ممَ يخاف بوتين

حجم الخط
0

‘ان عناد الرئيس اوباما على عدم التراجع عن عملية العقاب العسكري ضد نظام الاسد في سورية اذا ما وعندما يثبت تقرير مراقبي الامم المتحدة بانه تم استخدام السلاح الكيميائي، دفع الكرملين الى التراجع والموافقة على خطوة بدت حتى الان مثابة خيال: مرابطة مراقبين دوليين في مخازن هذا السلاح وتدميره. ويجدر بالذكر أنه حتى وقت قصير مضى، كانت السلطات في موسكو تقسم بان القول في حيازة الجيش السوري الرسمي سلاحا كيميائيا هو افتراء مغرض للدعاية الغربية.
أما الان فسيعترف بوتين ووزير خارجيته لافروف الانتهازي الكريه من الطراز السوفييتي بان لدى احد ما في سورية سلاحا كيميائيا ويتوجب تدميره، ولكن ببطء. وعلى الرغم من ذلك فانهم ومساعديهم يواصلون الكذب بكل وقاحة: الصواريخ التي حملت الغاز الكيميائي الفتاك لم يطلقها الجيش السوري، يقولون من دون أن يرف لهم جفن، بل الثوار. احد في العالم، بمن فيهم اصدقاء سورية في ايران، لا يصدقون هذه الكذبة. ففي التقرير العلمي لخبراء الامم المتحدة ترسم المسارات المحتملة للصواريخ، وكلها تخرج من معاقل العصابات العليا المقربة من عائلة الاسد ونظامه.
ويُسأل بالتالي السؤال غير البياني: لماذا يكذب الرئيس بوتين بوقاحة. يكذب من دون خجل ومن دون تلعثم ويكذب وحده تقريبا؛ فرئيس وزرائه امتنع عن اطلاق صوته والتكرار السخيف للاكاذيب يسحق الثقة التي لا تزال الاسرة الدولية تمنحها لبوتين.
وعليه، فاذا افترضنا ان الرئيس الروسي لا يعمل انطلاقا من الغباء فقط، فينبغي البحث عن تفسير منطقي آخر لسلوكه الغريب، ليس من التمسك بالاكاذيب، بل من أي حقيقة يخاف وكم عظيما وشديدا ينبغي أن يكون الخوف من كشف الحقيقة عما حصل ويحصل في موضوع السلاح الكيميائي السوري واستخدامه، كي يواصل الرئيس بوتين والناطقون بلسانه الغرق في اكاذيبهم؟
ليس عندي جواب مسنود بالحقائق على هذا السؤال. عندي فقط تخمين، وهو أن الروس (وليس فقط في عهد السوفييت) كانوا مشاركين بعدة طرق في قضية السلاح الكيميائي السوري في توريده، في تطويره وفي استخدامه. وليس المقصود الجيش الروسي النظامي، ولكن يحتمل أن تكون هناك وحدة روسية سرية موجودة في تفاصيل استخدام السلاح الكيميائي من النوع الذي اطلق في سورية، تابعة مباشرة لحاكم الكرملين ووجودها من شأنه ان ينكشف في الظروف التي يحاول بوتين الان منعها بكل قوته.
رغم أن الاتحاد السوفييتي وقع على ميثاق عدم استخدام السلاح الكيميائي، الا ان محافل استخبارية غربية تقدر بان السوفييت انشغلوا بشكل نشيط ليس فقط في تطوير هذا السلاح، بل ايضا في توريده لدول (صديقة) واحيانا تحت غطاء المساعدة العلمية. وقد سبق ان عرض صاروخ كيميائي من انتاج سوفييتي في تقرير مراقبي الامم المتحدة؛ وهذا كفيل بان يكون مجرد البداية. ومن غير المستبعد ان يكون التوريد مستمرا او استؤنف في العقد الاخير، بسرية وكتمان كاملين.
دليل داعم لهذا التخمين يمكن أن نجده في كذبة اخرى اطلقها أول امس الرئيس الروسي في استعراض للصحافيين حين قال، ان السوريين ‘اضطروا الى السلاح الكيميائي بسبب تسلح اسرائيل بالسلاح النووي. ولا بد ان أجهزة الاستخبارات الروسية قدمت لبوتين كل المعلومات التي تحت تصرفها وتشهد على كذب وعدم منطقية هذا القول. ومع ذلك، فان بوتين طرحه، وربما كي يخلق مسبقا حجة سياسية للحقيقة، حين تنكشف.
لقد طلب ستالين تعذيب المشبوهين ‘بالتجسس والتآمر’ بوحشية كي يوافقوا على التوقيع على افادة اعتراف. واعترافات المتهمين، حتى لو اخذت منهم بالتعذيب، كانت مهمة في نظره: احد كبار القتلة الجماعيين في القرن السابق لن يرغب في أن يبدو تجاه الخارج كاذبا. من هنا فان استعداد بوتين، الذي ليس طاغية وليس ستالينيا وليس قاتلا، لان يعتبر في نظر الرأي العام العالمي كاذبا بلا هوادة، مصدره أغلب الظن يعود الى خوف سياسي، شخصي، من نصيب القوى العظمى، خوف بلا كوابح من انكشاف الحقيقة الرهيبة.

يديعوت 22/9/2013

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية