الناصرة ـ «القدس العربي» ـ وديع عواودة: تتسع كثيرا دائرة وسائط الوقاية لدى العرب والعجم مما يعتقد بأنه «صيبة العين» كيف لا وهي «بتفلق الصخر» فدقوا على الخشب ثلاث مرات. فإذا كنتم تؤمنون فالنتيجة في صالحكم وإن اعتبرتم ذلك مجرد هراء وأساطير فإن القصة الفولكلورية مسلية وغير مضرة وتخزي العين عنكم. والحديث عن دراسة فولكلورية بعنوان «صيبة العين في تراث وتقاليد الشعوب» لسعيد نبواني من أراضي 48 وفيها يؤكد أن الإصابة بالعين (أي الحسد) عقيدة شائعة بين الناس من أقدم العصور وفي مختلف البلدان وتوضح أن للعين تأثير سحري يلحق الأذى بالأشخاص والحيوانات والأشياء وأن أكثر ما يصاب منهم الأطفال الحسان.
وتوضح الدراسة الصادرة عن «دار المشرق» أن الشخص الذي يصيب بالعين يدعى عائن، وأنه لا يدري كيف عان ومتى ألحق الأذى بالآخر لأن ذلك غير منوط بإرادته ما يفسر إصابته أقرب الناس له أحيانا.
وتشير الدراسة إلى أن «صيبة العين في تراث وتقاليد الشعوب» أن الذين يصيبون بالعين وفق معتقدات العرب من الرجال هم من قباح الوجوه وغلاظ الحواجب وغائري العيون وأصحاب العيون الزرق والأسنان الفرق ومن الجنس الآخر العجوز الشمطاء الكثيفة الشعر.
الحسد والروح الشريرة
وترى الدراسة بـ «صيبة العين» أو «الحسد» مرادفة لتعبير «إصابة العين بالحسد» وتقول إنها أذية الآخرين بواسطة العين عن طريق موجات كهربائية مغناطيسية شريرة تنتقل من الحاسد إلى المحسود أو عن طريق روح شريرة أو غيره مما وقف العلماء حياله عاجزين عن تفسيره.
وللتعريف بإصابة العين تستذكر الدراسة أيضا «لسان العرب» الذي يعرف المعين بالمصاب بالعين والمعيون فهو من فيه عين وتشير إلى أن حقيقة العين نظر باستحسان مشوب بحسد من خبيث الطبع يحصل للمنظور إليه ضرر.
كلام الناس
وعن رأي عامة الناس في الموضوع تقول الدراسة «كانت النساء أيام زمان تتزين بالأزرق وترتديه وكان هذا اللون يزين جدران المنزل وأذكر كيف كانت أغلبية بيوت قرية الفريديس قضاء حيفا مطلية بالدهان الأزرق وكذلك بلدة عجة في الضفة الغربية وغيرهما من القرى العربية». ويكشف المؤلف تأثره بوالدته في الاعتقاد بصيبة العين وتأليف كتاب عنها فيقول «تقول لي الوالدة أن هناك اناسا يستطيعون رمي وإيقاع الطير من الجو وقطع عنقود العنب من العريشة من خلال النظر إليه فقط». ولكن الكاتب يستذكر مواقف متباينة لدى الناس بين من يؤمن بصيبة العين وبين من يعتبرها هراء.
الحامل والمحمول
ويقال حسب المعتقدات التراثية إن «صيبة العين» تفلق الحجر. وتروي الدراسة قصص كثيرة عنها منها قصة أبو يوسف (82 عاما) من قرية أبو سنان في الجليل الذي قال نقلا عن والده «كنا ثلاثة زملاء نتسامر مقابل المنزل حينما مرت مجموعة فتيات يحملن جرار الماء المائلة على رأسها فقال أحد الزملاء والمعروف بصيبة العين وهو يشير لأجملهن: شو رأيكم في الحامل والمحمول.. فقال صديقه: يا ويلك من الله إن رغبت في إصابتها بالعين فطرقها عين وإذ بالجرة تنكسر وتسيل المياه على وحه الصبية». وردا على سؤال يقول أبو يوسف إنه يؤمن بصيبة العين ويدعو لتفاديها بذكر الله والقول «يخزي الشيطان أو اسم الله عليك وحواليك أو يا عذرا أو يا مخلص خلصنا وحمينا».
حكاية الجمل
وتقول الدرسة ضمن قصص صيبة العين «يحكى أن أحد الأشخاص كان يصيب بالعين، لكنه كبر وشاخ وكف بصره. ذات يوم قال له بعض الناس ممن في قلوبهم مرض، إن فلانا من الناس عنده جمل سمين وكبير وجميل وليس في جمالنا ما يشبهه. قالوا للرجل الكفيف: لو كنت بصيرا لطلبنا منك أن تصيبه بالعين حتى نرتاح منه» لشدة حسدهم. فقال لهم: لا عليكم، اعملوا لي كومة من التراب تشبه سنام الجمل، فقام يتحسسها وجعل يمر بيده عليها عدة مرات وهو يتخيل الجمل ويقصده بكلامه: ما أسمن هذا الجمل وما أكبر سنامه…. فيقال إن الجمل وقع عند صاحبه ومات».
كما يتابع نقلا عن الشيخ فاروق صفية إمام مسجد قرية كفرياسيف الجليلية: «يحكى أن أحد الأشخاص من قرية كفر ياسيف كان أعمى ولكنه معروف بصيبة العين قد فعل فعلا مشابها. وتنوه الدراسة إلى أن الإيمان بـ»صيبة العين» يعود إلى زمان سحيق وإلى اعتقاد الفينيقيين والفراعنة بها واتخاذهم الأحجية والتعاويذ والخرز الأزرق وغيرها تدابير للوقاية من شرورها.
أعراض الحسد
ويوضح الباحث أن المعتقد بـ»صيبة العين» ما زال رائجا لدى الشعوب المختلفة بوجود مستويات متفاوتة من الإيمان بها. وتقول الدراسة إن أعراض الحسد تظهر على المال والبدن والنفس والسلوك وتتجسد في الانطواء والانعزال والخمول والأوجاع المختلفة وكثرة التثاؤب. وتشير الدراسة إلى أن أساليب الوقاية والعلاج متعددة وغريبة منها يتم بواسطة الحجاب والخرز الأزرق وإذابة الرصاص واستخدام النار وصورة اليد المعدنية «الخمسة» والأحذية والبيضة المجوفة والآيات والدق على الخشب وغيرها.
أما دقة الخشب فهي عادة منتشرة لدى مختلف الشعوب ولدى حتى من لا يؤمن بالعين صارت حركة مألوفة وتعود هذه الخرافة حسب الدراسة إلى العصور القديمة حيث كان الناس يعتقدون أن الآلهة من النوع الكريم الميال للمساعدة، تسكن الأشجار ولطلب معروف من إحدى هذه الأشجار الإلهية كان على الطالب أن يلمسها، ويقرع جذعها تعبيرا عن الشكر.
ويقول معد الدراسة الباحث سعيد نبواني لـ «القدس العربي» إن الأمثال العربية مثل «يكفيك صيبة العين» تعكس مدى رواج الاعتقاد فيها لدى الفلسطينيين والعرب ويسرد الكثير من القصص الشعبية عنها مقابل الإشارة لرفضها من قبل آخرين. ويشير لعادة تحويل الأنظار عن الشيء بإخفاء جماله وتشويه منظره ما دفع بعض الأمهات لترك أولادهن قذرين خشية من العين. ويروى عن سيدة من الناصرة كانت ترتدي ثوبها معكوسا للغرض ذاته. أما الخرزة الزرقاء فتعود كما ينوه نبواني لتقاليد فرعونية، حيث عمل المصريون القدماء لحماية أنفسهم من الحسد بالخرزة الزرقاء التي تمتص الطاقة الشريرة من عين الحاسد.
في الديانات
ويوضح، أن عقيدة الحسد والإصابة بالعين شائعة في جميع الأديان والحضارات في الشرق والغرب ويضيف «إذا كان الإيطاليون يحرسون أنفسهم وبيوتهم بالثوم، فإن الأمريكيين يستعينون بخشب الصندل». كما يوضح أن لفظة «الحسد» ومشتقاتها وردت خمس مرات في القرآن الكريم منها «ومن شر حاسد إذا حسد» علاوة على أحاديث نبوية كثيرة منها ما روته عائشة «أمرني النبي صلعم بأن نسترقي من العين» كما ورد في الصحيحين. ويشير لانتشار الاعتقاد في صيبة العين في اليهودية، منوها لما أوصى النبي يعقوب عليه السلام أولاده عندما أرسلهم لمصر لزيارة النبي يوسف بعدم الدخول من باب واحد خوفا من صيبة العين. لافتا أيضا لما ورد في سفر التكوين من أن النبي إبراهيم الخليل سأل أين اسحق؟ فكان الجواب إنه أرسل في الليل خوفا من العين.
لكن الدراسة تؤكد نبذ الديانات التوحيدية الثلاث لأعمال الشعوذة والسحر والعرافة والرقية.