ابنة السراب

حجم الخط
0

أعيش في الفراغ اللانهائي. تنعشني الامتدادات الخالية من البشر ومن يشبههم. حين يظهرون أتسلى بالتلاعب بأبصارهم، وبالتحول من حال إلى حال. أكون صخرة طائرة في الهواء، شلالًا يندلق من السماء للبحر، جبل جليد يخفي خط الأفق عن بحارة يقتلهم الحنين إلى اليابسة.
في أوقات فراغي أصير ما يحلو لي: شجرة، عصفورة، نمرة جبلية، بقعة ماء على طريق مهجور، أو واحة في صحراء هي الكون.
لا اسم لي ولا هوية حتى لو ألصقوا بي آلاف الأسماء والهويات. الكثرة ـ في حالتي ـ تعني الانتفاء. الهوية تتشكل في الثبات واليقين، وأنا عدوة الثبات واليقين. أنا المتقلبة الملتاثة الساحرة المتحولة. من لا وصف لها حتى ولو استرسلت في تعداد أوصافها، من لا شكل لها حتى لو تدثَّرت بآلاف الأشكال.
الشكل يقتلني، ثباته يملأ لياليّ أرقًا. يدفعني لتأمل مفزع لذاتي. ولأنني لا أملك قوة الربّات ومهارتهن فإن التحول أقرب ما يمكنني بلوغه صوب طموحي المستحيل.
أوجد في الطرقات المهجورة، في الأماكن الغائبة عن الخرائط. في البراري والصحارى والمحيطات. في أماكن الخفاء والأسرار. أقطن في أحلام الآخرين، بل أنا من يشكلها ويضبط إيقاعها. أحدس بما يخبئه الحجر من هشاشة داخل صلابته، وما تهمس به الأرض الضاجة بغرور من يخطون فوقها. يصلني أنين الجمادات وضحكات الأشجار وصراخ الريح.
الخلاء يناسبني إذ يتيح لي إمكانية هدم نفسي وإعادة خلقها بلا انقطاع. والعراء يلائمني لدرجة يمكنني معها قول إنه أنا. أنا كل شيء، لذا أنا لا شيء.
أنا الطريق والقلاع المهجورة والبيوت المتهدمة. أنا نباتات متسلقة تكسو وجه العالَم. نهر لا يستقر على حال. بحر هائج لا تحتويه خرائط. معبد منحوت في جسد جبل. أنا الجبل، والقرية المختبئة داخله، والتماثيل المنصوبة حوله وفي ثنايا هيكله. أنا اللاشكل في عصيانه السرمدي على الانحباس في شكل نهائي محدد ووحيد. أنا كل الأشكال المؤقتة والمتلاشية في ما عداها.
هذا الكون المخاتل أناي. وهم في وهم. سراب داخل سراب. «حلم في ثنايا آخر». وأنا قابضة على جوهر هذا الوهم، بدون قدرة على وضع يد الآخرين عليه وتنبيههم لحقيقته. الحقيقة؟! مجرد النطق بهذه المفردة خيانه لديانة الأوهام التي أعتنقها، فأنا غير قادرة إلّا على التلويح بالوهم، والتماهي معه، أو ربما اختراعه. صرت لا أعرف دوري، ولا ما أنا عليه. ربما لهذا أتخفى خلف الكلمات. أبعثرها وأتلاعب بها. كونها قناعًا ناجعًا مجربًا.
هذا ما تعلمته من مراقبة ما تقوم به ربّتي، ربّة الطلاسم والأحاجي، تلك الصامتة الأبدية، المغرقة في الإلغاز والإبهام. الوحيدة القادرة على قهر تحولاتي بتعددها. تنوعاتها وانقساماتها وانعكاساتها تشعرني بالضآلة. حجرها يضرب أثيريتي في مقتل. أقول لنفسي إن الأثير أكثر رسوخًا من الحجر، والمرونة تقهر الصلابة، والرقة والنعومة تتفوقان على القوة والقسوة. وما إن أطمئن لفكرتي هذه وأجترها لأتلذذ بمذاقها، كما تجتر بقرة كسول العشب وهي ساهية عن العالم، حتى يهمس لي خاطر بأن إلهتي، العصية على التصنيف، هي كل هذه الصفات المتناقضة. فصلابتها حُبلى بالمرونة، وانتقامها مكسو بالعطف.
ذات إغفاءة نادرة حلمت بأنني إياها. لم أحتمل جلال اللحظة. تحللتُ إلى ذرات لا تُرَى، إلى بخار ماء متطاير في الهواء. صحوت مأخوذة بحلمي. ماذا لو كنت إياها حقًا؟ ماذا لو كنت ربَّة ملعونة بغفلتها عن ذاتها الحقيقية؟ ماذا لو كنت منذورة ـ بسبب جُرم لا أتذكره ـ لخداع ذاتي وتضليلها بينما أظن أنني أضلل الآخرين وأغرقهم في الأوهام؟!
لا أعرف حتى إن كان من أضللهم آخرين أصلًا أم أنهم إياي وقد انقسمتُ وتكاثرتُ. فهم مثلي، أطفال الوهم وصنّاعه. غير أنهم بخلافي أول ضحاياه. أنا أداة نفسي وصنيعتها، وأدواتهم كلمات لن يأمنوا مكرها مهما احتاطوا. المتلاعبون مشيدو المتاهات دائمًا ما يكونون المرشحين الأوائل للتلاعب بهم وإغراقهم في لعنة التيه.
من أجلهم، تحتاجني ربة الطلاسم أكثر من احتياجي لها. أنا اليد التي تراوغهم بها. في البداية، لم أنشغل بهوياتهم ولا بالسبب الكامن وراء رغبتها في مخادعة أبصارهم وعقولهم، ولا حتى اهتممت بمعرفة من أين يأتون ولا إلى أين يتجهون. كنت منتشية بسلطتي عليهم، مخمورة بمهارتي وسحري، ومع الانتشاء لا وقت للأسئلة، وفي حالة السُكْر لا سبيل للتعقل والتدبر. فقط خلال حلمي بربة الطلاسم أُتيح لي أن أراهم بعيدًا عن حالة الضحايا المنخدعين بتقلباتي.
كنت إياها. سكنت عقلها، فامتلكت أفكارها وامتلكتهم لأنهم كانوا فكرة مختمرة في ذهنها. أبصرتهم بوضوح قبل ارتحالهم فرادى من مدينتهم السابقة، ووقوعهم في براثني. فتنتني المدينة خاصةً حين انطفأت فانطفأوا معها. أفقت من حلمي غير متأكدة من كنه ما مررت به. يتكرر هذا كثيرًا مؤخرًا، أقصد عدم القدرة على فصل الحقائق عن الأوهام والخيالات، فمن كثرة ما تحولتُ وتلبستُ أشياءً ليست أناي، ولا تشبهني، صرت أتشكك في كل ما حولي. سكنني الوهم ولم أعد أثق في عينيّ أو قناعاتي.
ما أدراني أن هذه السماء أو هذا البحر أو تلك الصخرة ليست من صنعي؟ ليست وليدة الوهم والتخيل والخداع؟ كنت أسأل نفسي وأحار في الإجابة.
صرت أيضًا أتساءل إن كان هؤلاء المرتحلون بين البحار والصحارى وأماكن الخلاء موجودين بالفعل أم أنهم من اختراعي ونتاج أوهامي.
كانت تلك لعنتي. مكري وقد ارتد عليّ. الشك وقد أضحى جرثومة تنهشني من الداخل. حتى ربَّة الطلاسم لم تنجُ من جرثومتي هذه. كثيرًا ما كنت أكفر بها وأتوه عنها، وأنفي حقيقة وجودها.
ساعدني على هذا غياب معبدها واختفاؤه معظم الوقت، وسرابيته واهتزازه في الأوقات القليلة التي ينبعث فيها. كان إيماني بها يترسخ فقط حين أقنع نفسي بأنني إياها، وأن تعددها وجه من وجوه تحولاتي. لم أكن في حاجة لإقناع أحد غيري. العالم غير موجود بالنسبة إليَّ. أنا وهو على طرفي نقيض، على الأقل في ما يخص رؤيته عن نفسه.
يظن أنه مقدود من صخر، لذا يستهين بكل ما هو لين طري لا يستقر على حال أو شكل. يتوهم أن الصلابة ما ينجيه، وما يحفظ وجوده وسط شلالات العدم. لا يدرك أنه قرين السيولة وابنها. مدين لها باستمراريته وبكل ما يميزه ويجعله جديرًا بالاهتمام.
في طفولته، كان العالم مسطحًا مائيًا لا تحده حدود، فقط يغمره الضباب حتى يكاد يخفيه ويموِّه عليه. كان فكرة تختمر على مهل في عقل يثمِّن التحول والسيولة والتطاير، غير أن هذه الفكرة حين تجسدت وقعت في عشق الصلابة وتنكرت لليونة واللاشكل. أنكرتني وسخرت مني. لم تفهمني كما يجب. جعلتني نقيضها وأمعنت في معاداتي. لم تدرك أنَّي جوهرها، أني منقذتها مما هي فيه من ضلال، إذ لا يفل الضلال إلّا الضلال. لا يبطل الوهم إلّا وهم أكبر.
أفكر في هذا، فتنفتح شهيتي على التحول بوتيرة أسرع حتى لا أكاد أنتبه لكُنْه الأشياء التي أتلبسها. أنتشي وأرقص فيرقص الكون معي. أنفض كل الأفكار والأوهام عني. أرتاح لخاطر أن من لا يفهم سر الليونة واللاثبات بمجرد تأمل تبدلات الكون من حوله لا يستحق عناء إرشاده والشرح له. شتاء وربيع ثم صيف وخريف. ليل ونهار. شروق وغروب. محاق فهلال فبدر. نجوم تولد من غبار كوني وأخرى تموت. نبتة تنمو وتزهر ثم تذوي، لتعاود النمو مجددًا. جسد يخط الزمن عليه متونه وشخبطاته على مهل. ماء يتبخر حتى ينتهي، ومطر غزير يتساقط. جفاف وفيضان. طوفان يغرق كل ما يقف في طريقه وصحراء جرداء تتوق إلى قطرة ماء. حتى الصخور والأحجار المفتونة بصلابتها تتفتت وتنكسر مع الوقت. هذا وغيره هو المتن المُتَجَاهَل. نص مكتوب بلغة واضحة في خفائها، ملغزة في وضوحها. لا تحتاج إلى من يفك شيفرتها أو يحل أحجياتها، ومع هذا نادرًا ما تجد من يفهمها، وإذا حدث وفهمها أحدهم، سرعان ما يتناسى درسها. درسي.
أنا شقيقة الفراغ. جنية الخلاء والعراء. رائية الوحيدين والتائهين والضائعين على دروب لم يختاروها في المقام الأول. أدرك أكثر من غيري أن الطريق ليس الطريق، والنهر ليس النهر، والشجرة ليست الشجرة. كل في حالة صيرورة مستمرة. الزمان يتجلى في المكان، والمكان يبتكر الزمان. وأنا في العراء أرسم ـ بمساعدة صهد الظهيرة ـ لوحات سرعان ما تكتشف العين زيفها، ويلاشيها القرب.
من متتالية قصصية بعــنوان «مأوى الغياب»، تصدر قريباً عن داري «سرد» وممدوح عدوان للنشر والتوزيع.

٭ أديبة مصرية

ابنة السراب

منصورة عز الدين

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية