في ثلاثة مقالات في هذه الصفحة صدر في الأسبوع الأخير إخطار استخباري بانعطافة استراتيجية في الصراع الإسرائيلي ـ الفلسطيني. فقد حذر خبراء في الساحة العربية يوسي كوبرفاسر، ايال زيسر وروبين باركو ـ من مسيرة تصل إلى منتهاها. وركز الخبراء على الآلية الناشئة في جانب الخصم، وليست مصادفة. وفي إطار تقويم الوضع المتبع في الجيش الإسرائيلي وفي مداولات الكابنت، يبدأ البحث في الغالب باستعراض استخباري عن وضع العدو.
ولكن المسألة الحاسمة، التي ليست من الصلاحية البحثية لخبراء الاستخبارات، هي قبل كل شيء ما هي تطلعاتنا – من ناحية الرؤيا القومية ـ وكيف تجد تعبيرها في التركيز على المصالح التي نريد أن نحققها. في هذا النقاش، كما أجاد التشديد ابن غوريون يجب أن تتصدر القيادة القومية وليس الخبراء المهنيين.
تمتد اعتبارات الأمن القومي إلى ما هو أبعد بكثير من الجوانب الأمنية الفنية. ومثلما تعرف الأمر أدبيات عقيدة الجيش الإسرائيلي فإن: «الأمن القومي هو المجال الذي يعنى بضمان القدرة القومية على المواجهة الناجعة مع كل تهديد على الوجود القومي وعلى المصالح الحيوية القومية..»..
وبالفعل، في مسألة مصالحنا الحيوية القومية في المناطق يكمن جذر الخلاف بين اليمين واليسار بالنسبة لمستقبلنا. في غياب التوافق على مسألة الرؤيا القومية، نقلنا النقاش إلى الخبراء الأمنيين، وتقلصت قائمة مصالحنا في المناطق إلى المطالب الأمنية فقط.
إن المصلحة الوحيدة التي شذت عن مساعي الحماية الفنية هي الانفصال عن الفلسطينيين، التي أصبحت مصلحة قومية عليا. فالحديث المتكرر عن واجب الانفصال يتنكر لحقيقة أن الانفصال تحقق في معظمه بقيادة رئيس الوزراء اسحق رابين. في أيار 1994 انتهى حكم إسرائيل على السكان الفلسطينيين في قطاع غزة، وفي كانون الثاني 1996 انتهى حكم الإدارة المدنية الإسرائيلية على الفلسطينيين في مجالات أ و ب في السامرة ويهودا. 90 من مئة من الفلسطينيين الذين يسكنون في المجال الذي احتل في حزيران 1967، يدارون منذئذ من السلطة الفلسطينية.
إن الشكل الذي رسم فيه رابين مناطق أ، ب و ج، يعبر عن الحيوية الكبيرة التي شخصها في سيطرتنا في مجالات ج. ولهذا السبب، بعد تحقق الانسحاب من معظم المناطق المأهولة، فإن استمرار المطالبة بالانفصال عن الفلسطينيين معناه، عمليا، انسحاب إسرائيلي شبه كامل من مناطق يهودا والسامرة بما في ذلك غور الأردن. بينما الكتل الاستيطانية ليست أكثر من 4٪ من عموم المنطقة.
انطلاقا من هذا الفكر، بعد العملية الإرهابية كقتل الحاخام رزئيل شيفح في ضواحي حفات جلعاد، يثير محبو الانفصال المسألة الحاسمة: ما الذي لنا نبحث عنه هناك، وإذا كان الجيش الإسرائيلي في هذه الأثناء مطالبا بالعمل، فلِمَ ينبغي أن يعيش هناك مواطنون إسرائيليون؟ وبالفعل فإن مصالحنا القومية في المناطق ليست فقط أمنية.
والفلسطينيون يفهمون أفضل منا، كما يقول عباس زكي من مؤسسي فتح، إنهم إذا نجحوا في دحرنا إلى قاطع الشاطئ الضيق، وفي إطار ذلك دفعنا لأن نفقد صلتنا بالبلاد كوطن الآباء والأجداد، فليست سوى مسألة وقت إلى أن نختفي كما اختفى الصليبيون.
إضافة إلى ذلك، فإنه من ناحية إقليمية وبيئية، فإن إسرائيل المتقلصة إلى قاطع الشاطئ، تصبح من نهاريا حتى عسقلان تواصلا مدينيا مكتظا لا يطاق. ومنذ اليوم وصلت مشكلة الاكتظاظ نقطة الغليان. وجهت التعليمات لسلطة التخطيط مثلا بالتخطيط لعام 2040، بإقامة 2.6 مليون شقة جديدة، كلها في إسرائيل التي داخل الخط الأخضر. ولكن البشرى الإقليمية توجد في المجال الشاغر ـ في مجالات غور الأردن، من خط الأردن وحتى ظهر الجبل ـ لإسكان مليوني يهودي في تواصل شرقي موازٍ لقاطع الشاطئ.
إن الشكل الذي رسم فيه رئيس الوزراء رابين مناطق ج، مع انتباه شخصي لكل محور وتلة، هو التعبير عن ترسيم المصالح الإقليمية لدولة إسرائيل في المناطق. ولتعابير هذا الفكر مطلوب مشروع استيطاني بثلاثة ميول أساسية: تطوير القدس الموسعة ـ ولا سيما شرقا حتى البحر الميت؛ تطوير مجال غور الأردن؛ وتطوير الأروقة من قاطع الشاطئ إلى غور الأردن. وهذا، ضمن أمور اخرى، هو المعنى الحيوي لحفات جلعاد، بصفتها تقع على أحد الأروقة من الغرب إلى الشرق. يدور الحديث بالطبع عن ميل لا يمكن إلا لمواطني الطلائع فقط أن يحققوه.
في تثبيت ميل الاستيطان الواسع يكمن أيضا المفتاح للاستقرار الاستراتيجي، في إقامة الوعي بأن تمسكنا بالمجال هو حائط حديدي من الأفضل أن نسلم بوجوده ونستند اليه.
إسرائيل اليوم 14/1/2018