لندن ـ «القدس العربي» ـ إبراهيم درويش: يطمح كتاب «عدو عدوي» لرسم صورة عن العلاقات الهندية الأفغانية، بداية من الاجتياح الروسي لأفغانستان عام 1979، مرورا بحكومة المجاهدين في مرحلة ما بعد نهاية الحرب الباردة وصعود طالبان والحرب على الإرهاب في مرحلة ما بعد 9/11 والاحتلال الأمريكي وحتى الوقت الحالي.
يبني الكاتب أفيناش باليوال، المحاضر في مدرسة لندن للدراسات الشرقية والإفريقية تصوراته، على كم من الوثائق التي رفعت عنها السرية والمقابلات مع رجال المرحلة. ورغم أهمية أفغانستان للهند كونها (المنطقة العازلة) بينها وبين عدوتها باكستان، إلا أن تصرفات نيودلهي افتقدت التماسك والوضوح، فالسياسة الهندية تجاه أفغانستان، وإن ركزت على البعد الاقتصادي والتنمية قبل الاجتياح الروسي، لم تكن منسجمة مع نفسها ومع مصالح الأمن القومي الهندي في معظم الأحيان، وظلت تدور بين دعاة التصالح والمواجهة، وكذا بمتطلبات الحرب الباردة، وكون الهند عضوا بارزا في حركة عدم الانحياز، فعلى خلاف باكستان التي ترتبط مع الجارة أفغانستان بعدد من الملفات مثل، البشتون وبلوشستان ومناطق الحدود أو المناطق القبلية في شمال غرب البلاد، فالهند ظلت في مرحلة ما تتعامل مع الطرف الحاكم أيا كانت هويته الأيديولوجية، باستثناء مرحلة طالبان، التي على ما يبدو أقنعت الهند بلعب دور مهم – مالي وعسكري وأمني في الحملة للإطاحة بالحركة، التي كانت في نظر نيودلهي جماعة وكيلة لإسلام أباد.
ومن هنا تبنت في مرحلة ما قبل هجمات 9/11 التحالف الشمالي وقادته، خاصة أحمد شاه مسعود الذي جرى تسويقه على أنه «تشي غيفارا» أفغانستان، مع أنه ظل في داخله إسلامي النزعة، قبل مقتله على يد ناشطين من القاعدة قبل هجمات نيويورك وواشنطن بأيام. ومع أن الكاتب يرى أن سياسة الهند تجاه الجارة أفغانستان قامت على الرغبة ببناء منطقة مستقرة، إلا أن مجمل سياساتها ظلت تدور في مجال المنفعة السياسية ومواجهة باكستان، ومن هنا ظلت السياسة الهندية منذ الاستقلال تدور حول المنفعة والحيادية والمشاركة العملية.
التصالحيون والأنصار
كانت هذه السياسات بالضرورة تعبيرا عن مدرستين في الخارجية الهندية، وكذلك المخابرات، هما التصالحيون والأنصار، فالتصالحيون كانوا يرون أن على حكومة الهند أن تتعامل مع أي حكومة في كابل، أما الأنصار فهم الداعون إلى التعامل مع الحكومة التي يرون أنها تخدم المصالح الهندية، وليس التركيز على المشاريع الاقتصادية والتطوير والمساعدات الإنسانية، ولكن تزويد الأطراف المتعددة في اللعبة الأفغانية بالدعم الدبلوماسي والسياسي والعسكري، إن اقتضت الضرورة. وقد أثرت المدرستين على مسار السياسة الهندية وتعرضت لامتحان في أكثر من مواجهة بين العدوين اللدودين طوال الحرب الباردة، وبعد انهيار الاتحاد السوفييتي والحرب على الإرهاب، وفي ظل حكومة حامد كرازي والحكومة الحالية لأشرف غاني.
