إسطنبول- القدس العربي» : منذ انطلاق عملية «غصن الزيتون» التي ينفذها الجيش التركي إلى جانب مسلحي «الجيش السوري الحر» ضد وحدات حماية الشعب الكردية في مدينة عفرين السورية، يؤكد كبار القادة الأتراك على ان العملية تأتي في إطار القانون الدولي و»حقها الطبيعي في الدفاع عن النفس».
وبينما تؤكد تركيا أن العملية تجري في إطار الحقوق التي تمنحها الأمم المتحدة في ميثاقها للدول الأعضاء، وأنها تأتي في إطار «الحق الطبيعي بالدفاع عن النفس»، يشير خبراء قانون وباحثون اتراك إلى ان اتفاقية أضنة (1998) بين تركيا وسوريا هي أبرز الأرضيات القانونية التي تستند عليها العمليات العسكرية التركية في شمالي سوريا.
ميثاق الأمم المتحدة
وتضمن بيان إطلاق العملية والبيانات المتلاحقة لرئاسة أركان الجيش تأكيدات بأن العملية «تجري في إطار حقوق تركيا النابعة من القانون الدولي وقرارات مجلس الأمن حول مكافحة الإرهاب، وحق الدفاع عن النفس المشار إليه في المادة 51 من اتفاقية الأمم المتحدة، مع احترام وحدة الأراضي السورية».
ويرد في المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة استثناء لحظر استعمال القوة المنصوص عليه في المادة 2 (4) من الميثاق. فالحق الفردي والجماعي في الدفاع عن النفس يمكن أن يمارس إذا «اعتدت قوة مسلحة» على أحد أعضاء الأمم المتحدة. وعلى الدول أن تبلّغ المجلس فورًا بالتدابير المتخذة وأن تتوقف عن اتخاذها حالما يتخذ هذا الأخير الإجراءات الضرورية لحفظ السلم والأمن الدوليين. ويغطّي المرجع أي استظهار بحق الدفاع عن النفس في قرارات المجلس وفي مداولاته وفي الوثائق الرسمية الواردة من الدول الأعضاء.
وفي محاولة لسد الثغرات القانونية في العملية التركية، عملت أنقرة على تقديم رسالة خطية إلى القنصلية السورية في إسطنبول تبلغها فيها ببدء العملية وأهدافها، كما أبلغت خطياً الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش وكازاخستان التي تتولى الرئاسة الدورية لمجلس الأمن الدولي بأهداف العملية وسندها القانوني.
ملاحق «أضنة» السرية
وعلى الرغم من أن تركيا تركز في بياناتها الإعلامية على استنادها على قرارات الأمم المتحدة وميثاقها إلا أنها ترتكز بدرجة أكبر على اتفاقية أضنة التي وقعت بين أنقرة ودمشق عام 1998 واحتوت على بنود تعتبر تركيا أنها تتيح لها التدخل العسكري في شمالي سوريا، بموجب الاتفاقية.
وبعيداً عن السرد التاريخي الطويل في العلاقة بين البلدين، إلا أن أبرز الخلافات بين تركيا وتمثلت بالدرجة الأولى في لواء الإسكندرون (هاتاي حالياً) الذي ضمته تركيا من سوريا، وخلافات أخرى تركزت حول دعم المتمردين الأكراد وملف المياه والمواقف السياسية.
أبرز الخلافات تصاعدت في العقود الأخيرة حول ملف الأكراد واتهام تركيا لدمشق بدعم تنظيم العمال الكردستاني والسماح له بإقامة معسكرات عسكرية على أراضيها وتوفير الحماية عبد الله أوجلان زعيم التنظيم، وهو ما أدخل علاقات البلدين في نفق خطير وكادت الخلافات أن تؤدي إلى اشتباك عسكرية مباشر.
هذه الأزمة وصلت ذروتها عام 1996 عندما حشدت تركيا قواتها وهددت بالتدخل عسكرياً في شمالي سوريا ما لم تتراجع دمشق عن دعم المتمردين الأكراد وعقب وساطات عربية ودولية واسعة تم التوصل إلى اتفاق أضنة عام 1998 بين أنقرة ودمشق برعاية العديد من الدول وهو ما فتح الباب امام صفحة جديدة من العلاقات بين البلدين التي تطورت لاحقاً إلى مستوى التعاون الاستراتيجي الذي سرعان ما انهار مع بداية الثورة السورية.
الاتفاق غير المعلن بشكل كبير يتضمن بنوداً توصف بالعلنية وملاحق تعتبر سرية، شملت العديد من الملفات أبرزها الاتفاق على «مكافحة الإرهاب عبر الحدود وإنهاء سوريا كل أشكال الدعم لتنظيم العمال الكردستاني وإخراج أوجلان من الأراضي السورية ومنع المسلحين الأكراد من التسلل للأراضي التركية».
لكن البند الأبرز تحدث عن «احتفاظ تركيا في ممارسة حقها الطبيعي في الدفاع عن النفس وفي المطالبة بتعويض عادل عن خسائرها في الأرواح والممتلكات، إذا لم توقف سوريا دعمها للحزب الكردستاني فوراً»، وإعطاء تركيا «حق ملاحقة الإرهابيين في الداخل السوري حتى عمق خمسة كيلومترات»، و»اتخاذ التدابير الأمنية اللازمة إذا تعرض أمنها القومي للخطر».
وبناءً على هذه البنود، رأت تركيا أن الاتفاقية تتيح لها الحق في ملاحقة المسلحين على الجانب السوري من الحدود واعتبار تواجدهم تهديداً لأمنها القومي ما يتيح لها الدخول لمحاربتهم برياً في شمالي سوريا، حيث اعتبرت الاتفاقية تتيح الغطاء القانوني لعملية درع الفرات التي نفذها الجيش التركي في شمالي سوريا واستندت عليها المعارضة السورية لمطالبة أنقرة بالضغط على المجتمع الدولي لإقامة منطقة آمنة لحماية المدنيين من قصف طائرات الأسد في السنوات الماضية.