خطاب محمود عباس أمام المجلس المركزي لـ م.ت.ف يجب أن يصدح بصوت عال ليس فقط في واشنطن وفي القدس، بل وأيضا في أوساط عموم الجمهور في إسرائيل. سطحيا تقدم عباس بورقة الطلاق لإدارة ترامب، قال بالفم الملآن إن إسرائيل هي التي دمرت اتفاقات أوسلو، وإنه من الآن فصاعدا سيرفض كل وساطة أمريكية.
عمليًا، يقول عباس إنه لا يوجد في المستقبل المنظور أي احتمال للشروع في مفاوضات حقيقية يمكنها أن تعطي نتيجة سياسية دائمة. هذا ليس تحطيما تكتيكيا للأواني موجه لتجنيد ضغط دُولي، بل هتاف يأس من رئيس فلسطيني يرى كيف وصلت رؤيا الدولة الفلسطينية المستقلة إلى طريق مسدود. أمامه تقف حكومة إسرائيلية تستمد هُويتها القومية من استمرار الاستيطان في المناطق المحتلة، والتي خلقت صبح مساء المعاذير للتملص من كل مسيرة سياسية والتي منذ البداية رفضت الاعتراف بعباس شريكا في المفاوضات.
والى يمينها الولايات المتحدة، التي انحازت إلى أحد الطرفين في المفاوضات حين اعترفت، بخلاف سياستها السابقة وقرارات الأمم المتحدة، بالقدس عاصمة إسرائيل. هذه إدارة أمريكية تعتزم أن تقلص بشكل دراماتيكي المساعدة لوكالة غوث اللاجئين، ورئيس أمريكي يهدد بالمس بالمساعدة للسلطة الفلسطينية اذا لم تطع تعليماته. أما الإسناد العربي فآخذ في التشقق، حين تنضم السعودية إلى الحلف الإسرائيلي الأمريكي بمطالبتها عباس التنازل عن المبادئ الأساس للوطنية الفلسطينية. عملية كماشة سياسية خانقة كهذه كانت ستيئِّس كل زعيم.
اليمين الإسرائيلي، الذي يُعرِّف اتفاقات أوسلو جريمة، عباس إرهابي وترامب الرئيس الأمريكي الأفضل الذي كان لإسرائيل، سيرى بالتأكيد في الاستنتاجات القاتمة للرئيس الفلسطيني دليلا عن انتصار سياسة إسرائيل أو في الأقل تأكيد الإعفاء الذي أخذته إسرائيل على عاتقها من الانشغال بالنزاع. فعباس هو الذي حرر نفسه الآن من شراكته. ولكن سيكون خطأ محملا بالمصيبة أن نرى في الخطاب مبررا للتنكر لكل مبادرة سياسية. ففي ظل عدم وجود أفق سياسي تصعد قوة التيارات الراديكالية، الدينية والعلمانية بديل الإرهاب يتلقى شرعية أكبر، التعاون العسكري مع السلطة من شأنه ان يتضرر واحتمال المواجهة العسكرية الشاملة ينال الزخم.
هذه ليست لعبة مبلغها الصفر حين يكون اليأس الفلسطيني هو ميزة لإسرائيل. العكس هو الصحيح. على حكومة إسرائيل أن ترى في أقوال عباس تحذيرا أخيرا قبل انحلال السلطة الفلسطينية، خطوة تلقي على كاهلها المسؤولية عن حياة الفلسطينيين، في كل مجال ومجال. إسرائيل لا يمكنها عندها أن ترفع العتب بنقاء اليدين وان تتمسك بخطاب عباس كمرافعة دفاع.
أسرة التحرير
هآرتس 16/1/2018