أقيمت على مسرح الهناجر في دار الأوبرا في القاهرة: «تلك الليلة» .. سهرة تلفزيونية لا ترقى لمستوى العرض المسرحي

حجم الخط
0

القاهرة ـ «القدس العربي» من محمد عبد الرحيم: المسرح الجاد، المسرح المهموم بالإنسان المعاصر وقضاياه الاجتماعية والسياسية والأخلاقية. المسرح الذي يناقش مأساة الإنسان الوجودية. من الممكن مواصلة مثل هذه العبارات الرنانة إلى ما لا نهاية. هذه العبارات والمقولات التي سوّقها ورسّخ لها النقاد وفنانو المسرح، رغبة في التميز، أو التعلق بمعنى يمنحهم بعضا من قيمة أو تفرّد مزعوم. وفي الآونة الأخيرة جاءت عدة عروض مسرحية يؤديها جيل جديد كُتبت له النجاة من ثقل مثل هذه العبارات ومُنظريها، فمضوا في عروضهم خطوات إلى الأمام، بدون أن يشغلهم شيء سوى الفن، وأن يكون نابعا من تجاربهم وروح وإيقاع عصرهم. أما عواجيز الروح، فما زال أكثرهم يعمه في المقولات والتظيرات والأفكار الباهتة.
«تلك الليلة» من المفترض أنه عرض مسرحي، تمت مشاهدته على خشبة مسرح الهناجر في دار الأوبرا المصرية في القاهرة. أداء كل من أشرف سرحان، شريف أبو هميلة، إبراهيم غريب، سعيد مصطفى، محمد نديم، سيد عبد الخلق، وهايدي عبد الخالق. والعرض من تأليف وإخراج محمد عبد الخالق.

للخالق في أمره شؤون

رجل أرستقراطي ينتظر موته ويتمناه، يقيم في شاليه في الإسكندرية، يتحدث في حكمة ومرارة عن تلك الليلة التي قلبت الحياة وغيّرت من معناها وأثقلت كاهله بما لا يطيق. لنراه كهلاً ينتظر قدوم أصحابه، وهم نماذج متنوعة من عدة فئات اجتماعية ــ فئات لا طبقات ــ يمكن تقسيمهم إلى طبقتين، الأرستقراطية والفقراء، رغم ما وصل إليه هؤلاء في النهاية، مطرب شهير، داعية ديني ونجم فضائيات، قاض، وضابط شرطة. في مواجهة الأرستقراطي المتمسك بالقيم الإنسانية. والجميع كانوا زملاء دراسة خاصة في كلية الحقوق. ورغم تواضع مستوى المجموعة الاجتماعي، إلا أنهم استطاعوا الصعود والنجاح في الحياة. وفي الليلة التي اختارها صديقهم الثري لتصفية حساب قديم يكون الأمر مرتهنا بتدمير حياتهم. إذن فالأمر جلل، والأجواء والموسيقى وتضارب الأمواج ــ لا ننسى أننا في شاليه .. وع البحر ــ ينذر بعاصفة شؤم ــ لا نستطيع الفكاك من البلاغة الكلاسيكية تماشياً مع النص ــ إيه الموضوع بقى.. وهمّ شباب وفي سهرة بالشالية، حشيش وزجاجة خمر مُختلسة من قبو والد الأرستقراطي، وخادمة في الشالية.. فتاة بريئة ساذجة ضحية الفقر الظالم والمجتمع الأشد ظلماً تصبح فريسة لهم، فتكتمل الليلة ويتناوبونها، وهم في حالة من اللاوعي، اللهم إلا من الرغبة. أما بعد .. يُذكّرهم الأرستقراطي بتلك الليلة، وأن الفتاة أصبحت أماً لطفلة، وتريد الأم الآن أن تعرف مَن هو والد الطفلة. مش كده وبس، لا.. فالطفلة مريضة وعلى وشك الموت، وتريد التبرع بجزء أو فص من الكبد حتى تستقيم لها الحياة، ووالدها هو الأقرب إليها. هكذا تكون المأساويات وكشف الضمائر الزائفة، خاصة بعدما تهرّب الجميع من المسؤولية، عدا الرجل الأرستقراطي، الذي لا نعلم ماهية عمله، سوى أنه لم يزل يعيش في ترف، ذلك مقابلة بالنماذج المختارة والمؤثرة في وجدان ووعي الناس.. فنان، رجل دين، رجل أمن، رجل قانون، الأمر بالطبع يعالج أنماطاً أكثر منه معالجة للشخصيات. وسبب التهرّب واحد لدى الجميع، هو خشية فقط المكانة والوجاهة الاجتماعية، وكل يحلل الأمر حسب هواه وموقفه من الموضوع.

فكرة قديمة ومعالجة متواضعة

بعد مشاهدة الحكاية، كان السؤال هو.. لماذا تم تقديمها من خلال العرض المسرحي؟ وهي تقترب كثيراً من سهرات التلفزيون في التسعينيات وبداية الألفية، حيث كان يقدم سهرات عن نصوص درامية مُترجمة. وماذا لو استمعنا إلى الحكاية في الإذاعة؟ هل ثمّة من فارق؟ فبخلاف تقليدية الفكرة ــ التي هلل لها نقاد ومحاسيب النضال والجعجعة ــ فماذا عن المعالجة، والمعالجة المسرحية بالتحديد، فالديكور لا يُستخدم للجلوس والقيام والدوران من حوله، كما أن الموسيقى لم تعد تصاحب الحدث أو ما شابه كما في الأفلام القديمة. الحكاية تقترب من الميلودراما، كما أن الحوار والجدل الفارغ يشغل وقت الحكي الطويل، إضافة إلى التمادي في الانفعالات والأداء، خاصة الضابط محمد باشا المتحفز، والأرستقراطي أشرف بك المُنهار منذ البداية، أما سيادة المستشار فيكفي صوته الجهوري، ولهجته القروية المصطنعة. ونأتي للشيخ الفضائي ــ نسبة إلى عالم الفضائيات ــ وبالطبع ستكون الفكاهة ثقيلة الروح من نصيبه. أما محاولة السرد غير الخطي ــ تقطيع الحدث من خلال استرجاعات أو استباقات ــ فلم يفلح فيها النص، فنشعر وكأنها حركة أو لعبة درامية لم تكتمل، ربما أعجبت صاحبها ليس أكثر، بدون أن تكون ذات ثقل في البناء الدرامي للحكاية.

يا خادمات العالم اتحدن

ونأتي إلى دور الخادمة (عاهرة المستقبل) هذا النموذج الذي تواتر إلينا من الحكايات الكلاسيكية والأفلام والروايات، وما باليد حيلة. فقد أصبحت وهي البريئة الساذجة، وبفضل تلك الليلة من أشهر الراقصات، وقد عرفت قيمة جسدها، فدارت وأتى خِراجها. لكنها في الأصل ضحية ابن الذوات وأصحابه. لكنها أتت اليوم لتنتقم من الجميع، ولكن أصحاب الفئة المتواصعة والوضيعة ــ وهي منهم ــ سيرتكبون جريمتهم الكبرى، فالتخلص من الماضي لن يتم إلا بالتخلص من صاحبته، فيتفقون على قتلها، ويقتلونها بالفعل أما الأرستقراطي فسقط في صراخه، وهم ــ أصحابه ــ يضربونه في عنف عند محاولته منعهم من جريمتهم الثانية.

حرّاس القيم وفزّاعات الحقول

هناك إحساس ما بعد مشاهدة حدوتة «تلك الليلة» بالمقارنة ما بين الأرستقراطي صاحب القيم والمحافظ عليها قدر الإمكان، وبين رفاقه أصحاب البيئات المتواضعة، والجرائم الكبرى. الأمر يتماشى مع مقولة «لا تعلموا أولاد السِفلة أو السفهاء، وإن علمتموهم لا تولونهم المناصب». تنتصر الحكاية بشدة إلى هذه المقولة الغريبة والمشكوك في صحتها، وحتى لو صحّت فلا تستقيم. والأغرب في الأمر أن معظم المحتفين بما يُسمى بعرض مسرحي، ويُسقطون عليه أفكارهم البالية ومقولات ضربتهم وقت الشباب والنضال خلف دخان السجائر الرخيصة، هؤلاء بكل تأكيد لا ينتمون إلى فئة الأرستقراطي صاحب المبادئ، وبالكاد بعد رحلتهم الطويلة يبدون كفزّاعات الحقول لا أكثر ولا أقل.

أقيمت على مسرح الهناجر في دار الأوبرا في القاهرة: «تلك الليلة» .. سهرة تلفزيونية لا ترقى لمستوى العرض المسرحي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية