‘ قصائد تلتفت إلى الأمام’ لطيب جبار: نقد يلتفت إلى الخلف

حجم الخط
0

بصفتي قارئاً قبل كل شيء، ما إن اطَّلعت على مجموعة طيب جبار الشعرية ‘ قصائد تلتفت إلى الأمام’، وهي من منشورات’ الغاوون- بيروت/2012′ في ‘128 ص’ من القطع الوسط، حتى التفت إلى الخلف، أو الوراء، متحرياً طريقة مكونات المجموعة فنياً.
وقبل البدء، لا بد من القول أن المجموعة الشعرية مترجمَة من الكُردية إلى العربية، والمترجم هو عبدالله برزنجي، وكوني لم أطّلع على النص الأصلي، فإنني، ومن خلال التفاعل مع قصائد المجموعة هذه، أرى أن لدينا مجموعتين شعريتين في واحدة بذات نفاذ الأثر الجمالي، كما لو أن المترجم استقرأ روح الشاعر، أو أن الشاعر باح له بما هو معزَّز دلالياً على مستوى الترجمة، وهذا يدفع بنا’ بي’ إلى القول بأن ثمة شعراً جرى تقاسم كتابته بين شاعرين افتراضاً.
ما الذي حفّز الشاعر طيب جبار، والذي بات معروفاً في حضوره الدوري على صفحات’ الغاوون’ البيروتية لدى المهتمين بها، على اعتماد الجهة بوصلة تذوقية لافتة لشعره؟ ألأنه مهندس في الأساس، وينشغل بالجغرافيا والهيدروليك والجيولوجيا، أي بما هو مكاني، حيث يقيم الوصل بين المرئي واللامرئي وقد مارس فيه ترجمة كلمة من حيّز المعاش اليومي إلى رحابة الرمزي أو السيميائي؟ أم أن ذلك محض مصادفة؟ أم أن لا ضير في تسخير الهندسي في خدمة الجمالي على مستوى القول الشعري، وما في ذلك من توسيع فضاء المعنى للغة الشعر؟
أعتقد أن كل الجهات مباحة في الأدب، والشعر بالذات، طالما توافرت القدرات !

