كراتشي- عامر لطيف: ليس الإرهاب ولا الكوارث الطبيعية وحدها التي تؤدي إلى أكبر عدد من الوفيات في باكستان، بل عدم توفر المياه الآمنة الصالحة للشرب.
ووفقًا لمنظمة الأمم المتحدة، تساهم المياه الملوثة والأمراض المنقولة من خلالها، في 40 بالمائة من الوفيات في باكستان كل عام.
وفي الوقت الذي أدى فيه تلوث المياه إلى وفاة نحو 100 ألف شخص في البلاد سنويًا، بحسب تقارير رسمية، أسفرت الهجمات الإرهابية عن مقتل ما لا يزيد عن 500 شخصا بين مدني وعسكري خلال عام 2017.
وكان أعنف هجوم شهدته باكستان العام الماضي، ذلك الذي تبناه تنظيم “الدولة الاسلامية” (داعش)، واستهدف مزارا صوفيًا في ولاية السند (جنوب) في فبراير/ شباط؛ وأسفر عن مقتل 88 شخصا ونحو 250 جريح.
وأدى إلقاء النفايات الصناعية غير المعالجة في المياه، ونظم الصرف الصحي غير الآمنة، علاوة على الفيضانات الزراعية، وأشكال التحضر غير المخطط لها، إلى خفض جودة المياه على مر السنين، وخاصة في المدن الكبرى.
كما تسببت العوامل السابقة في حرمان ما يقرب من ثلثي سكان باكستان المقدر عددهم بما يزيد عن 200 مليون نسمة، من المياه الصالحة للشرب.
وعلى سبيل المثال، يقطع المواطنون في العديد من المناطق النائية أميالًا عديدة للوصول إلى مياه الشرب.
وفي المناطق الصحراوية، التي تعتمد على الأمطار من أجل الحصول على مياه الشرب، بات من المألوف أن يتشارك البشر والحيوانات الشرب من بركة المياه ذاتها.
وفي الإطار ذاته، بدأت المحكمة العليا، الشهر الماضي الاستماع إلى قضية تدهور ظروف مياه الشرب فى إقليم السند الجنوبي، لاسيما في عاصمة الإقليم كراتشي، حيث يضطر المواطنون إلى شراء مياه الشرب بشكل منتظم.
واستدعت المحكمة العليا رئيس وزراء الإقليم، سيد مراد علي شاه، وطلبت منه شرب كوب من مياه الصنبور، كخطوة رمزية لتسليط الضوء على خطورة الوضع.
كما أمرت المحكمة بتشكيل “لجنة المياه”، يكون لرئيسها صلاحيات يتمتع بها قاضي المحكمة العليا، بينها الإشراف على نظام توزيع المياه في الإقليم.
– 100 ألف قتيل سنويًا
ووفقًا لبيانات وزارة الصحة الباكستانية، ومؤسسة الأمم المتحدة للطفولة “يونيسيف”، يلقى 50 ألف طفل – تحت عمر 10 سنوات – مصرعهم سنويًا بسبب الأمراض المنقولة عبر المياه، بينها الكوليرا، والإسهال، والدوسنتاريا، والتهاب الكبد، والتيفوئيد.
وفي حديث مع “الأناضول”، قال أحسن صديقي، خبير مياه مقيم في كراتشي إنّ “المشكلة (المياه الملوثة) تتفاقم من سئ إلى أسوء، حيث يتزايد عدد الوفيات الناجمة عن الأمراض التي تنقلها”.
وأضاف أنّ “نحو 100 ألف شخص، نصفهم من الأطفال، يموتون سنويًا بسبب الأمراض المنقولة عبر المياه في باكستان”
ومعربًا عن أسفه، أشار صديقي، الذي يشغل منصب مساعد في لجنة المياه (مشكلة من قبل المحكمة العليا) إلى غياب “مفهوم التمييز بين مياه الشرب والمياه المستخدمة لغسيل الملابس والسيارات في باكستان”.
وتابع بالقول “من الممكن بسهولة تخفيف وطأة الأمراض التي تنتشر وتنتقل عبر المياه في حال تم توفير مياه شرب آمنة للمواطنين باستبدال خطوط إمداد المياه المهترئة، وإنشاء محطات لمعالجة المياه المجتمعية”.
ولفت في حديثه للأناضول إلى “إنفاق باكستان نصف ميزانيتها المخصصة لقطاع الصحة على علاج الأمراض المنقولة عبر المياه”.
ويشير خبراء باكستانيون إلى ارتفاع مستويات عنصر الزرنيخ الكيميائي في المياه، والذي يسبب أيضا السكري، وغيره من الأمراض السرطانية، والمرتبطة بالجلد، والكلى، والقلب، علاوة على أمراض ارتفاع ضغط الدم، والعيوب الخلقية.
– جهود حكومية
من جهتها، أكدت وزيرة الصحة الفيدرالية في باكستان، سايرا أفضل تارار، أن الحكومة تبذل خطوات فعلية لتحسين وضع (مياه الشرب في باكستان).
وقالت في تصريحات للأناضول إنّ “عددًا من محطات تنقية المياه يتم إنشائها في إقليمي السند وبنجاب لتوفير المياه الصالحة للشرب للمواطنين”.
وأضافت أن الحكومة “تهتم بتحسين ظروف الصرف الصحي، وخاصة في المناطق الريفية، حيث غالبا ما تختلط أنابيب الصرف منزلية الصنع مع خطوط أنابيب المياه”.
وتابعت “تركز جهود الحكومة على المناطق التي تم رصد فيها وجود فيروس شلل الأطفال في عينات المياه”.
وسجلت باكستان عام 2017، 8 حالات لشلل الأطفال، ما جعلها واحدة من بين ثلاث دول فقط يستوطن فيها حالات لهذا المرض.
– مياه معبأة
وفي الشأن ذاته، أفاد المجلس الباكستاني لبحوث الموارد المائية (جهة تابعة لوزارة العلوم والتكنولوجيا)، بوجود أكثر من 100 علامة تجارية من أصل 111، يبيعون مياه شرب غير آمنة للمواطنين عبر محطات مياه لا تتوافق مع المعايير القياسية.
وفي كراتشي التي تضم أكثر من 150 مليون شخص، تقوم المافيا المنظمة بمليء الفراغ الذي خلفته شبكة الحكومة المتدهورة، بتزويد المياه إلى أكثر من 40 بالمائة من المواطنين عبر شاحنات صهاريج وبتكاليف أعلى. (الأناضول)