يوم الاثنين كنت في الطيبة مع رجال الطاقم الأكاديمي والطلاب من مدرسة التأريخ في جامعة تل أبيب، الذين أترأسهم. وكانت الزيارة ضمن عصف أدمغة متواصل تقوم به المدرسة. العالم يتغير، والتحديات تتغير، وكتابة التأريخ لم تعد فقط توثيقا للماضي. فهي موقف وجودي وثقافي: كل شيء حصل ويحصل حولنا، حصل ويحصل في سياق. ومن دون فهم السياقات، فإن التحليل التأريخي يكون هزيلا او مشوها. والسياق الذي نعمل في داخله ليس فقط لجان تحرير في صحف علمية خلف البحر: فهو هنا والآن ـ دولة إسرائيل والمجتمع في إسرائيل.
المجتمع في إسرائيل لا ينتهي عند بوابات كلية العلوم الإنسانية او الحدود البلدية لتل أبيب. وقد بدأنا عصف الأدمغة من خارج منطقة الراحة لنا ـ في نتيفوت وواصلناه في الطيبة. ليست هذه جولة تعليمية. فنحن لا نعنى في البحث في بلدات المحيط الإسرائيلي. ولا يدور الحديث عن عمل ميداني إنثروبولوجي. فنحن لسنا «العارفين» الذين نجلب لجمهورنا الداخلي معالم بعيدة. نحن جزء من جماعة أهلية. الجولة في شوارع المدينة، دوما مع مرشد محلي وبلا تدخل، اللقاء مع رؤساء المدن المضيفة، الاستماع لأقوالهم والحديث معهم ـ كل هذه تستهدف تغيير المنظور، التفكير في السياق، استيعاب وجود شروط حياة أخرى، مواقف وجودية مختلفة، احتياجات وأحلام مختلفة عنا. والنقاش الجاري بعد اللقاءات لا يتضمن تحليل المضيفين. فنحن ضيوف للحظة وليس لنا الأدوات للتحليل استنادا إلى تجربة قصيرة، مهما كانت قوية. نحن ننشغل بمشاكلنا، وليس بمشاكل الآخرين. ولكن السياق يؤثر، يغير الوعي. هذا هو الهدف.
أقوال رئيس بلدية الطيبة، شعاع مصاروة منصور، عنيت بالعقارات وبالتنمية المدينية؛ التعليم والتدين؛ التوتر بين منظومة القوة العشائرية المختبئة تحت الطاولة ومنظومة القوة الإدارية ـ البلدية الموجودة فوقها؛ الإقصاء الداخلي والاغتراب بين الجماعات في داخل المدينة. ولكن فضلا عن هذه المشاكل، التي تشغل بال الكثير من رؤساء البلديات في البلاد، ثار إحساس بانعدام الوسيلة للناس في بلدات المحيط مقارنة بالمركز، الذي ليس غارقا في نفسه فقط، مثلما هي مراكز القوة، بل ومعاد بقدر كبير. مركز لا ينجح في التخلص من رؤية العرب سكان إسرائيل كـ «مشكلة ديمغرافية».
مصاروة منصور لم يقل ذلك صراحة. فالسياسة القومية الإسرائيلية لم تطرح إلا في الهوامش، ولكنها موجودة في ألف وواحد من التجسدات في الطريق الذي تتم فيها مصادرة الأراضي العربية بيد رشيقة، صد مبادرات محلية عربية، تتفتت فيها الوعود الكبرى إلى توافه، وما هو مسلم به بالنسبة لليهود يكون متعذرا حين يصل إلى العرب. وبالاجمال فان الأمور معروفة، ولكن الالتصاق بالملموس، لم هو موجود تحت الشعارات والكلمات الكبرى، أعطى شكلا وصورة ملموسين لكلمات مثل «تمييز»، «اقصاء»، «تفرقة»، «ابقاء مقصود في الخلف».
ومثل عرض الغاية الرسمية لهذه الأمور، جاءت الأحداث في الكنيست في ذات الساعات تماما. فقد وصل نائب الرئيس بنس لزيارة البرلمان وألقى كلمة فيه. وسعى النواب من القائمة المشتركة للاحتجاج: فقد رفعوا لافتات كتب عليها «القدس هي عاصمة فلسطين». تعالوا نتوقف للحظة ونتساءل: النواب سعوا للإعراب عن موقف معارض. مشروع؟ ظاهرا، نعم. من أجل هذا هم نواب. النص الذي من خلاله عبروا عن احتجاجهم لم يتجاوز أي خط أحمر. فهم لم ينادوا بتصفية دولة إسرائيل أو خرق قانون من قوانينها. الموقف في أن تكون القدس أو ينبغي لها أن تكون عاصمة فلسطين هو موقف مواطنين كثيرين، يهود وغير يهود.
حتى هنا معقول. والأن أضيفوا للسجل حقيقة أن محتجين ينتمون إلى القائمة العربية (لِمَ ألم أقل؟). في غضون ثوان انقض رجال النظام المتشددين في الكنيست على المحتجين، مزقوا اللافتات وطردوهم بالقوة من القاعة. . أحد لم يخرج من القاعة، وأجاد بنس في إجمال الموقف إذ قال: «أقف بتواضع وخشوع اليوم امام هذه الديمقراطية الفاعلة». لا شك، حتى إدارة ترامب لديها ما تتعلمه منا في مواضيع كم الأفواه. أما استنتاجاتي كمؤرخ؟ أحيانا لا تكون حاجة حتى لانتظار فتح الأرشيفات. يكفي أن نفتح الأعين.
يديعوت 24/1/2018