عقيدة ترامب السياسية والأمنية: دمج القيم مع البراغماتية

حجم الخط
0

قرار الرئيس دونالد ترامب التأخير حاليا لاستئناف العقوبات الواسعة على إيران ـ وبدلا من ذلك الفرض الفوري لـ 14 عقوبة جديدة على شخصيات وهيئات إيرانية مسؤولة عن المس بحقوق الإنسان في الدولة وتفعيل جهات إرهابية على رأسها حزب الله ـ هو دليل على أنه في ختام السنة الأولى من قيامها، بدأت الإدارة في بلورة استراتيجية سياسية شاملة وبراغماتية. في موضوع إيران مثلا، إلى جانب السعي إلى سد طريقها إلى السلاح النووي، هناك اعتراف بأن هذا يستوجب أيضا موقفا من الواقع السياسي الداخلي والدُّولي.
لقد وقف المحللون في حينه منذهلين في ضوء تصريحات ترامب في حملة الانتخابات. ولا سيما كان لاذعا شعار أمريكا أولا، الذي بدا كأنه ينسخ الشعار الانعزالي للمعسكر المؤيد للنازيين في أمريكا عشية الحرب العالمية الثانية. وحتى لو كان الآن وضوح أكثر بالنسبة لإيران، فلا يزال يتبقى مجال لتغييرات بعيدة الأثر في مجالات مختلفة. هذا ما يفترض أن توفره الوثيقة التي تقع في 55 صفحة وتسمى استراتيجية الأمن القومي للولايات المتحدة التي نشرت مؤخرا ويمكن أن نرى فيها عقيدة سياسة الخارجية والأمن لترامب.
تكرس الوثيقة مقاطع قصيرة لبؤر مختلفة في السياسة الخارجية، وما يمر كالخيط الثاني فيها جميعها هو النهج القاطع «لتسمية الولد باسمه». هكذا مثلا، روسيا، وبالأساس الصين، توصف كخصم يحاول «المس بقوة، مصالح ونفوذ أمريكا ويحاول سحق أمنها وازدهارها الاقتصادي» ـ وليس كشريك أو منافس في نظام اقتصادي عالمي. وقيل أيضا إن هذا الوضع «يستوجب من الولايات المتحدة إعادة التفكير في سياستها في الماضي.. التي قامت على أساس الفرضية المغلوطة بأن المشاركة مع خصومها، ضمهم إلى أطر دُولية وإشراكهم في التجارة العالمية سيجعلهم لاعبين نازيين وشركاء مصداقين».
ومع أن الوثيقة تبحث في الأساس في مسائل سياسية وأمنية، وعلى رأسها الأمن الداخلي، فإنها تشدد على العلاقة بين أمريكا قوية اقتصاديا وتحقيق شعار «إعادة أمريكا إلى عظمتها».
وبخلاف الادعاءات التي أطلقت في حينه ضد الميول الانهزامية المزعومة لترامب فإن هذا الشعار يشدد عمليا على حقيقة أن أمريكا مزدهرة تعظم أيضا أمنها ومكانتها الدُّولية، وبالعكس ـ القوة الأمنية والسياسية هي شرط للقوة الاقتصادية. وبالتالي فإن السياسة الداخلية والسياسة الخارجية هما وجهان لعملة واحدة.
من بعض النواحي، فإن الوثيقة هي لا تزال بمثابة «عمل متواصل» بحيث أنه في الموضوع السوري مثلا تعاني بوضوح من نقص من حيث الاستراتيجية العملية التي تسعى الإدارة إلى اتخاذها بشكل ملموس لا تختلف كثيرا عن نهج أوباما في هذا الشأن. صحيح أنه قيل إن أمريكا ستعمل على إنهاء الحرب الأهلية «في ظل خلق الظروف لعودة اللاجئين وضمان حياتهم»، ولكن لا يوجد موقف من «الاستيطان الدائم» لروسيا في الدولة او من السيطرة الإيرانية على أجزاء فيها من خلال جهات مختلفة.
وماذا عن إسرائيل؟ صحيح أن الوثيقة لا تخصص مكانا كبيرا جدا لشؤونها، ولكن القول إن سبب المشاكل التي تعصف بالمنطقة ليس إسرائيل بل التهديد المحدق من إيران ومن منظمات الإرهاب الجهادية هو قول إيجابي وثوري، بحيث أنه وضع حدا للادعاء الدارج على ألسن إدارات سابقة بأن النزاع الإسرائيلي ـ الفلسطيني هو السبب الأساس لغياب السلام والاستقرار في الشرق الأوسط.
الجنرال هاربرت ماكماستر، رئيس مجلس الأمن القومي على ما يبدو أنه هو الكاتب الرئيس للعقيدة يسمي سياسة ترامب الخارجية «واقعية براغماتية»، ومع ذلك لا يغيب عنها البعد القيمي التقليدي الذي ميز أمريكا في الماضي، وهجر في عهد اوباما ووصل إلى درك أسفل غير مسبوق في أعقاب عدم الرد على استخدام نظام الأسد للسلاح الكيميائي. وبالمقابل فإن اعتراف الرئيس بالقدس عاصمة لإسرائيل هو دليل مقنع على نهج يدمج القيم مع البراغماتية.

معاريف 22/1/2018

عقيدة ترامب السياسية والأمنية: دمج القيم مع البراغماتية
استراتيجية اقتضت استئناف العقوبات على إيران والاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل
زلمان شوفال

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية