أول «unfollow» في الإسلام!

حجم الخط
8

قلت لصديقي الذي يشكو من تخريب مواقع التواصل الاجتماعي لمزاجه ونفسيته، أنه المسؤول عما يفعله بنفسه، لأنه يرفض تقوية قلبه في اتخاذ قرارات «الأنفولو والميوت» التي ستريحه من عناء متابعة ثقلاء الظل ومشوّهي الأرواح ومشوّهيها، فاتهمني صديقي المتدين بقسوة القلب، وهو ما يجعلني أفرط في استخدام البلوك والأنفريند، حتى أنني أضع في تعريف حساباتي في مواقع التواصل شعاري الأمثل: (دع ما يغيظك إلى ما لا يغيظك فالحياة قصيرة)، وأنه يوفر قرارات جادة كهذه للشديد القوي، لأنه يخاف من رذائل الغرور والكبر والتعالي، فنفيت بحرارة أن يكون حرص الإنسان على حق البعد عمن يضايقه أو يستثقله كبراً أو غروراً، لأن الحق نفسه مكفول للجميع، ولو صرف الناس اهتمامهم عمن يكرهونه ويستثقلونه لأراحوا واستراحوا، ووجدوا في أوقاتهم متسعاً لما ينفعهم ويخفف عنهم ضغوط الحياة التي ننسى طويلاً أنها أقصر من اللازم، لكن المشكلة أن أغلبنا يقيم للصداقة الافتراضية وزناً أكبر من وزنها الحقيقي، فلا يريح ولا يستريح.
ولإقناع صديقي بأن لقرارات الأنفولو والبلوك أصولاً تراثية عريقة، استعنت بكتاب «ذم الثقلاء» الذي ألفه الحافظ أبو بكر بن المرزبان المتوفى سنة 309 هجرية، والذي حققه الباحث العراقي محمد حسين الأعرجي، مهدياً تحقيقه إلى «ثقلاء الزمن العربي الرديء من الأكابر، عسى أن يخِفّوا قليلا، أو يَخفوا عنا»، ورغم أن كتب النوادر والأمالي الشهيرة في تراثنا تحتوي على نوادر تذم الثقلاء والغِلاظ، إلا أن ابن المرزبان الذي سبق أن كتبت عن كتابه الرائع «تفضيل الكلاب على كثيرٍ ممن لبس الثياب»، أفرد كتابه لذم الثقلاء وهجائهم، وهو ما لم يسبقه إليه سوى كاتب كوفي اسمه أبو العنبس الصيمري، كان مشهوراً بكتب ساخرة من نوعية: «فضل السلّم على الدرجة»، و»شكوى الجمل إلى ربه».
يروي ابن المرزبان في ذمه للثقلاء عن عامر، أن عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، قال: إني لأبغض فلاناً، فقيل للرجل: ما شأن عمر يبغضك؟ فجاءه فقال: يا عمر هل فتقتُ في الإسلام فتقاً؟ أم جنيتُ جنايةً؟ أو أحدثتُ حدثاً؟ فقال: لا، فقال على ما تبغضني؟ فسكت عمر، دون أن يجيبه، ولكن بدون أن ينفي كراهيته غير المسببة له. وكان أبو هريرة إذا ثقُل عليه الرجل، قال: «اللهم اغفر له وأرِحنا منه». وكان العابد بن طاوس يقول: لكلام ثقيل أشدّ عليّ من الشيطان. وروي عن سفيان الثوري أنه قال: إنه ليكون في المجلس عشرةٌ كلهم يخفُّ عليّ، فيكون فيهم الرجل أستثقله فيثقلون عليّ. وكان إمام الحديث وكيع إذا جلس إليه الثقيل غمّض عينيه وقام عنه. وفي ذلك قال سويد بن عبد العزيز: من ثًقُل عليك بنفسه، وغمّك في سؤاله، فألزمه أذناً صمّاء، وعيناُ عمياء. وكان تلاميذ ابن أبي عتيق يستغربون كيف يُغمض عينيه حين يقومون بعرض بعض المسائل عليه، وحين يصمتون يستنكر صمتهم، فيقولون: ظنناك نائماً، فيقول: «لا ولكن مر بنا من نستثقله، فغمضتُ عيني كراهية أن أراه». طيب، ألا يكون في ذلك كله نوع من «الأنفولو» بالله عليك؟.
قال الزاهد الكوفي ابن السمّاك: «كم من رجلٍ لو قدرنا أن نتحمّل ما به فعلنا، وآخر نحبُّ أن يموت». وكان منصور بن الحجاج إذا رأى بغيضاً قال: اللهم اقتله، وإن كان قتلهُ يقتلني فاقتله واقتلني. وكان الأسودُ إذا رأى ثقيلا يقول: استراح الأضرّاء، أي فاقدي البصر. قال رجلٌ لبشار بن برد: إنه لم يذهب بصر أحدٍ إلا عُوِّض، فما عُوِّضت من ذهاب بصرك؟ قال: ألّا أرى وجهك فأموت غمّاً. وقال سفيان الثوري لزائدة بن قدامة: لو كنتَ من البغال، لكنتَ من بغال النقل، تفريقاً له عن بغال البريد الخفيفة الحركة. روى الأصمعي أن ابن أبي طرفة قال: مجالسة الثقيل حمّى باطنة. وقال ثقيلٌ للإمام الشعبيّ: ما زلت في طلبك، فقال له: وما زلت منك فارّاً. وروي عن الشعبي أنه قال: من الناس من يخفُّ ومنهم.. كرحى البذرِ رُكِّبت فوق ظهري.
قال القاضي شريك النخعي لأحدهم بعد أن نفد صبره منه: أنت ثقيل، ولو كنتَ ثقيلاً في العيان كان هيناً، ولكن أنت ثقيلٌ على القلب. وروي عن المأمون أنه قال لجلسائه: لم صار الثقيل أثقل على القلب من الحمل الثقيل، فلم يُجب منهم أحدٌ، وقالوا: أمير المؤمنين أعلم، فقال: لأنه يجتمع على الحمل الثقيل الروحُ والبدنُ، والثقيل تنفرد به الروح. قيل لأيوب السختياني: لماذا لم تكتب عن طاوس ـ أحد كبار التابعين وكان فقيها جليل القدر ـ قال: أتيته فوجدته بين ثقيلين، فرجعتُ ولم أكتب عنه. وقال أحدهم حين احتاج إلى من يمليه كتابته: إئتوني بمُستملٍ خفيفٍ على اللسان، خفيفٍ على الفؤاد، إياي والثقلاء، إياي والثقلاء. وقال أبو أسامة لرجل: أول ما رأيتك أردت أتقيأ من ثقلك.
وكان بعض أهل الأدب يقول: استحسان الثقيل ثقلٌ، واستثقال الخفيف علامة الثقل، ويُقال: الأنسُ بالثقيل علامة الثقل، لأن كل طيرٍ يطير مع شكله. قال أبو عاصم النبيل: إذا أبغضت الرجل، أبغضت شِقّي الذي يليه، أي جانب جسدي المجاور له. يروي قيس بن الربيع أنه زار الأعمش مع جمع من أصحابه، فاستثقلهم الأعمش وقرر تركهم والدخول إلى بيته، لكنه ما لبث أن خرج قائلا: فررتُ منكم إلى البيت فإذا ثمّ من هو أثقل منكم، فرجعتُ إليكم، يعني بذلك زوج ابنته. ودخل رجلٌ على عليلٍ يعوده، وكان العليل يبغضه ويستثقله، فقال له: هل تعرفني، فقال له المريض: وهل يخفى بغضك على أحد؟
ولأن ابن المرزبان يدرك أن الشعور بثقل شخص ما على القلب، لا يمكن أن يكون له مبررات يسهل الإمساك بها، يحاول تعويض ذلك بأن يسرد ـ لمرة وحيدة في كتابه ـ مواصفات محددة للثقلاء، حيث ينقل عن المفضل بن المهلّب أن الثقلاء ثلاثة والرابع أثقلهم: أولهم رجل كان يزور قوماً يستثقلونه، فسألوا الله أن يريحهم منه، فغاب عنهم، فافتتحت أبصارهم، وطابت نفوسهم، فإذا به يأتيهم فجأة ليعتذر من تخلفه عنهم. وثانيهم رجل أتى رجلين قعدا دون الناس فدخل بينهما دون إذن. ورجل انتهى إلى حلقة قوم فأقبل على الذي يليه يقول: «إيش يقول هذا لكم»، فهو لا يسمع، ولا يدع من يسمع يفهم عن الحديث. أما رابعهم وأثقلهم فهو «الشاب المكتهل الذي يتحادث في مشيته، ويحسُر عن ساقيه، تميّزاً على الخلق بثقل روحه». ولعل التوصيف الفضفاض للشخص الرابع، يؤكد عدم إمكانية الإمساك بأسباب عقلانية لوصف شخص ما بأنه ثقيل، وهو ما يجعل مما روي عن سكتة الفاروق عمر أبرز تعبير تراثي عن كون النفور من الثقل والغتاتة، شعوراً طبيعياً، لا يمكن تبريره ولا تفسيره، ولذلك أعدك ألا أغضب إن صارحتني بنفورك من ثقلي، متفهماً مشاعرك ومكتفياً بالبلوك، لأساعدك على إماطة أذاي عن طريقك.
…..
«ذم الثقلاء» تأليف: أبي بكر محمد بن خلف بن المرزبان ـ تحقيق: محمد حسين الأعرجي. منشورات الجمل.

٭ كاتب مصري

 

أول «unfollow» في الإسلام!

بلال فضل

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية