لا يجيب الزملاء في التلفزيون الأردني وهم يسجلون تقاريرهم عن مخيم اللاجئين السوريين على السؤال الذي طرحه علي أحد الفارين من جحيم السلطة السورية عندما قال لي : اللجان الخليجية والدولية التي تغطي نفقات اللجوء تستثني في التغطية التأمينية الصحية والطبية أسنان الأطفال .. لماذا؟
إبنة الرجل فقدت ثلاثة من أسنانها وهي تسقط من عربة أطلقت دبابة سورية النار بجوارها وعندما حاول الرجل معالجة أسنان الفتاة رفض الطلب على أساس أن تعليمات الدول المانحة تتجاهل تأمين الأسنان.
أضم صوتي لصديقي اللاجئ السوري وأطالب المجتمع الدولي بالتعامل مع الأسنان مثل أي قطعة أخرى في الجسم وأعتقد شخصيا أن الأسنان هي في الواقع التي تقوم بالمهمة المقدسة لإسعاد الإنسان.
ولأن المسألة تخص تقطيع الطعام حصريا ظهرت الأسنان في مهمة أخرى تماما ووظيفة سياسية في التقرير الذي بثته الجزيرة عن إعتصامات القطارات في مصر ضمن تغطية شاملة بإسم (مصر إلى أين؟).
اللقطة التي أثارت إنتباهي لإمرأة مصرية محجبة ترقص بفرح داخل القطار وتطلق العنان لأسنانها وهي تتلاعب باللسان الذي تدفق في إطلاق الزغاريت مع تصفيق حاد بالطبع مقاصده الرئيس الشرعي المعتقل محمد مرسي.
… مصر إلى أين.. لا أعرف زميلا أو صديقا مصريا يعرف.
مصر في أحضان الإنقلاب
أشفق أحيانا على الزملاء المذيعين في الجزيرة وهم يحاولون عبر الإتصالات الهاتفية الإلتفاف على الحصار المحكم ضدهم وضد محطتهم خلال البرامج الإخبارية والحوارية خصوصا في الساحة المصرية حيث يتكرس الحكم العسكري في غالبية مسارات الحياة العامة.
حاول المذيع الأسبوع الماضي الحصول على تعقيب من جنرال متقاعد في وزارة الداخلية المصرية على أحداث قرية دلجا فوجد ان الرجل يكرر كالببغاء نفس الإسطوانة المشروخة التي يرددها إعلام الإنقلاب العسكري حول التصدي للإرهاب الجماعي.
ناور المذيع بلا طائل على أمل الإستماع إلى نصف حقيقة أو تقدير موضوعي لكنه إستمع مجددا لتلك النغمة المقيتة التي تصفق لكل ما هو أمني وتحتفل بقدرات الجيوش على التصدي للشعب وترك إسرائيل تحتل الأوطان.
في خبر لاحق وبنفس النشرة تحدثت مقدمة الخبر عن قمع حريات التعبير في أوساط الجامعات فاستضاف المذيع أستاذة في كلية الإعلام على أمل أن تردد قولا مستقلا ولو نسبيا وسرعان ما تدفقت الأستاذة وإسمها الأول على ما أذكر هويدا وهي (تبرر) الإجراءات الأمنية على أسس مشروخة: الحالة الطارئة والحيلولة دون إحتكاك الطلاب ببعضهم .. إلخ .
بدعوى الأمن والتصدي للإرهاب خلع الرئيس المنتخب وقمع الناس وإرتكبت مجازر وها هم العسكر يتصدرون المشهد فيمنعون طلاب الجامعات من التعبير ويفرضون حظر التجول ويلفتون النظر إلى ان حكم الطوارئ في عهد حسني مبارك سيكون مجرد (نزهة) قياسا بإرتماء مصر في أحضان الإنقلابيين لعدة عقود حسب الإجتهادات المتفائلة.
علبة العربية
محطة العربية مثلا تبدو أكثر دقة وأقل مجازفة في إختيار معقبيها ومعلقيها فهي تختارهم عندما يتعلق الأمر بالموضوع السوري أو المصري من نفس (العلبة) وكأنهم تلقوا العلم معا عند شيخ واحد، الأمر الذي يفسر عدم وجود هفوات أو عثرات في الإتصال المباشر على الهواء يمكنها ان تتحول لاحقا لأشرطة مضحكة يتبادلها الناس على فيس بوك ويوتيوب.
جميل ان ينسجم المعلق مع المحطة الفضائية لكن مشكلة هذا التلاقح هو تكرار الإسطوانات نفسها من كل المعقبين والمعلقين.
المهمة المستحيلة
صديقي المصري الأستاذ مجدي حلمي طلب مني مؤخرا أن لا أحشر الإعلام المصري عندما يتعلق الأمر بمواقف لها علاقة ببلادي وشؤونها المحلية.
هذه المهمة تبدو مستحيلة فتجاهل الجرائم التي إرتكبتها بعض الفضائيات المصرية وهي تبث سموم ثقافة الكراهية وسط الشعب المصري العظيم يحتاج إلى نجم من وزن توم كروز الذي يستطيع القفز من طائرة أو يخت او حتى من صاروخ.
نحن لا نعيش في مصر لكنها تعيش فينا.. حتى لو تركنا مصر هي لن تتركنا وهذا ما قاله الزميل حلمي الأسمر لصديق طلب عدم الإهتمام.
ببساطة لا يمكنني تجاهل الأمر فبعض الفضائيات المصرية للأسف أفسدت ذاكرتنا الجميلة عن عمالقة الصحافة المصرية.. مشاهدة أي برنامج على محطة الفراعين مثلا وفي أي وقت كفيلة بأن توصل أي مشاهد لمثل هذا الإستنتاج.
خصوصا المشهد الذي يقسم فيه أحد فراعنة الفراعين وهو توفيق عكاشه بإلله والسماء أغلظ الأيمان على الشاشة للتركيز على معلومة تقول لنا نحن معشر المشاهدين وبكل اللغات (أنا مفبركة) وكاذبة.
شاهدت المدعو عكاشه يقسم أغلظ الأيمان ثلاث مرات في أسبوع واحد… لا يفعل ذلك في الواقع إلا (مفتري) ومفبرك ففي كل علوم الصحافة والإعلام لم نسمع يوما عن القسم بإلله بإعتباره احد أركان الخبر الصحفي أو البرامج الحوارية.
مثل هؤلاء يقسمون الأيمان لغرض له علاقة مباشرة بأكل حلاوة في عقول البسطاء الذين يظهر أغلبهم في الواقع وعيا فطريا يفوق الجميع ويتفوق عليهم وإلا لم تنبلج من تراث البسطاء تلك المقولة الخالدة (قالوا للحرامي إحلف.. قال أجاك الفرج) .
ألله بريء برأيي الشخصي من كل هؤلاء الذين يقسمون بإسمه أو الذين يتحدثون بإسم السماء خصوصا في نطاق حرب تحرير سوريا والعراق التي يذبح فيها الناس كالنعاج بإسم كلمة الإسلام في مشاهد غير حضارية تحتفل بها فضائيات الشبكة أو في فضائية مثل الدنيا تتصرف وكأن العرس عند الجيران أو كأن سوريا لا تعاني إلا من مشكلة (عصابات مسلحة) فقط ضد القانون.
مدير مكتب ‘القدس العربي’ في عمّان