاه وكسبه فرجع يثني ويحمد. إن دور المصلحين ليس في الدعوة فقط ولكن في إقامة المشاريع التي تنفع الناس وتقنعهم أن الاسلام هو الحل وهذه كانت رؤيا وسياسة الفاروق عمر. د.ديمة طارق طهبوب [email protected]