1ـ تشخيص
من له أدنى اهتمام بالمُصَنَّفات التاريخية التي سجلت تفاصيل الحياة العباسية لا بد أن يلاحظ أن هذه المتون أرخت للتفاصيل الجميلة في هذا العصر على غرار الثورة الفكرية التي صاحبت تأسيس بيت الحكمة، بالإضافة إلى المسارات الجديدة للإبداع الشعري، لكن هذه المصنفات تُغَيِّب تفاصيل «سمجة» من التداول العباسي أو في أحسن الأحوال تستحضرها جملة لا تفصيلا، ومن هذه «التفاصيل السَّمِجة» أو «النص الغائب» في النصوص التاريخية آفات أخلاقية ولغوية. فالعصر العباسي كان عصر المفارقات البديعة، فإلى جانب التجارب الصوفية التي بَخَّست معارك الحياة كانت تنتصبُ تجارب أخرى تُقامرُ بكل شيء من أجل فتات متعة «فانية» وتُعاملُ قَطْعِيَّ الدلالة من النصوص الدينية كأنها نصوص ظنية لترخيص اللاَّمُرخَّص ولِتَجْسير طرق ملتوية إلى متع «شاذة»، ومن نتائج ذلك تناسل نسق قيمي غير مسبوق يَحُوشُ من أدبيات براغماتية إلى حد تَقَوَّى فيه الكذب على الصدق، المكر على الاستقامة، والتملق على المصارحة. وليس يبرهن على هذا الإبدال القَيميِّ غير ظواهر مثل التغزل بالغلمان، المدح التكسبي، والكدية، ومن هذه الناحية غير المعلنة يتراءى هذا العصر بما هو عصر اعتلال الضمير الأخلاقي. وقد يحتج قائل بأن ما من عصر في التاريخ إلا وشابه الغث والسمين، ولكن ما يجعل هذه الظواهر سمجة أو غير مقبولة في هذا العصر بالذات أنها تَتَواقَتُ ومنجزات فذة في هذه الحقبة على غرار البحوث القرآنية التي انشغلت بالنص القرآني للبرهنة على جهات إعجازه، وكذا النقاش الكلامي الذي استغور في باطنيات القضايا الدينية. والظاهر أن العامة العباسية التي تتصرف وفق نسق غير النسق الأُمِّ (مُثُل الإسلام) كانت منعزلة عن هذه الحركة العلمية ولم تغتنم من «ظلالها الوارفة»، كما أن الخطابة التي «استفحلت» في هذا العصر لم تُقَوِّم اعوجاج السلوك اليومي ولم تخلف أثرا بعد فصاحة.
والآفة الأخرى التي جَدَّتْ في هذا العصر ارتبطتْ بالتركيبة العرقية، فليس يخفى على أحد أن هذه الحقبة شهدت أكبر عملية مصاهرة بين المكون العربي ومكونات مغايرة، وأن هذه المصاهرة ساهمت في تجديد العقل العربي، غير أن لهذه المصاهرة تفاصيل أخرى تخبو تحت شعاع حُسْنها، وهي تفاصيل وجب تبئيرها لكي نستوعب مفارقات هذه الحقبة. وبؤرة القول هنا عن العُجْمَة التي «استفحلت» في الألسن و«ظاهرة اللَّحْن» اللذين صارا إحدى مياسم هذا العصر. وقد يحتج قائل بأن العدول عن الأصول اللغوية نطقا وتركيبا ظاهرة طبيعية ومبررة ما دام أن الذين يقترفون هذه الأخطاء هم من المستعربين، وأن الغريب إذا اجتهد في العربية وأخطأ فله أجر. لكن ما يجعل هذه «الانحرافات» اللغوية غير مبررة أنها تواقتت وتقعيد اللغة العربية. فقد تراكم في هذه الحقبة إرث متنوع يُقَنِّنُ هذه اللغة من مصنفات نحوية وشروح ومختصرات وأراجيز، غير أن الظاهر أن كل هذه الجهود اللغوية لم تُقَوِّم أَوَدَ اللسان.
والحاصل أن العصر العباسي كان عصر اعتلال الضمير واعوجاج السلوك وعصر استحكام العجمة بالألسن وتفشي اللَّحْن. ولسنا هنا نبخس هذا العصر حقه الذي يفقهه الراسخون في الثقافة والمبتدئون على السواء، لأن مقصدنا هو تبئير تلك الآفات التي غُيِّبَتْ في النصوص التاريخية أو تلك التفاصيل السَّمِجة التي لا تكاد تَبِينُ قُدَامَ التفاصيل الجميلة. ونحن بتبئيرها إنما نتغيا أن نقف عند «الوَصْفَة» التي راهن عليها العقل العباسي ﻹنجاز حركة تصحيحية على القيم الجديدة واللغة المُعْتَلَّة.
2ـ وَصْفة
المقامة «وصفة» راهن عليها العقل العباسي لتقويم أَوَدِ اللسان وتوجيه السلوك إلى «الصراط المستقيم». وللمقامة رهان تربوي وتعليمي؛ تربية العامة على الخلق الحسن وتعليم الناشئة والوافدين اللغة العربية.
والمقامة في رهانها على تصحيح السلوك لم تنح السبل الدارجة في دور العبادة حيث تُورق الأوامر والنواهي وتُفرخ التنبيهات والنصائح، ولا هي تكتب كما الخطب باللغة المُبَاشِرة المَحْشُوَّة بقطع من مأثور النصوص الدينية، بل تنحو سبلا أخرى على غرار السخرية السوداء والفنتازيا. فهي تقتنص لحظات الخطيئة الجديدة وتَارَاتِ تَرَفُّل الآدمي في لَبُوس الذئب والأسد. ومن هذه الناحية فالمقامة مرآة تعكس لحظات خروج الإنسان عن النص (النص الأخلاقي)، وتُفْرغ المقامة هذه اللحظات في قالب حكائي يَصْهر الجد بالهزل. وكأن مبدعي هذا الفن أدركوا أن الهزل الهادف يصلح ما لا يصلحه الخطاب الوعظي ومشتقاته أو أن النفوس لا ترتاح إلا لنصح ثاو في وعاء فكاهي ودرس عابر لطرق الشيخ والمريد. ولسنا نبالغ إذا قلنا إن المقامة هي باكورة الأدب الملتزم في الثقافة العربية، التزامٌ لا يبين إلا لقارئ خبير يستوقفه مُضْمرُ النص المَقامِيِّ قبل منطوقه.
والمقامة في رهانها على تعليم الناشئة والوافدين اللغة العربية فهي لم تسلك سبلا تقليدية في التعليم، حيث تُشَجَّرُ الأصول وتُحَدُّ الماهيات، بل راهنت على التعليم عن طريق المثال أي أن يستبصر القارئ ـ المُتعلِّم أصول العربية من الممارسة الإبداعية، فالمقامة قفزت بالقاعدة من إطارها النظري الجاف إلى الإطار الإبداعي. وكأن مبدعي هذا الأدب أدركوا أن الإنسان لا يأنس إلا لتعليم يحيي القواعد والأصول في جمل غير مسكوكة. ولم يتغيا أعلام هذا الفن تمهير اللسان على الإنشاء والتعبير الصحيحين عن طريق القياس على المكتوب في النص المَقَامِيِّ فحسب، بل تغيا هؤلاء الأعلام، كذلك، إثراء الرصيد المعجمي للقارئ – المتعلم بثروة معجمية صلدة. وكأن رواد هذا الفن أدركوا أن أيسر الطرق لـ»تسمين» الرصيد المعجمي هو أن يَرْفُد القارئ الألفاظ من سياقاتها ﻷن هذه العملية تلهمه إبدالات اللفظ الدلالية.
والحق أن المقامة «وصفة علاجية» قدمها مبدعون انتبهوا إلى ما يعضل في محيطهم من أزمات أخلاقية وما يشيع في عصرهم من آفات لغوية، وكانوا يبغون بها إنجاز حركة تصحيحية على القيم الجديدة وتقويم أَوَدِ اللسان. وصحيح أن الخزانة العربية لا تحتوي على نصوص تاريخية تقيس نسب نجاح أدب المقامة في هذا الرهان، لكن الجدير بالتأمل هو وعي مبدعي هذا الفن بأن الأدب يجدر به أن يجترح حلولا لآفات المجتمع بطرق تنزاح عن المعهود في الخطابات الإصلاحية والأوراق التربوية.
3ـ تناسخ العلل
ليس يخفى على القارئ ما يسم حياتنا الحديثة من أُفُول القيم وبُؤْس اللغة العربية، فالأحواز العربية تَنْتكس فيها القيم يوما بعد آخر، والواقع أن القيم النبيلة أضحت «عادة سرية»، في حين صارت تعلو أصوات التطبيع مع القيم الهجينة. والمثير للانتباه في هذه الجغرافيا هو الحركة التوسعية للنسق القيميِّ الدَّنيء وتصاعد موجات العنف ورواج الخطاب الإِقْصَائِيِّ. العالم العربي ـ وبعيدا عن الخطابات التي تغض الطرف عن «احتباسنا الأخلاقي» ـ هو عالم منحط. وإلى جانب نكبة الضمير تشهد اللغة العربية في هذا العالم بؤسا ونكسة، وليس يلخص واقعها القول بأن «اللغة العربية في خطر» ﻷن هذه اللغة صارت لغة المناسبات والبيانات كما حُجِّرتْ في دور العبادة واعْتُقِلَتْ في صالونات الأدب. وكل المؤشرات تنبئ بِدُنُوِّ «أَجَلِ» هذه اللغة خاصة في ظل تواتر الدعوات التي تنادي بترسيم اللغات العامية. وهذا الواقع ليس بجديد، فمنذ ردح طويل من الزمن وقيمنا تشيخ ولغتنا تخبو لكن المستجد هو الحاجة القصوى إلى تفكير جدي لاجتراح حل لهذه العلل التي أَزْمَنَتْ في الضمير واللسان العربي. قد يقول قارئ بعيدُ الغَوْرِ في الذي نخطه إننا في هذه العصر إنما نستنسخ أخطاء قديمة ونبعث تلك الآفات التي وسمت الحياة العباسية (تناسخ العلل)، فما الضَّيْرُ، إذن، في إعادة تجريب الوصفة القديمة (المقامة) على العلل الجديدة / القديمة؟ ورأينا أن هذه الوصفة قد تُقَوِّم أَوَدَ اللسان وتُحْيي القيم «وهي رميم» لكن شرط أن تراعي إبدالات الحياة المعاصرة.
4ـ اسم ونمط
أولا: إننا لا ندعو إلى بعث النَّمُوذج المَقَامِيِّ القديم ومحاكاته شكلا ومضمونا تماما كما صنعت حركة البعث والإحياء، وإنما ندعو إلى استنبات أدب جديد يستلهم روح المقامة ووعي مبدعيها بأن الأدب لا بد أن ينخرط في قضايا محيطه الاجتماعي.
ثانيا: نحن بحاجة إلى أدب لا يهادن آفات المجتمع بل إلى أدب يشخص علل الحياة الحديثة ويجترح حلولا ﻷمراض المجتمع. أدب يدمر ويبني، ينتقد ويقترح. ولسنا هنا نبتغي من الأديب أن يمارس دور الواعظ ﻷن ذلك سيجرد الأدب من أبعاده الجمالية، وإنما المبتغى أدب هادف وملتزم، وفن من أجل المجتمع وليس فنا من أجل الفن.
ثالثا: المقامة التي ندعو إلى إحيائها ونراها وصفة ﻵفاتنا الأخلاقية واللغوية لا بد وأن تراعي إبدالات الحياة الحديثة وأن تراهن على الإمتاع من خلال ما تستضمره من طُرْفة ودُعابة وعلى التربية من خلال ما تستبطنه من عبر ودروس وما تنكتب به من ثروة معجمية صَلْدة وتراكيب فاتنة.
رابعا: إن المدخل الحقيقي للتربية على القيم الكونية وصيانة اللغة العربية من الضياع هو الإبداع الأدبي، وننبه هنا إلى فراغ ساحتنا الثقافية من «أدب الأطفال»، وقد يعترض قائل بأن هناك زادا في هذا المجال، ولكننا نرى أن معظم سلاسل الأدب التي توجه إلى أطفالنا هي أعمال تجارية لا تراهن البتة على إثراء ثقافة الطفل وتشكيل ذوقه الفني. فالحاجة، إذن، صارت ملحة إلى أدب أطفال. أدب يراهن على الإمتاع والمؤانسة بما يكتنزه من أحداث ومواقف طريفة، ولكنه يسربل، في الوقت ذاته، تلك الطرائف بحكم ودروس توشم ذاكرة الطفل الغضة، إلى جانب ديباجة تلك القصص بأساليب تروي رصيد الطفل بزاد معجمي وغلة من التراكيب.
وأخيرا إن المقامة التي أَعْلَنَّاها حَلاًّ لتلك الآفات التي تَنْهَشُ الاسم العربي الجريحِ ـ اليوم أكثر من أمس ـ في لغته وقيمه ليست اسما على تلك «القارة الأدبية» التي فَتَحَها الهمذاني والحريري، وإنما هي اسم يحيل على كل أنماط الأدب الملتزم.
٭ كاتب من المغرب
محمد السَّاهل