الدوحة ـ «القدس العربي»: سليمان حاج إبراهيم: دخلت الأزمة الخليجية التي تجاوزت شهرها السابع منعرجا خطيرا مع تجاوز الدول المحاصرة لقطر سقف المحظور، وبلوغها حد احتجاز الأشخاص واستهداف الأعراض، مع استفزاز الدوحة باختراق مجالها الجوي.
التطورات المتسارعة في الأزمة التي تشهدها دول مجلس التعاون الخليجي تؤكد أن منحاها يزداد تطرفا في ظل غياب أي مؤشر للتصالح أو حتى التهدئة وتخفيف حدة الخلاف.
الدوحة أماطت النقاب عن جانب ظل خفيا من أسباب الأزمة، لتساعد على تجميع قطع الدومينو المتناثرة، وتسهل على المتابعين استيعاب بعض ملابسات التصعيد الذي تنتهجه دول الحصار.
وأوضح وزير خارجيتها الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني بلغة مباشرة أن تنمر أبو ظبي يعود سبب منه لخلاف إماراتي قطري يرجع إلى عام 2015 بعد رفض الدوحة تسليم زوجة معارض إماراتي لسلطات أبو ظبي.
وأعلن صراحة إن ولي عهد أبو ظبي محمد بن زايد أرسل مبعوثا إلى أمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني لتسليمهم السيدة لكن الدوحة رفضت طلبهم.
واستطرد أن بلاده قالتها بلغة واضحة لمبعوث محمد بن زايد إن المرأة ليست مطلوبة في جرم جنائي وإن تسليمها مخالف للدستور القطري وللقانون الدولي الإنساني وللأخلاق والتقاليد العربية.
وأسهب في الحديث عن قضية المرأة وزوجها منذ غادرا بلادهما – بشكل رسمي- إلى قطر قبل سنوات قليلة، وبعد ذلك سحبت السفارة الإماراتية في الدوحة جواز سفر السيدة، حين أرادت تجديده. وأوضح أن المعارض الإماراتي وزوجته غادرا الإمارات عقب حملة اعتقالات استهدفت معارضين موضحا أن المرأة بقيت بمفردها في قطر في حين غادر زوجها إلى بريطانيا.
الشق الثاني المهم من حديث رئيس الدبلوماسية القطرية يؤدي إلى استنباط تفصيل مهم ومحوري في الأزمة المتصاعدة ويمكن التوقف عنده مطولا. ويتعلق الأمر بلقاء سابق لأمير قطر طرح فيه موضوع زوجة المعارض الإماراتي مع ولي العهد السعودي آنذاك محمد بن نايف بحضور ولي العهد الحالي محمد بن سلمان. وزير الخارجية القطرية أعلنها صراحة أن محمد بن نايف، المستبعد حاليا من الحكم في بلاده السعودية، أثنى على موقف الشيخ تميم، وأشاد بنبله وأخبره أن بلاده كانت ستقوم بالشيء ذاته لو تعرضت لموقف مماثل.
سلطات أبو ظبي لم تتحمل هذه الصفعة التي وجهتها القيادة القطرية لمحمد بن زايد، ولا استساغ محمد بن سلمان تطابق وجهات نظر غريمه المستبعد من ولاية العهد ومن الحكم محمد بن نايف مع الدوحة.
المتحكمون والمتنفذون والمستأثرون بسلطة القرار في كل من الممكلة والإمارات، نسقا بينهما وتداولا الرد على هذا الموقف النبيل والذي اعتبراه تهديدا لرغباتهما تطويع سلطة القرار في البيت الخليجي.
خيبات الإمارات العربية وتحديدا إمارة أبوظبي لم تتوقف عند هذا الحد، وقبل أن تتجاوز آثار الصفعة التي تلقتها بعد كشف الدوحة لجانب من الخلاف القائم، حتى منيت بفشل جديد.
الحادثة الأولى التي سببت صداعا للإماراتيين بعدما كانوا محل استهجان الخليجيين للتخلي عن قيمة لا يمكن الدوس عليها وهي إجارة الضيف واستقباله وحمايته والدفاع عنه طالما حل على البلد.
موقف الدوحة بإكرام الضيف والذود عنه مهما كان السبب، برفضها التعرض لزوجة المعارض الإماراتي، لم يكن ذاته لسلطات أبو ظبي التي تجاوزت مجددا الأخلاق المتعارف عليها عربيا باحتجازها لضيف قطري نزل عندها وتحت حماية محمد بن زايد.
القصة تتعلق بتسريب للشيخ عبد الله بن علي آل ثاني أعلن فيه احتجازه من قبل سلطات أبو ظبي بالرغم من كونه ضيفا على ولي عهدها الشيخ محمد بن زايد.
الخطير في تصريح الشيخ عبد الله، الذي قدمته دول الحصار في وقت سابق على أساس أنه بديل للقيادة القطرية، إعلانه أن حياته قد تكون في خطر، وبرأ ذمة الدوحة من أي مكروه قد يتعرض له.
وتشي هذه النقطة بأن الضيف الذي استدعي لأبو ظبي استشعر مؤامرة كانت تحاك في الخفاء لاغتياله ربما أو تعريض حياته للخطر لتوجيه اللوم للدوحة.
الشيخ عبد الله الذي تحلى بالشهامة حاول أن يكون منصفا مع قطر التي تبقى وتظل بالرغم من كل شيء بلده وأهله الذين يخشى عليهم من أي بهتان أو مؤامرة قد تحاك ضدهم في ليل.
وحتى الآن تظل قصة الشيخ مبهمة، خصوصا وأنه لم يصدر منه تصريح واضح حول موقفه من الأزمة بعيدا عما كانت تنشره مخابرات دول الحصار، وتبثه باسمه في مختلف صفحاته التي تم إنشاؤها من قبل فرق الذباب الإلكتروني التي يديرها دليم في الرياض.
أبو ظبي وجدت نفسها مع انتشار الفيديو الواضح البين، والذي لا يمكن نفيه، أو الادعاء بتزييفه، مثلما حاولت بعض الجهات الترويج لذلك في وضع حرج. وكان الارتباك سيد الموقف في تصريحاتها حيث تراجعت وكالة «الأنباء» الإماراتية عن الخبر الذي بثته بشأن الشيخ عبد الله بن علي آل ثاني، وقالت فيه إنه كان ضيفا على دولة الإمارات وغادرها بناء على طلبه، ثم عمدت الوكالة إلى سحب تغريدتها من موقع «تويتر» بعد وقت قليل من نشرها.
وكان مصدر في الخارجية الإماراتية قال إن الشيخ عبد الله حل ضيفا على الإمارات، وإنه حر التصرف في تحركاته. ولم تجد مجموعات تفكير محمد بن زايد مخرجا مناسبا للورطة التي وقعت فيها بخصوص ضيفها، خصوصا وأن موقف الدوحة كان مشرفا بدفاعها عن الشيخ مهما كان الموقف السابق، وإعلانها «أنها تراقب عن كثب الموقف بشأن التسجيل الذي ظهر فيه الشيخ عبد الله متحدثا عن احتجازه».
المتحدثة الرسمية باسم وزارة الخارجية لولوة الخاطر أعلنت سريعا أن الدوحة تقف من حيث المبدأ مع حفظ الحقوق القانونية لأي فرد، وأن من حق أسرته اللجوء إلى جميع السبل القانونية لحفظ حقوقه.
قضية احتجاز الشيخ القطري، جاءت بعد فترة قصيرة من سقوط سلطات أبو ظبي في مستنقع أفعالها، بإعلان المرشح السابق للانتخابات المصرية أحمد شفيق احتجازه ومنعه من السفر من قبل مقربي محمد بن زايد.
محاولات يائسة
وحاولت سلطات أبو ظبي التغطية على فضائح رجلها المتنفذ محمد بن زايد المتوالية عليها، بالادعاء أن مقاتلات قطرية اعترضت مسار طائراتها المدنية. ونفت وزارة الخارجية القطرية المزاعم الإماراتية وقالت المتحدثة باسم الوزارة لولوة الخاطر إن هذا الادعاء يأتي بعد يوم من حادثة اختراق طائرة نقل عسكرية إماراتية أجواء قطر. وأشارت إلى أن قطر ستتخذ الإجراءات القانونية اللازمة.
القيادة الأمريكية في قاعدة العديد في قطر أكدت الرواية القطرية ونفت المزاعم الإماراتية بتأكيدها إنها لم تتلق أي تقارير عن اعتراض طائرة مدنية في أجواء الخليج.
وتزامنت القصة مع قيام الإمارات باختراق المجال الجوي لقطر، وتسجيل الدوحة لمقاتلات تجاوزت خطوط الملاحة المفروضة، ولم تلتزم باحترام السيادة القطرية.
واضطرت الدوحة لتسجيل شكوى لدى الأمين العام للأمم المتحدة ورئيس مجلس الأمن الدولي بشأن قيام طائرة نقل جوي عسكرية إماراتية قادمة من مجالها الجوي ومتجهة إلى البحرين، باختراق المجال الجوي لدولة قطر.
واعتبرت قطر، في الرسالة التي تلتها سفيرتها الدائمة لدى الأمم المتحدة، أن تكرار هذه الحادثة واستمرار دولة الإمارات في انتهاك سيادة بلادها وتهديدها لسلامة حدودها وأراضيها، دليل على مضيها في النهج الرامي لخرق أحكام القانون الدولي والاتفاقيات والمواثيق والأعراف الدولية.
وسجلت قطر مؤخرا انتصارات دبلوماسية في ظل الأزمة والحصار المفروضين عليها من جاراتها، بتوثيق تحالفاتها الإستراتيجية مع كل من بريطانيا وحلف شمال الأطلسي «الناتو».
وقال خالد العطية نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الدولة القطري لشؤون الدفاع، إن بلاده وبريطانيا اتفقتا على تعزيز التعاون بينهما في المجال العسكري، وتأسيس أسطول عمليات مشترك. وأضاف العطية أن الأسطول المشترك سيعمل على ضمان الجاهزية القتالية وزيادة الإجراءات المشتركة في مكافحة الإرهاب.
وتزامن تصريح العطية مع توقيع بلاده، اتفاقية أمنية مع حلف شمال الأطلسي «الناتو» في مقره في بروكسل لتوفير إطار لحماية تبادل المعلومات السرية بينهما.
وسجلت الدوحة نقلة موفقة في رقعة الصراع الدائر حاليا في المنطقة باختراق ناجع في علاقتها بالبيت الأبيض التي سجلت بعض التوتر بسبب تصريحات سابقة لدونالد ترامب، خالف فيها توجهات السياسة الخارجية لبلاده.
وقال الموفد الأمريكي الأسبق إلى الشرق الأوسط مارتن إنديك في تغريدة على «تويتر» إن الرئيس ترامب لم يعد يتبع الرواية السعودية الإماراتية بشأن قطر.
وأوضح إنديك أن ذلك ربما يأتي لأن دولة قطر تتعاون الآن في مجال مكافحة الإرهاب وتبدي استعدادها للتفاوض بشأن الخلاف بين الدوحة والدول التي تحاصرها.
ونسف دونالد ترامب قبل أيام، آخر خيط كان الثنائي محمد بن زايد ومحمد بن سلمان يتمسكان به في سبيل دفع البيت الأبيض لاتخاذ مواقف عدائية تجاه قطر.
وعبر الرئيس الأمريكي في اتصال هاتفي مع الشيخ تميم بن حمد آل ثاني عن شكره على الجهود القطرية في مكافحة الإرهاب والتطرف بكل أشكاله بما في ذلك كون الدوحة إحدى الدول القليلة التي مضت قدما على صعيد توقيع مذكرة تفاهم ثنائية مع الولايات المتحدة.
ويرتقب أن يعمل الثنائي السعودي الإماراتي معا لاستمالة البيت الأبيض لحلفهما للضغط على قطر، لكن ذلك قد يكلفهما الكثير مع رئيس متطلب جدا ولا يتحرك إلا وفق حسابات ومصالح استراتيجية.
وسوف تتضح قريبا خريطة الطريق في إدارة التوتر الحالي في المنطقة وفق المصالح الجيوسياسية لكل طرف.