لا يحسن النقد العربي النظر إلى الشعر سواء كتبه رجل أو امرأة: التونسية سنية الفرجاني: القصيدة حالة تصالح مع الكون

حجم الخط
0

«صرتُ أثقل من حديقة/وكأس فوق طاولة الليل/امتلأت، فجأة.. ارتجفتُ كوطنٍ عربي/أمسكتُ قدمي وسرتُ بهما نحو الباب/كان الباب مصابا بضوءٍ ما». (من ديوان امرأة بني باندو). سنية الفرجاني شاعرة تحب السفر إلى أقاصي القصيدة، مُقتنعة بخطورة دور الشعر في الحياة، وقدرته على التغيير، مهما صاحب هذا التغيير من معاناة. وعن الشعر وعالمه وكتابة المرأة العربية ودور النقد كان معها هذا الحوار..

■ ماذا يعني لك أن تكوني شاعرة الآن؟
□ صعب أن أفسر كوني شاعرة، فما بالك أن أشرح ماذا يعني كوني شاعرة الآن! لا أظن أن هناك فرقا بين أن تكون شاعرا الآن أو أمس أو في قرن مقبل، الشعر عَرَق روح ينزّ فينا دائما، فتصير الكتابة فعل تجفيف وتخفيف لحالة حرب قائمة، يحياها الشاعر أبدا.

■ كيف تنظرين إلى ذكرياتك مع قصيدتك الأولى؟
□ ليس من السهل تذكر النص الأول في تجربة الكاتب. لا أعرف متى بدأت الكتابة ولا متى سأنهيها، لكنني أذكر طريقتي في الفرح بنصوص سميتها شعرا، بعد أن كابدتها رسما بخط يسمى كتابة. كنت أشعر بأن لي علاقة بعالم الكتاب الذين نقرأ لهم في البرامج المدرسية وأذكر جيدا كيف أخذت دليل الهاتف من درج في خزانة أبي، وبحثت عن أسماء شعراء وكتاب تونس وراسلتهم مثل، جعفر ماجد ومحمد العروسي المطوي، المطوي الذي كان يرد على رسائلي بخط يده وبانتباه واهتمام ويقرأ بساطتي، وأخبرني أنني أسير في طريق شعر حقيقي، كما فاجأني بزيارة لجربة، وكان متقدما جدا في السن، اتصل بي وطلب رؤيتي ثلاث مرات على مدى ثلاث سنوات متتالية، وكان يصلح أخطائي ويقدم لي نصائح وتشجيعا، فصدقت بأني شاعرة وصدقت الشعر، فازدادت لهفتي على الكتابة وأحببت طريقي.

■ هل القصيدة مصالحة مؤقتة مع انكسارات الذات؟
□ القصيدة انتصار على الشاعر لا شيء قبله ولا شيء غيره، فالشاعر بعد الانتهاء من نصه يصير في مصالحة مع الكون، أما ذاته فلم يستطع الجلوس إليها مطمئنا منذ أصيب بحمى الشعر. ربما يظن الكثيرون أن الشاعر مقدر عليه المأساة ليكتب أو هي شرط للكتابة في حين أن الشعر حالات أوسع من هبات الوقت والروح والحياة. العالم كله هبة التاريخ للعقل البشري، أما الشعر فهو هوّة التاريخ في العبور من جسد الشاعر إلى روحه.

■ يقول هنري ميشو «إن مجرد التفكير في كتابة قصيدة يكفي لقتلها» إلى أي مدى هذا الحُكم صحيح بالنسبة لك؟
□ نعم يجب أن نفكر في كتابة الشعر. الشعر أضواء تهبط من علياء تتناثر وتتوزع من حيث لا نعرف ولا ندرك، فالتفكير في القصيدة يجعلها خزفا وصنعة ومعدنا وكل الصنائع تكسر وتعوج، القصيدة الكبيرة الحقيقية لا نفكر فيها، بل نعيشها في اللغة معنى ونقرا على صفات غيب.

■ كيف تحضر صورة الأم في الكتابات الإبداعية بمختلف أجناسها، وفي كتاباتك بالتحديد إن وجدت؟
□ أمي، أمكم، أمكنّ، هي الساردة والراوية والروائية التي حكت لنا قبل النوم قصصا متنوعة، ونوادر ممتعة، وحكايات عجيبة. هي حارسة أحلامنا المؤجلة من الخراب والمحو، وهي الشاعرة التي تسمعنا مقاطعها الشعرية الرائعة المستقاة من المرويات والمحكيات الشفوية، تلهمنا الأناشيد القديمة التي تطرق باب القلب بدون استئذان. أنا ابنة وأم، ويصعب جدا أن أكتب عن أمومتي أو أمي. الأمومة شعور أكبر من اللغة والتعبير عنه إحساس صرف تعجز عنه الفنون. وإني بعد كل الذين كتبوا عن الأم، أقول: لا تكتبوا فكلما قرأت ما كتبتم شعرت بنقص كبير في النص والمنصوص عنه.

■ كيف تنظرين إلى القصيدة النسائية في العالم العربي ومكانتها داخل خريطة الشعر العالمي؟ وكيف يراها النقد العربي؟
□ كثيرا ما صدقت كذبتهم أن ليس في العالم العربي قصيدة أنثى، أنا لا أحب استعمال مصطلح القصيدة النسائية، وأرى في هذا التقسيم تقليلا كبيرا من قيمة الشعر الذي يكتبه الرجل، لا ترفيعا له كما ظن المنظرون لهذا المصطلح. عالميا الشعر الأنثوي كثير وعربيا أيضا، لكن الفارق الوحيد فارق ضخم، فهناك يحتفلون بالشعر كله سواء انتجه رجل أو امرأة، ويرتبون علوّه من علوّ فنه لا أكثر. هنا المرأة تكتب بكبت، وكثيرا ما حرقتها قصائدها وأحرق النقاد والمجتمع الشعر والشاعرة، في حين ما يكتبه الرجل عادة ما يتصاعد شأنه، فيكبر صاحبه وتقرع له طبول الانتصار. أما النقاد فما زالوا يسلكون الطريق نفسه، وكلما اقتربوا من عالم الأنثى إلا وهابوا مسارها، أو هبّوا ضده على أنه مرقط بالنقصان أو التمرد. فالنقد العربي ببساطة لا يحسن النظر في الشعر كله، نسائيا كان أم رجاليا،
ما زال النقاد العرب «أكاديميين» مختنقين باللغة معوجة ظهورهم بالأوزان ومسدودة آذانهم بأغاني الأصفهاني. النقاد العرب لا يبحثون عن الشعر يحثون على السير في قوافل الشعر التي ناخت نوقها وماتت إبلها ونثرت الصحراء رمالها للريح.

■ ماذا عن الشعر التونسي الآن؟
□ الشعر التونسي نشيط حي ومتحرك، ولكن أين دور النشر التي لا تعرف كيف تختار نجاحاتها، ولا تفكر بطريقة الغرب في اقتناص المواهب الحقيقية والارتفاع بها إلى عالم الشهرة والانتشار الحقيقيين، فمن يحتضن مبدعا حقيقيا فقد احتضن الوطن.

لا يحسن النقد العربي النظر إلى الشعر سواء كتبه رجل أو امرأة: التونسية سنية الفرجاني: القصيدة حالة تصالح مع الكون

أحمد الدمناتي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية