ليس يسيرا على المبدِع المختلف اجتراح رؤيته للذات والعالم بعيدا عن الرغبة في ابتداع الجمال، وخلق عوالم متخيّلة من معين الخيال؛ وبلغة تنبجس من الموروث الفكري والجمالي الذي يكون عصارة تجارب سابقة، تناولت هذه السمة في متون ضاربة في عمق الإبداع المتفرّد، ذلك أن صناعة الجمال لا تتحقق بدون هذه الأرصدة المعرفية، المعبّرة عن نضج التجربة المعاشة في الواقع والحياة، وعن القدرة في صوغ هذه التجربة صياغة ذات حمولات بديعة ومختلفة عما هو كائن في الكتابة، فالإبداع لا يصف الواقع بقدر ما يخلقه ويشكّله وفق تصور جمالي بعيدا عن القوالب الجاهزة ورافضا عملية الاجترار، بل إنه شبيه النحّات الذي يمتلك كل أدوات النّحت، لكن إبداعيته تتمثل في القدرة على إضفاء روحه على المصنوع، وبث الحياة فيه عبْر الابتداع، فالنحت لا يستخلص في تحويل شيء ما إلى صورة ميتة، فاقدة لروح الإبداع، وإنما يتجلى في فنية المنحوت الذي يحفّزك على الإحساس بأنه كائن حي يتصف بالحياة، واليد التي نحتته يد صانع للجمال والبهاء، وهنا يكمن الاختلاف بين المحاكي والخالق، فالمحاكي تكون صنعته غاية في الافتعال، في الوقت الذي نشعر بالخالق يكون خلقه مكتملا روحا وجسدا، يتّسم بعلاقة الانفعال والتفاعل، ما يضفي عليه ملمحا خلاقا، ولا غرابة في الأمر فالأديب أو الشاعر يستطيع أن يكون أديبا، والشاعر شاعرا بالقدرة على تحويل حياة الواقع إلى حياة مفعمة بطابع متخيّل ومحبوك، ومنسوج نسجا يترك الأثر في الآخر القارئ. والتشكيلي الذي لا يجعل لوحته ناطقة وساطعة بحياة الألوان يغدو خارج نطاق الجمال. والروائي الذي لا يطرّز عوالمه الحكائية بنكهة الجدّة ذات البعد الإيحائي بدون السقوط في التصويرية الفجّة والتسطيح الأسلوبي فإنه سيقتل النص ويرديه ابتعادا عن فردوس الجمال.
لن تتحقق جمالية الإبداع بدون امتلاك حدوس باطنية يستلهمها الخالق لتشكيل رؤية واضحة للفن المبدَع، هكذا يمكننا الحديث عن التجربة، هذه الأخيرة التي تغدو أساس الإبداع، لكونها الطاقة المشتعلة بالأحلام والتاريخ والمنعطفات الذاتية والجماعية، فهي مليئة بالزخم الذاتي والموضوعي، فبدونها لن تستقيم للخالق مخلوقاته المتخيلة، ولن يحصل الشعور بجمال الصنعة، فالتجربة أيضا تمنح له إمكانات هائلة لاصطياد كل ما يحيط الذات والوجود من أشياء واضحة وغامضة، تزيد رونقا بلمسة الخالق، حتى تكون زاد الخيال، إضافة إلى اللغة التي ما هي إلا تابل من التوابل الجمالية، فلا جمال بدون لغة مبتدَعة، تحوّل الجامد إلى كائن خيالي حي، تسري فيه الحياة وتنضح بالجمال.
الإنسان، في جوهره، يجنح إلى كل ما هو جميل، نظرا لأنه مثقل بالشرور الداخلية، التي يتمّ ترويضها بالإبداع المفعم بالحياة، والمشبع بقيم الخير والبحث الدؤوب عن كل ما يستطيع التخفيف من وزر القبح الذي ينيخ بكلكله عليه، فيشعر بالاختناق والضيق، فصناعة الجمال لا تحتاج إلى مسوغات تزيينية، لكن تستدعي الإحساس الباطني بضرورة الانتصار للحياة بتجلياتها المختلفة والمتعدّدة، لأن المكوث في الواحدية الفكرية والثقافية لن تجني من ورائه البشرية إلا الويلات، لذلك نجد الإنسان الخلاق والمحبّ للجليل في الذات والوجود يبدع الجمال باللغة الناطقة بسحر العالم ورونقه وبهائه، وهنا يتطلب الحدس الرؤياوي للمبدع حتى يحوّل القبيح إلى جمال ينطق بالقيم النبيلة والمعطاء.
فخلق الجمال لا يتحقق إلا بامتلاك القدرة على إسباغ الوجود بروح المحبة الجوانية، النابعة من حتمية الغوص في مغالق المستشكل في الذات والمستغرب في العالم، تلك سيرة الحياة في ابتداع صورة يانعة، بجلال سائر الكائنات الصدّاحة بكل ما هو رائع ورائق فيها. إن حياة خالية من الجمال حياة ميتة وجامدة، ثابتة ونابذة للتحول، وفي هذا اعتراض لمشيئة اللااستقرار في الوجود .فالجمال الباطني هو المحدد الأساس لكل جميل، وليس الجمال الظاهري، فهذا الأخير قد يكون خادعا ومغريا، لكن جوهره أجوف ولا قيمة له، في حين أن الجمال الباطني يقودك إلى معانقة الصفاء والنقاء، فعندما يكون الإنسان جميلا بمستطاعه أن يبدع الجمال ويتأنق فيه .
لا يمكن للمبدع الفنان أن يخلق الجمال ويبدعه، إلا إذا كان مالكا لرؤية عميقة تمثّل العنصر الجوهري الذي ينطوي عليه الإبداع، هذه الرؤية هي المحفّز لإنتاج الجمال وإضفاء القيمة الجمالية على هذا المنتوج الفنّي، كل هذا يدفع المبدِع إلى العمل على تحويل المجال الوجودي فضاء يشعّ روعة وجمالا، بفضل الاستثمار الواعي والمدرِك لعمق العملية الإبداعية، التي لا تتحقق إلا عبْر التأمّل والتبصّر في هذا الملكوت الناضح بكل جميل ومهيب بجلال العتمات، بل إن مقدرة المبدع على وَسْمِ العالم بالجمال ناجمة عن المنطلق الجمالي، الذي يشكّل الطاقة الكامنة في الذات للتعبير عن هذا الجميل في الحياة، فاللغة كوسيلة تعبيرية بإمكانها أن تغيّر ملامح القبح في الوجود إلى جمال فتّان ومُبْهِر، عبْر التشكيل اللغوي المطرّز بطريقة إبداعية، ذات أبعاد استيطيقية تزيد النص توهّجا وحياة، ولعلّ في هذا مكمن القدرة على تحويل القبيح بلغة الجمال والبهاء إلى جميل يطفح بكل ما يجعل الذات أكثر شعورا بالوجود.
الإبداع العميق هو الذي يطرح جماليات نصية تجعله قادرا على إثارة الأسئلة الحقيقية المرتبطة بإبداعية تؤسس لرؤى جمالية، وتصورات تنتصر للجليل في الذات والكون، وفق أشكال جديدة لها الاستطاعة في تشكيل هذا الجليل إلى إبداع يثير الدهشة ويدفع المتلقي إلى معانقة عوالم مبتكرة ذات جدّة وابتداع، خلق واختراع للأسمى والأنبل، على اعتبار أن الجمال الفني ما هو إلا تعبير عن حاجة الإنسان إلى الاغتسال بماء الجسد المتفجّر بحياة العواطف والهواجس والمشاعر والحدوس الكامنة في باطن الروح، وتلك سجية المبدعين المقيمين في التخوم القصوى للعزلة المقدّسة. فالفنان المبدع يبحث دائما عمّا يستثير الروح ويحفزها على الاستمرار في محبة الحياة، بوساطة النحت الدائم في الطبقات الخفية للذات والكون، لكشف المتواري والمخفي والمدهش والفاتن من هذين العالمين الغامضين المحيّرين. فجمال النص الإبداعي نابع من جمال الرؤية، وجمال الرؤية منبثق من جمال الذخيرة المعرفية ومن عمق التجربة. الشاعر المجدّد يَسْبُرُ الأغوار، ويكشف عنها بلغة متمردة وصانعة لأفقها الجمالي، حيث تكون له القدرة على حبك ونسج متخيّل شعري، وفق تصور ينتصر للجمالي الحق، أليس هو خالق نصوص، هذه الأخيرة لا تحقق كيانها إلا بتحقيق البعد الجمالي الناتج عن الصنعة الأسلوبية البعيدة عن المعجمية للغة، ولكن قريبة من فطرة الذات الباحثة عن كينونتها داخل منظومة جمالية تبدع الجمال وتحتفي بالقبيح جمالا وبالجميل قبحا، أي أن الإبداع لا يتجدد باللغة المعجمية، وإنما باللغة المتخلقة من رحم التجربة التي تفرض لغتها المسبوكة والمصقولة بالعمق الرؤياوي، الجدير بالكشف عن عوالم تطفح بكل جميل وبهي وجليل. إن الفنان القادر على ابتلاع صوت الخارج وخلق صوت الداخل وجعله ينجح في تعميق الإحساس بجمال الأشياء وبهاء الأرجاء، مبتعدا عن النسخ المجاني للواقع، بخلق واقع متخيّل ومصنوع من مادة التأمل والتبصر والتمعّن في الموجودات والوجود. لا يبدع خالق الجمال بل يسعى إلى التأكيد على كون الإبداع تجربة ذاتية ممزوجة بالمعطيات المعرفية والواقعية بشتى تلاوينها، منسوجة بالحلم والمتخيّل والرؤى، كل هذا ينجم عنه بعد جمالي أصيل يضفي النص المبدَع مسحة فنية ذات حمولية ديموماتية، وعليه لابد من التأمل مليّا في ملكوت الذات، باعتباره عالما ملتبسا وغامضا وفي حاجة إلى الكشف، عبْر اللغة النابضة بموروث إنساني حضاري معرفي مستمَدّ من تاريخ البشرية، وأيضا بوساطة القدرة على تشكيلها بأساليب مجازية واستعارية؛ وبلاغية نابعة من العمق التصوري للكتابة الإبداعية، بعبارة أخرى كيف يمكن للمبدِع أن يقول الموجود والوجود في صياغة طافحة بالجمال ليس التزييني، ولكن الجوهري والعميق الفاتن.
إن الجمال مزروع ومبثوث في كل مكان وكل زمان، لكن الذي يستطيع أن يقتنصه هو الذي له ريادة السبق في منح الذات والكون هذا البعد الجمالي، وإلباسه لكل الموجــودات حتى تعطي للحياة قيمة الفن والابتكار، فالجمال ببعده الثقافي والاجتماعي إحساس فردي يشعر به الناظر إلى اللوحــــات المبدَعـــة المترامية في الوجود، والمرسومة في الذات، غير أن مقدرة المبدِع تكمن في تحويل هذا الإحساس الفردي إلى وعي جمالي بأهمية الجمال في الحياة. فبدون جمال لا يمكننا الحديث عن وجــودنا. هذا الأخير الذي يحفّز كل مُدْركاتنا وقدراتنا الحوّاســـّيّة إلى التقاطه بلغة الجليل والمدهش.
٭ شاعر من المغرب
صالح لبريني