نجيب الله وسرواري
ظلت السياسة الهندية ملتبسة ومتناقضة كما تعبر عنه حالة آخر رئيس لأفغانستان محمد نجيب الله، فقد تجادلت رئاسة هذا الرجل الذي انهارت حكومته مع دخول قوات المجاهدين كابل مع المواقف الهندية، وفشل نيودلهي بإنقاذه عندما حاولت مع مبعوث الأمم المتحدة نقله للمنفى إلى الهند. وهو قرار ندمت عليه الهند لاحقا عندما واجه الموت على يد طالبان، بعدما تركه أحمد شاه مسعود في مقر الأمم المتحدة وهرب مع قواته إلى وادي بانجشير. وتشكل قصته مع قصة أسد الله سرواري فصلا مثيرا انتهى بقتل كل منهما. فإن كان نجيب الله هو الحليف الذي حاولت نيودلهي إنقاذه، وترددت في اللحظة الأخيرة متعللة بعدم التدخل في شؤون دولة ذات سيادة. وبعد فشل خطتها نقل نجيب الله على متن طائرة للأمم المتحدة ومنع عبد الرشيد دوستم الرئيس الأفغاني من الوصول إلى المطار، فقد حكم على نجيب الله بالسجن ومواجهة مصيره الأخير معلقا في ساحة كابل. إلا أن مصير أسد الله سرواري انتهى بعد عقد من مقتل نجيب الله. ونهايته مرتبطة بالطريقة التي تصرفت بها الهند معه ومن أجل حماية حليفها نجيب الله. فسرواري الذي عمل مديرا للمخابرات لمدة عام بين 1978- 1979 وكان نائبا للرئيس بابراك كارمل، ورئيسا للمكتب السياسي لفرع «خلق» (الشعب) في حزب الشعب الأفغاني الديمقراطي الذي كان منافسا لفرع بارشام (العلم) الذي كان ينتمي إليه نجيب الله. وكان سرواري مثل نجيب الله رجل أمن وكلاهما يداه ملطختان بالدماء. ويقال إن سرواري قتل أكثر من أربعة آلاف سجين في العام الذي تولى فيه «خاد» المخابرات في سجن «بولي شارخي» وكان فوق هذا واحدا من «عصابة الأربعة» في فرع خلق وخطط ونفّذ عملية إعدام الرئيس الذي ينتمي لفرعه حفيظ الله أمين. وأقنع السوفييت كارمل بقبوله على مضض نائبا له. لكن ما أن عزز قوته قام بإرساله أولا سفيرا إلى منغوليا ومن ثم إلى اليمن الجنوبي. وكان سرواري قد قرر في نهاية الثمانينيات إنهاء عمله الدبلوماسي والتآمر مع قائد جيش نجيب الله شاه نواز تاناي للإطاحة بنجيب الله، الذي كانت حكومته في وضع متقلقل في ظل تحضيرات السوفييت الانسحاب من أفغانستان. وفي طريقه من اليمن إلى أفغانستان قرر التوقف في الهند/البلد الحليف، حيث هبط في يناير/كانون الثاني 1990 في بومبي واستقبله ممثلا عن القنصلية الأفغانية فيها. وبعدها سافر إلى نيودلهي، حيث نزل في فندق فخم وقضى شهرا قبل أن يسافر إلى كابل. وكان بينه وبين ركوب طائرة الخطوط الهندية دقائق عندما حضر مسؤول أفغاني إلى مكتب الخطوط الهندية في مطار غاندي الدولي، وسحب منه جوازه الذي يحمل تأشيره إقامة ستة أشهر في الهند. ومنع من ركوب الطائرة في ظروف غامضة. وأصبح بدون إقامة وسجينا كمجرم. ومن هنا تغيرت حياته وأصبح مصيره مرتبطا بالانقلاب الذي فشل فشلا ذريعا، وهرب تاناي إلى باكستان. وأصبح سرواري تحت رحمة القانون الهندي، وحاول استخدام علاقاته في الهند للخروج من السجن، لكن الحكومة الهندية وضعته في يوليو/تموز 1910 على متن طائرة نقلته من حيث جاء- اليمن. وكان بإمكان الهند تركه يواصل رحلته إلى أفغانستان فإن نجح الإنقلاب فستقوم بتكييف سياستها بناء على الوضع الجديد، وإن فشل فمقصلة الإعدام في انتظاره.