إذاً
إذا جاز لي أن أطلق لقباً على الشاعر فيما أتى به شعرياً، فهو لقب’ المكاني’ بامتياز! وربما يكون هذا مستفزاً، حيث لا شاعر دون توجه مكاني، إنما المحفَّز هنا، هو أن طيب يظهر مأهولاً بأثريات المكان إلى درجة الجذب، وربما أمكن القول أن الانشغال بالمكان انطلاقاً من مكابدات اجتماعية وتاريخية، أصَّل فيه نوستالجيا وصفية تمارس تجديداً في أصداء المكان وأنوائه ومناخاته، كونه من إقليم كردستان العراق ومقيم في المدينة المعتبَرة’ السليمانية’ ذات الصيت.
الشاعر مصمم على النظر إلى الأمام، كما لو أنه يطلب المغفرة من خالق مجهول يعرفه هو، لأنه منشغل بقصيدته، ولا يحب النظر إلى الخلف لأن ثمة آفات وخرائب لها بداهتها، كما لو أنه ساع إلى تأسيس عالم من كلمات، لكن إرادة قول الشعر تعرّفنا بمحيط مؤثر فيها.
في المكون الديواني ثمة ركائز تجهر بحسيتها وتسند القصيدة هذه أو تلك، من خلال استتباعاتها المتنوعة، أعني مفاتيحها التي يعتادها الشاعر ( كن حذراً- لو- أنا شاهد- تمهَّل- حدَّق- هكذا- أنا بحاجة، يا وردتي لا ترحلي..الخ) وهي في تكراراتها، وثمة استثناء، كما في القصائد التالية( مرة أخرى أقبل الليل- إلى حسين مصري- البرقية الأخيرة لـ نالي)، لتعود اللازمة الابتدائية كسابقاتها في القصيدة الأخيرة( نامي حبيبتي)، كما لو أن وضعاً لا شعورياً أسهم في ذلك.
إن الجائز قوله، هو أن المتحسس في المقروء هو إيحاء الشاعر لقارئه المتابع للحراك الشعري، بأن المطلوب هو التحول مع نص مختلف يصطحب موسيقا مضمرة، تُسمع أو تهمَد تبعاً لمقدرة القارئ الشعرية، حيث يستحضر خيال الشاعر كل من شأنه الجمع بين أمكنة بغرابة محفّزة.
( كن حذراً- أنا شاهد- لا تدع تلك الريح..- تنحني- فتقطع عنا الدرب)، ثم( كن حذراً!- لا تدع تلك النار..- تُشوى أكثر- فتتفحم ويتعذر تناولها… ص9).
في تينك الرباعيتين، لا يتخذ الشاعر من نفسه دور الوصي بلغته الخطابية، إنما يخاطب مجهولاً أو يكون هو نفسه الآخر، وما يصل الفردي بالجمعي: المخاطب’ أنت’، والمردود’ نحن:عنا’، ويجري تطويع الريح في مشهد يعنينا، أي عبر أنسنة للريح هذه وما تعنيه الدرب لنا دلالياً، وهذا ينطبق على النار: العنصر الآخر في الطبيعة، إنها قائمة فينا، وعلينا معرفة كيفية تمثلها، سوى أن الموسيقا ذات النسب الشعري هي في التحويل بمتخيل القارئ عبر علاقات مستجدة.
يمكن ملاحظة ذلك في مكان آخر، أي عبر التحكم بالمكان والتصريف به ذوقياً صوب حداثة منتظرة( أنا شاهد!- كنت بنفسي هناك- في منتزه أشعار المدينة- كانت هناك قصيدة جميلة- ناعمة وفارعة الطول- تشبه فتاة مضلَّلة- اغتالوها..- بنقد كاتم للصوت. ص15).
ليس من عنف في البناء الشعري، لكنه عنف معاش في العمق، بقدر ما نستشعر توجيه الأنظار إلى الحادث وراء المستور، وكون الشاعر شاهد عيان، وكيف يمثَّل بالشعر الرهان الأوحد للشاعر للحكم القطعي أحياناً على خاصية المدينة الأخلاقية، سوى أن شرحاً في المشهد الشعري قلَّل هنا من لألاء المعنى، كما في( ناعمة وفارعة الطول)، وكأنها عبارة شارحة لسابقتها.
إن لدى الشاعر مخزوناً وفيراً من العلاقات المدروسة بتوضعاتها الجمالية، وهي تذكرنا به على مدى متابعة متأنية لنصوصه الشعرية وهي في مشاهد وامضة، كما في ( لا تقلق- لن أسمح بانطفاء الريح- لن أسمح بإسكات صدى الارتياح- لن أسمح- أن تميل منارة الغلال.ص39)، إذ تبدو في الظاهر على غاية من المباشرة’ لن- لن..’، سوى أن التالي يزيح المباشرة، ويسلس القياد للخفي، أي لما يكسب القول بعده الشعري المرتقب، والقدرة على معايشة المكاشف فنياً.
لا يعني ذلك أن الشاعر في سلوكه الطريق الذي يشير إليه قد أفلح دائماً، وأنى حط به الرحال الشعري في إكسابه اسمه ما يرفع من شأنه الشعري هذا في كل ما تفوَّه به، إنما ثمة بين نص وآخر ما يستوقفنا ومقاربة التلذذ له، وهو يقع في شرك الشرح أو التوصيف المثقل على المعنى أحياناً، كما في ( هكذا كان- التحالفات تنهار- والوحدة لا تُنجز..ص47)، إذ ثمة مباشرة، وفي الوقت ذاته شرح، إذ طالما’ التحالفات تنهار’ فذلك يعني أن’ الوحدة لا تنجز’..
أو حين تستوقف القارئ جملة مشاهد جميلة بحق، وربما تعاني من بعض الطول، أو الاستطراد، كما في ( تعلَّمْ- كيف تسحب السماء- التي تعاني منذ سنوات- من البقع الوسخة واللون الأزرق- إلى السطح وتفرشها- ومن ثم تدبغها- وتعطيها لوناً بنفسجياً فاتحاً- وتعلقها في مكانها الأصلي.ص63).. إنها صور متداخلة وحيوية بمغذياتها الجمالية، ولكني كقارئ هنا، ونظراً لانهمامي بالشعر، كم كنت أتمنى شطب’ ومن ثم تدبغها’، لأن التالي ربما يفي بالغرض.
ولعل ذلك ينطبق على مشاهد أخرى، وأنا أسميها انطلاقاً من إعجابي بها، كما في ( لا ترحلي، يا وردتي لا ترحلي- الحديقة حزينة- الزهور تذبل والأوراق- الأغصان متدلية- تشبه حالي.ص93)، لأن بنية’ الحديقة حزينة’ تنطوي على فضاء يجري تخيله جهة زهوره وأوراقه معاً، ولتكون العبارة اللاحقة ذات مدى رفيع وبديع في شيْل المعنى المركَّب للجمالي.
أقول هذا وأنا أشير إلى مثال يفلت من كل تحديد، وهو مرام الشعر، والأمثلة كثيرة من هذا النوع طبعاً( عندما أنهمك- في ترقيع السماء- يُفلت من يدي- حبل حصان البركان.ص100)، فثمة ما هو أبعد من المتخيل، ولكنه الشأن الخيالي، وروعة المستقى الشعري بالتأكيد، وفي هذا السياق يكون الجائز فيما اختاره الشاعر بقصائده وهي تلتفت إلى الأمام، خلاف المعهود.
وأظن أن ما حاول الناقد العراقي’ فاروق مصطفي’ في كتابه ذي الطابع الوجداني( في الطريق إلى الشاعر المهندس طيب جبار: قراءات ومختارات)، طبعة السليمانية 2013، كان في مكانه، رغم أن المكتوب جاء بأسلوب شاعري وإنشائي دون مفارقة مكاشفات نقدية لطريقة الكتابة لدى الشاعر طيب’ ص 26، مثلاً’، وحتى بالنسبة للائحة اسمية لافتة من الذين تحدثوا عن نصوص شعرية له بصيغ شتى، يلتقي فيها الوجداني مع الوجدي مع النقدي مع الانطباعي، يكون المشار إليه قائماً على قيمة نقدية مرحَّب بها من ناحية، وكون تجارب من هذا النوع تستحق المقاربة القرائية، بقدر ما تحفّز على الاهتمام بها، وليس انطلاقاً على ما هو آبائي، عبر ما هو منمذج من نصوص شعرية لمن يعتبرون رموزاً وكأنها المرجع في القول الشعري من ناحية أخرى.
وفقاً لما تقدم، يأتي العنوان صائباً، وفي ضوئه يأتي المكتوب عنه متقصي الأثر مأخوذاً به .

ناقد من سورية لاجىء في دهوك

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية