لندن ـ”القدس العربي” ـ إبراهيم درويش:
كاد خطأ مدته 45 ثانية أن يكلف زعيم تنظيم الدولة الإسلامية خلافته، كان هذا في 3 تشرين الثاني (نوفمبر) 2106 أي قبل من انهيارها بعام. وكانت القوات الكردية تتقدم نحو مدينة الموصل ورصد موقع زعيم التنظيم في قرية واقعة بين غرب الموصل ومدينة تلعفر، وعرفه الجواسيس الذي يتابعون ليلا ونهارا ومن مختلف الجنسيات من صوته المميز على اللاسلكي. وبدأ الزعيم يعبيء جنوده ويحثهم على القتال.
وينقل مارتن شولوف من صحيفة “الغارديان” عن عضو بارز في المجلس الأمني لإقليم كردستان “تحدث مدة 45 ثانية قبل أن يأخذ حراسه منه اللاسلكي” و “بعدما اكتشفوا ما فعل”. وكانت هذه لحظة نادرة تم فيها رصد مكان البغدادي الذي طرد مقاتليه من معاقلهم في كل من العراق وسوريا العام الماضي. ويقول شولوف أن الجواسيس ومن مختلف الجنسيات تدفقوا على العراق وسوريا لملاحقة البغدادي الذي ظل يراوغهم ويهرب عن ناظريهم. ويقول شولوف إن الجواسيس مع ذلك تتبعوا أثر أكبر مطلوب في العالم ثلاثة مرات خلال الـ 18 أشهر الماضية. ورغم الحماية التي يتمتع والشبكة الأمنية المحيطة فقد شوهد عددا من المرات بناء على معلومات من أتباع تنظيم الدولة وتم تأكيد هذا من خلال ضباط المخابرات، فأن تكون قائدا هاربا أو مهزوما في هذا العصر الرقمي يحمل الكثير من المخاطر. ففي عام 2016 كانت تلك لحظة نادرة في الملاحقة المحمومة التي سمحت لفرق الجواسيس التأكد من مكانه ولم يكن لديهم الوقت الكافي للتحرك. فقد عرفت فرقة الحراسة أن الغطاء الأمني حوله كشف عنه ولهذا هربوه بسرعة. ففي ذلك العام تتبع الجواسيس البغدادي إلى بلدة جنوب مدينة بيجي، وهذه المرة كان الخطأ نابع من سوء التواصل. واستطاعت وحدة إشارة استخباراتية اختراق شبكة هواتف تابعة لتنظيم الدولة. وكان من الصعب نشر مقاتلات فوق هدف لم يتم تحديد المكان المحدد الذي يختبيء فيه البغدادي. إلا أن المعلومات المتقطعة ساعدت على بناء صورة عن تحركاته. فالحلقة الحديدية التي تتولى حراسته لديها نقاط ضعف. وهذا بخلاف القادة الكبار في التنظيم الذين أدت أخطاء في انضباط الحراس حولهم إلى مقتلهم. وينقل الكاتب هنا عن هشام الهاشمي، الذي يكتب عن تنظيم الدولة قوله إن البغدادي هو آخر رجل لا يزال واقفا من الأعضاء المؤسسين”فمن بين 43 قياديا لا يزال البغدادي الوحيد على قيد الحياة” وأضاف: ” ومن بين 79 قياديا بارزا في التنظيم لم يتبق منهم إلا 10 أحياء، أما قادة الوسط (124) فقد تم تغيير مواقعهم وبشكل مستمر كل ستة أشهر إما لأنهم قتلوا أو تم استبدالهم”. وكانت أخطاء القادة أو بعضهم تحدثوا عبر هواتف مراقبة حول لقاءات مرتقبة مع البغدادي أو يعرفون عن تحركاته سببا بقتلهم. ويعلق شولوف أن أخطاء القادة حول البغدادي قدمت صورة عن قدرات وأساليب القائد العام للتنظيم. ويقول إن الكثير من الأشخاص الذي قابلوه أو شاهدوه قدموا للجواسيس الغربيين صورة عن تحركات الزعيم وعاداته. وتقول نسرين أسعد بحر زوجة “الوزير أبو سياف” المسؤول عن النفط إنها كانت تقوم “بوضع الشاي خارج الباب” و “لكنني كنت أعرف أنه هناك، وكان يحضر بشكل منتظم”. وعرفت نسرين التي كانت تعيش في بلدة العمر شمال – شرق سوريا، وتعرف أيضا بأم سياف البغدادي من نهاية عام 2014 حتى القبض عليها في أيار (مايو) عام 2015 حيث قالت “كان يزور زوجي للحديث في أمور العمل، وكان كل شيء يتغير” . وقتل أبو سياف على يد القوات الامريكية الخاصة وتم نقل نسرين إلى إربيل حيث تعتقل هناك إلى هذا الوقت. وتنفي أنها اتصلت مع الزعيم ولكن المعلومات التي قدمتها إلى المحققين صورة عنه. ويقول تشولوف إن صورة شاملة عن البغدادي قام بإعدادها الجواسيس البريطانيين والأمريكيين منتصف عام 2015 وبعد عامين اختفت “خلافته” ولم يعد يتحرك بشكل مستمر. وتعتقد المخابرات العراقية وأجهزة الأمن الأوروبية أن البغدادي يتحرك في منطقة قريبة من مدينة بيجي وتنقل بطريقة محدودة في البوكمال وعلى الحدود العراقية – السورية والشرقات جنوب الموصل. وكانت الصحيفة قد نقلت عن ثلاث مسؤولين أمنيين تأكيدهم تعرض البغدادي لهجوم أصابه بجراح خطيرة بعد هجوم قرب الشرقات في بداية عام 2015 . وقالت مصادر منفصلة أن البغدادي قضى سبعة أشهر وهو يتعافى من جراحه في بيجي، وحتى الآن لا تزال تحركاته محدودة بسبب جروحه.
وبحسب شهود عيان في البوكمال شاهدوا البغدادي في عيد الفطر فقد بدا متعبا ويبدو ظل الرجل الذي صعد على منبر جامع الموصل في عام 2014. ويقول الهاشمي: “عاد تنظيم الدولة لإقامة حكومة ظل، فهو لا يزال يسيطر على أجزاء صغيرة من الأنبار ومنطقة نهر الفرات، ولكنها خلايا نائمة. ولا يوجد شكل قيادي، فقد تم حله ولم يعودوا يعقدون اجتماعات ولو حدث فلن يعقدوه في نفس المكان. ولم يعودوا يرسلوا رسائل شفهية لبعضهم البعض. ويستخدمون إشارات تلغرام للتواصل”. ويضيف ” وخفضوا قوتهم بنسبة 50% ولا يمكن الوصول إلى الميزانية الأصلية ولم تعد القيادة المهمة”. ويقول إنه التقى مع مقاتل أجنبي اسمه “أبو حمزة البليقيكي والذي يشعر بالخيانة وطلبوا من المقاتلين في الموصل حتى الموت. وعندما اشتدت المعارك في المدينة هرب القادة والمقربون من البغدادي مخلفين وراءهم المقاتلين. ويشعرون بالخيانة .
ولكن هل حياة أو وفاة البغدادي مهمة؟ ويجيب الكاتب إلى أن النقاش استمر داخل الدوائر الأمنية حول أهمية البغدادي وإن كان تنظيمه لا يزال يشكل تهديدا لأمن الدول. ويقول مسؤول إقليمي ونظرائهم في أوروبا إن خطر التنظيم لم يتغير أبدا وبقاء البغدادي حيا سيظل نقطة تعبئة لجماعته. ويقول المسؤولون إن الفرع المسؤول عن تنفيذ العمليات لا يزال كما هو ولم يتم تغييره رغم خسائره الفادحة. ويقول الهاشمي إن تنظيم الدولة هو تنظيم معقد يعتمد على مسؤولي استخبارات سابقين . ويقوم هؤلاء بالتجنيد ونقل المقاتلين وجع الأموال والصدقات. فمن بين 35 فرعا هناك 33 فرعا يديرها عراقيان: عبدالله يوسف الخطوري (أبو بكر) وأبو طيبة غانم الجبوري “ونعتقد أن واحدا منهما في تركيا والآخر اسكندنافيا”. ويرى شيراز مهر، نائب مدير المركز الدولي لدراسة التطرف والعنف السياسي في كينغز كوليج، جامعة لندن أن تنظيم الدولة يحاول إقناع أتباعه أن الهزيمة العسكرية لم تغير إلا القليل خاصة قدرته على تخطيط الهجمات في الخارج. و “في الأشهر الـ 24 المقبلة سنرى جهودا حثيثة لمهاجمة الغرب” “فخطاب الإنتقام مهم” وأضاف: “ما نراه في مجتمع الدعم هو استسلام قدري لما حدث”، “ففي خطابهم يقولون إن الولايات المتحدة قد تهزم “الخلافة” من خلال ضربها جوا ولكنها تخشى من القتال على الأرض. ولو حدث لانتصروا. ويقول تنظيم الدولة إنه سيعود وفي الوقت الحالي يطلب منهم القيام بهجمات باسمه. ويموضعون أنفسهم سياسيا مثلا، كما في موقفهم من إعلان دونالد ترامب الإعتراف بالقدس ويزعم أنه الحامي الوحيد للقضية”. ويقوم تنظيم الدولة بإعادة تنظيم الدولة وكذا البغدادي. فبحسب تقدير للجيش الأمريكي فإن الرجل ربما يختفي في منطقة وادي نهر الفرات على الحدود السورية. إلا ان المسؤولين بالمنطقة يقولون إن البغدادي ربما رجع إلى منطقة الثرثار والصحراء قرب المكان الذي بدأ فيه. وهو “في المرحلة الأخيرة” كما يقول مسؤول بالمنطقة” و”سنصل إليه في النهاية”.