الفنان علي محسن الأكوع: الإنشاد بدون آلات موسيقية خصوصية يمنيّة

حجم الخط
0

صنعاء ـ «القدس العربي» من أحمد الأغبري: ظل الإنشاد مهنة يحتكرها الرجال في اليمن إلى ما قبل بضع سنين، حين اقتحمته نسوة تحولن من ممارسته كهواية إلى مهنة احترافية تدرّ عليهن دخلا مقابل إحياء أفراح وأتراح نسوية، تقام في موازاة أفراح وأتراح الرجال التي يحييها منشدون رجال، يشاركون بالإضافة إلى إحياء مناسبات اجتماعية، إحياء احتفالات ومهرجانات داخلية وخارجية ما زال للإنشاد فيها حضوره.
وقال رئيس جمعية المنشدين اليمنيين علي محسن الأكوع لـ«القدس العربي»: وجود منشدات نساء يؤكد عمق وسعة الحضور الاجتماعي للإنشاد في اليمن؛ فعلى الرغم مما شهدته الحياة من تحديث إلا أنه لا يمكن الاستغناء عن الإنشاد في أفراح وأتراح اليمنيين». «حاولنا في الجمعية تخصيص قسم للمُنشدات إلا أن تلك الجهود لم تنجح، ربما بسبب التصوير وما تقتضيه العضوية، إلا أنه ربما في المستقبل نشهد ميلاد جمعية يمنية خاصة بالمنشدات؛ لكن في الوقت الراهن ما زال حضور المنشدات بسيطا ومحدودا» يضيف الأكوع.

الزامل

عمل الحوثيون منذ سيطرتهم على سلطة الأمر الواقع في صنعاء على تعزيز حضور فن صوتي غير إنشاد الموشحات؛ وهو فن إنشاد الزامل (نظم شعري وأداء إنشادي مختلف عن نظم الموشح وإنشاده)، الذي يؤديه (مزومل) مع فريق كورال على عكس إنشاد الموشح الذي يؤديه مُنشد، وممكن تؤديه فرقة إنشاد، علاوة على اختلاف المضامين والتقنيات الشعرية والخصائص الصوتية واللحنية في كل فن منهما.
يقول رئيس جمعية المنشدين اليمنيين: يتمتع إنشاد الموشح في اليمن بخصوصية ثقافية تجعله أكثر تميزا ليس في اليمن، وإنما على مستوى المنطقة العربية؛ وبالتالي لا خوف عليه من أي فن آخر، إذ ما زال حاضرا في حياة الناس منذ قرون، على الرغم مما شهده المجتمع من تطور في فنون ومجالات عديدة».

الإنشاد

ارتبط الإنشاد منذ مئات السنين بطبيعة المجتمع اليمني وعاداته وتقاليده، حتى أصبح المجتمع بأكمله ملازما للإنشاد في كل مناسباته، أفراحا وأتراحا، لدرجة أصبح وجوده اليوم أحد مظاهر الحياة الاجتماعية. وتناقل أوائل المنشدين في اليمن هذا التراث عبر السماع والحفظ أجيالا عقب أجيال، حتى وصل إلى الجيل الراهن، في ظل عدم توثيق هذا التراث حتى اليوم…»رغم أننا واثقون من أن الكثير من ألحانه وقصائده الإنشادية قد انقرضت، ومع ذلك فإنه لا يزال لدينا العشرات، بل المئات من القصائد والألحان الإنشادية التي نسعى جاهدين إلى جمعها من كل محافظات اليمن وتوثيقها ونشرها لتحفظها الأجيال؛ ومن هذا المنطلق جاء تأسيس جمعية للمنشدين عام 1989» يقول رئيس الجمعية علي الأكوع.
يعدّ الموشح اليمني أحد أهم فنون النظم الشعري في الجزيرة العربية، ويمثل خاصية يمنية مع الشعر والغناء وإن كان الإنشاد لم يقتصر على الموشح، بل شمل أشكالا أخرى من أشكال النظم الشعري. لم يُعرف بالتحديد أصل الموشح ونشأته، إذ قال البعض إنه نشأ في المشرق العربي بادئ الأمر، وكثيرون رجّحوا أنه أندلسي النشأة والانتشار، ومهما يكن فإن الموشح لم يشتهر كثيرا إلا في الأندلس، حيث شاع في القرن التاسع الميلادي وازدهر طوال خمسة قرون، حتى شاع في المشرق شيوعه في المغرب، وفق أحد المصادر. وقال صاحب «سلافة العصر»، «لأهل اليمن نظم يسمونه الموشح غير موشح أهل المغرب، والفرق بينهما أن موشح أهل المغرب يُراعى فيه الإعراب، بخلاف موشح أهل اليمن، فإنه لا يراعى فيه الإعراب، بل اللحن فيه أعذب وحكمه في ذلك حكم الزجل». ويؤكد رئيس جميعه المنشدين اليمنيين على أن المصادر اختلفت في تحديد تاريخ الموشح والإنشاد في اليمن، إذ يقول بعضها إن الموشح والإنشاد في اليمن يعود إلى ما قبل الإسلام، بدليل ما أنشده اليمنيون من قبيلتي الأوس والخزوج في المدينة المنورة عند استقبالهم للنبي محمد بنشيد مطلعه «طلع البدر علينا..»؛ وهذا الاختلاف نتيجة طبيعية لبقاء تاريخ الموشح والإنشاد في اليمن غير مدروس وتراثه غير موثقس حتى اللحظة.

ثلاثية التميز اليمني

عوامل كثيرة أسهمت في تعزيز الخصوصية اليمنية في شعر الموشح وفن النشيد، يقول علي الأكوع، من أهم هذه العوامل أن ارتباط الموشح في بداية الأمر بالزوايا الدينية، أسهم في تميزه بثلاثية اللغة العذبة والإيقاع الطروب والمضمون الإرشادي، وبواسطتها تجاوز تلك الزوايا إلى حياة الناس وأصبح لصيقا بعاداتهم وتقاليدهم.
ثقافة ولهجة كل منطقة في اليمن تفرض نفسها على أداء الموشح، ومن هذا المنطلق يختلف أداء الموشح من محافظة إلى أخرى؛ إضافة إلى التنوع الداخلي في ألوان الموشح والنشيد اليمني؛ فإنه يتميز عن غيره من موشحات بعض البلدان العربية ـ حسب الأكوع ـ في كونه يُنشد دون مصاحبة آلات موسيقية.
■ لكن الإنشاد أصبح في معظم الدول العربية مصحوباَ بآلات موسيقية، وهناك من يرى في ذلك تطويرا لهذا الفن وتعزيزا لحضوره؟
□ لقد أنشدنا موشحاتنا في أكثر من عاصمة وفي أكثر من مؤسسة ثقافية عالمية بدون مصاحبة الموسيقى، ولقينا قبولا وإشادة بالتزامنا الإنشاد الصوتي بدون موسيقى؛ لأن ما يميز الإنشاد هو الصوت؛ وبالتالي فإن دخلت الموسيقى على الإنشاد أصبح الإنشاد غناء؛ ولهذا الفن حديثه وأصوله؛ وإن كان ثمة ما هو مشترك بين الإنشاد والغناء، إلا أنه يفترض أن تكون موسيقى الإنشاد في صوت المنشد وموسيقى النشيد نفسه لا في الآلات الموسيقية. وهذا لا يقلل من شان من يؤدون الإنشاد بمصاحبة آلات موسيقية؛ إلا أننا في اليمن نفضّل أن يبقى إنشاد الموشحات بالذات بدون آلات موسيقية.. فتكامل جمالية موسيقى الأداء الصوتي للمنشد مع جمالية موسيقى قوة الكلمة وعذوبة اللحن ـ وتلك مهارات ومزايا متوارثة في إنشاد الموشح اليمني ـ يشعر معها المستمع وكأن النشيد مصحوب، فعلا، بآلات موسيقية.
■ لكنكم لم تستطيعوا توثيق هذا التراث حتى اليوم إذ ما زال بدون توثيق جامع لتراثه؟
□ اتفق معك تماما في أن تراث الموشح والإنشاد اليمني لم يوثق حتى اليوم، وتلك مسؤولية كبيرة ملقاة على كاهل الدولة ممثلة في وزارة الثقافة، إلا أن مؤسسات وزارة الثقافة لم توثق هذا التراث بسبب الوضع العام الذي يجعل من المعنيين بتوثيق هذا التراث يأجلونه من مرحلة إلى أخرى في ظل ما يحتاجه من إمكانات غير متوفرة لهذه الجهات؛ وهو الأمر الذي أصبح صعبا خلال الحرب. إن توثيق الموشح والإنشاد اليمني وتأصيل تاريخه من قبل المؤسسات الرسمية المعنية، وفي مقدمتها وزارة الثقافة ظل برنامجا مؤجلا ما تسبب بضياع كم كبير من تراثه، والبقية الباقية منه هي ما تحفظه بعض المؤلفات، بالإضافة إلى ما تحفظه الذاكرة الشعبية الشفهية… هذه المهمة تتطلب خطة واستراتيجية وإمكانات ضخمة تزيد من تعقيد هذه المشكلة التي تعاني منها كل ألوان التراث الثقافي في اليمن وليس الموشح والنشيد وحدهما.

 

الفنان علي محسن الأكوع:  الإنشاد بدون آلات موسيقية خصوصية يمنيّة

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية