يعتصر ياسين الأيوبي ما جاء في الكتب والمراجع السيريالية ومذهبها في بحث استجمع فيه كل إيجاز لفكرة وضعها في كتابه «معالم الأدب السيريالي» الصادر حديثا عن «المؤسسة الحديثة للكتاب» ليضيء من زيت التعاريف الحوارات الذهنية مع القارئ، بعد أن تفاجأ بنمط من الشعر الغريب، كما يقول متجها إلى الغرب حيث «نشأت السيريالية من الرومنطقية التي سارت تدريجيا إلى احتقار معنى القصيدة المفهوم» وربما وجد في بعض المراجع التي اعتمد عليها ككتاب السيريالية لإيف دوبليس نوعا من براهين تفيد نظريته التي نشأت من لحظات استغراب وصلت إلى حد التحفظ والرفض، بعد تنقيب وقراءة في شعر محمد زينو شومان والمذهب السيريالي الذي استكمل به ياسين الأيوبي سلسلة كتبه التي تناول فيها المذاهب الأدبية، ما جعله يغوص «في مظان الأدب الفرنسي، وما كتب خاصة عن الشعر السيريالي وأعيانه ونقاده» فالغنى البحثي في هذا الكتاب هو مقدمة. ليتجمع لديه الحصاد الوفير، فيحصد غماره ويدرسه على بيدر النقد والتحليل، فلا تخرج لفظة أو كلمة من أي شاعر إلا ويستخرج الغث من السمين. وما بين التعريفات في الفصل الأول ونسيج الأدب السيريالي ومكوناته في الفصل الثاني، إلا ارتكاز شديد على كتابين بشكل أكبر هما «السيريالية» لإيف دوبلاس و»عصر السيريالية» لوالاس فاولي، مقتبسا خلاصة ما كتب. «ومن أكثر ملامح هذه الحركة أصالة وطرافة قولها إن الفن ليس غاية في حد ذاته، وإن على الإنسان ألا يقف عند النظريات الجمالية والتأمل الفلسفي ابداً». فهل من سريالية أغرب من التي اتضحت في كتاب ياسين الأيوبي؟
رحلة بين مقتطفات أولية من أدب السيرياليين نثراً وشعراً ومختارات من الشعر السيريالي الغربي يطالعنا فيها ياسين الأيوبي على عدة وجوه من التعبير السيريالي ووجوهه ومعانيه، ومما لا يستساغ «إلا من قراء قد وجدوا فيه ما يحاكي أذواقهم ورغباتهم» فما حكاه بريتون وما قاله بول إيلوار تجسيد لهوية الأدب السيريالي التي يسعى ياسين إلى إيضاحها، ومنحها المعايير الأدبية والتذوقية النابعة من الاستكشاف في التفاوت بين الضبابية، وسريالية خرجت عن المألوف والمنطق، وعن كلام صيغ بما خطر على اللسان، لا الفكر والخيال». أي هناك نوع من التداعي الكلامي الذي لا يخضع إلى رقابة، ولا حتى مجرد نظر من بعيد «متسائلا، هل نرفضها أم نتقبلها، مستأنسين بغرابة مخلوقات لا حول لنا فيها ولا شأن في تكوين خلقها». مستعرضا بعد ذلك بيان بريتون السيريالي وتعاطف أنسي الحاج معه . كما أشاد بأمانة ادونيس في ترجمة النص بلغة لا تكاد تختلف في شيء عن نص بيير إيمانويل، وقصيدة «أين إلهك» وجرأة الشاعر بقول ما قال. وأكثر ما اعتمد عليه الأيوبي من ترجمات للقصائد هي للشاعر العراقي عبدالوهاب البياتي متناولا مختلف الأساليب الشعرية والنثرية في السيريالية. لتكون نهاية الخاتمة في الباب الثاني: «إن الأدب والشعر بوجه خاص، هما نتاج المعاناة الوجدانية والصراع المتلازم ما بين الإنسان وعالمه، تماما كمجاري الأنهر والجداول، كل له ينبوعه ومصبه، وطرائق تدفقه». فهل تدفق السيريالية من عالم اللاشعور هي حركة شعرية غريبة؟
إنه اعتصار فعلا لمعالم سريالية تخللها إظهار العديد من الإنتاج السيريالي للكثير من شعراء الغرب والعرب، لنرتوي من أثر الأدب السيريالي الغربي في شعرنا العربي المعاصر. راصدأ بذلك الذين تسربلوا في قصائدهم بحيادية وموضوعية، وببحث دؤوب في الألفاظ والتعابير ومعانيها، ومنطقها الذي يحكم على قدرتها الغرائبية في الاستئناس إليها أو رفضها. إذ تأمل وشرح معاني القصائد عند أدونيس وأميل كبا وغيرهما، التي شرحها وعالج فيها الكثيرمن المسارات متسائلا في ختام تحليل الكثير من الكلام الذي جاء في قصائد لأدونيس. هل قصد بذلك تغير رياح الحياة من غنائية إلى ما يشبه الريح الصرصر العاتية؟ « لنتذوق بعد ذلك من خلال مجموعة يوسف الخال الكاملة ما تضمنته الخمسة دواوين المجدولة في إيقاع متئد مظهرا عدة صفات شعرية في صفحات لا بأس بها من هذا الكتاب، والجنوح السيريالي الذي تفوق به نذير العظمة عن رواد الأدب السيريالي وجهابذته، بما صاغه من لغة حروفها عربية ومرموزاتها عالم من جيولوجية لم تحط به علوم الجغرافية والتاريخ». فهل أظهر قبح السيريالية وخللها أم جمالية السيريالية وأدبها التي تحتاج لتوخي الدقة و»عدم الجنوح الفكري والتصوري الذي يأخذنا إلى متاهات لا تورثنا إلا البلاهة». فهل يكشف ياسين الأيوبي أمامنا قيمة معادن الأدب عند الأدباء والشعراء؟ أم أنه يعري الشوائب ليفتح البصائر على الحقائق الشعرية؟
أهداف هذا الكتاب كما يقول الأيوبي «تعرية بعض النتاج الشعري المغرورب، المعجوجب، المتسربل، من غير أصالة إبداعية وحضور شعري محكم، وفضح أصحابه المتربعين على عروش وهمية من الرفعة والخيلاء، الخاوية الوفاض». وفي هذا سلخ لكل سريالية مرفوضة في الأدب. فللسريالية برأيي ياسين احتكام للمنطق بعيداً عن حمى البصيرة المشوشة غير القادرة على التمييز، ولا يسعني في هذا المقال إلا أن اختصر كل الشعراء الذين تناولوا في قصائدهم معالم السيريالية أمثال «جبرا إبراهيم جبرا، سعدي يوسف، وشوقي أبو شقراء، ومحمد العبدالله، وهدى النعماني وسواهم . موضحا «الفروق الكبيرة التي جاءت بها أشعار السيرياليين العرب، من شطح لا حدود له، ومن تطرف في الهلوسة وهيمنة النوازع السديمية الهابطة على نتاج كثير منهم. بدون تحفظ أو مراعاة. ليكتوي القارئ أو الباحث في صفحات خلاصة ما سبق التي تتركه الدهشة أمام المعالم السيريالية وقيمتها النقدية المنطقية المقنعة ممسكا «بناصية النقد المسؤول» الذي يجعل من كل خطوة شعرية الميزان الحقيقي الذي يجب أن يرافقها في جميع المذاهب الأدبية. لأن معالم السيريالية في كتاب ياسين الأيوبي أظهرت فروقات الصح والخطأ في هذا المذهب وغرائبه.
٭ كاتبة لبنانية
ضحى عبدالرؤوف المل