لكن نيودلهي التي كانت متحالفة مع نجيب الله واختارت الأخير، وعلى خلاف العقود الماضية عندما كانت موسكو تسيطر على كابل فإن نهاية الحرب الباردة وضعت الهند أمام خيارات صعبة بالنسبة لعلاقتها مع الجارة باكستان. واقتضت الخيارات الأفغانية دعم الهند لها وتحييد أعداء الأطراف المحليين ومواجهة باكستان. ومن هنا وجد صناع القرار الهندي أنفسهم أمام وضع صعب، فهم إن تدخلوا وبشكل كامل فسيضعون أنفسهم في صراع مع دول الإقليم وإن ترددوا خسروا الساحة. ومن هنا لا يزال شبحي نجيب الله وسرواري يلاحقان صناع القرار الهندي.
وهم الحياد
ويقول الكاتب إن تحدي الهند كان في البداية هو جعل أفغانستان منطقة محايدة باعتباره الوضع الأسلم لمشاكلها. لكن سياسات الهند خلال العقود الثلاثة الأخيرة تظهر أن الهند كانت أبعد عن هذا الوضع المحايد. ففي الفترة ما بين 1996 -2001 كانت نيودلهي المعارض الأشد لحركة طالبان، ودعمت قوات التحالف الشمالي. وغيّرت من سياساتها لاحقا مع دخول حلفائها كابل، وحاولت التعامل مع كل اللاعبين في المشهد الأفغاني والاستثمار في القوة الناعمة، وتوفير مشاريع صغيرة في مناطق عدة من البلاد. ويتهم الكثير من الأفغان الهند بالحليف الإقليمي الذي لا يمكن الوثوق به وغياب الاستراتيجية المتماسكة. ومع ذلك فالسياسة الهندية تجاه أفغانستان في الفترة ما بين 1979- 2015 مرت بتحولات عدة فرضتها الديناميات في جنوب آسيا ومقتضيات الأمن القومي.
سياسات نفعية
سياسة الهند تجاه أفغانستان حكمتها ثلاثة عوامل.. أولها بناء توازن بين أفغانستان وباكستان، حيث تعتمد الأولى على الثانية، كما في الوضع أثناء حركة طالبان. والسبب هو أن وجود باكستان على الأرض الأفغانية قد يعوق وصول الهند إلى دول وسط آسيا الغنية بالغاز الطبيعي. كذلك إمكانية استخدام باكستان لأفغانستان كساحة للتأثير على أمنها، خاصة في كشمير. أما العامل الثاني فهو الموقف الدولي حيث أخذت نيودلهي الرؤية الدولية بعين الاعتبار لكي تظهر بمظهر العنصر الإيجابي في البلاد. ويرتبط هذا الموقف بالخوف من الدور الباكستاني، لدرجة أنها في مؤتمر بون عام 2001 وصعود حامد كرازي كمرشح لتولي الحكم اعتبرته أمرا مفروضا، وكانت ترغب بمرشح من التحالف الشمالي، نظرا لعلاقة كرزاي مع باكستان. وهذا يقود للعامل الثالث في تشكيل السياسة الهندية تجاه أفغانستان وهو المحلي واللاعبين وطبيعة العلاقة معهم. فرغم ما تلقاه نيودلهي من مواقف مؤيدة داخل الطيف الأفغاني، واستمتعت بعلاقة جيدة مع كرزاي، إلا أن أشرف غاني كان باردا نحوها. تكشف دراسة باليوال الطريقة التي تعلمت بها الهند من أخطائها، وفي كل مرحلة كانت عينها على باكستان.