الرباط ـ «القدس العربي» من محمد البندوري: استطاع الفنان السعودي سلطان عدنان منديلي أن يثبت ما يحمله من تقنيات جديدة في عالم الفوتوغراف، للتدليل على تصوراته وفلسفته في التعبير بالتصوير الضوئي، إذ يبدي قدرته الفائقه في توظيف الصورة على عدة مناح، منها التكوين والأداء التصويري والتقنيات، والتعبير بما تحمله كل هذه المعالم من مفاهيم وأفكار ورؤى تتجسد في التقنيات التي يستعملها لبعث القيم الفنية والجمالية في الصورة. فهو الذي يجسد كل مقومات الصورة المتكاملة والمتناسقة في مختلف المضامين، التي تنفذ الى الأعماق، والتي تتضمن القيم الفنية والإنسانية.
موظفا من خلال الإشارات التي تحتويها أعماله: الأيقونات والتماثيل والمؤشرات التي ترصد العلائق المختلفة بين الدوال والمدلولات، تحضُر في أعماله الإبداعية التي يؤسسها على البعد التقني والجمالي، عن طريق إخضاع المادة للتصورات الجمالية، مؤوّلا الفضاءات والمشاهد والشخوصات، برؤيته الفنية، إلى منتوج بلاغي جديد، حيث ينطلق من موقع معيّن ومركَّز لأخذ الواضح، وغير المرئي، والمعتاد، لكن بطريقة فنية، تجعله يعيد تأسيس المشهد، ويعطيه أبعادا ودلالات أخرى، تسمح له بالانفصال عن المشهد الواقعي، والارتماء في المشهد الجمالي الفني، ليمنح للقراء فرصة قراءة العمل، أو بتعبير دقيق قراءة اللوحة الفنية، في أبعادها الجمالية والفنية، ومضامينها الفلسفية، وللتدليل على ذلك، شواهد القبور ومشاهد الطبيعة التي يلتقطها وفق خاصيات معينة.. فهو يتميز بجودة الالتقاط، والتصوير الدقيق، وصياغة محتوى الصورة في حلة فوتوغرافية فنية تحتوي جهازا مفاهيميا وتعبيريا، وهذا طبعا يتأتى بتوظيف حدس المنديلي وموهبته في الإبداع والابتكار وبعث الجديد، لأن ذاكرته تشتغل في مختبر المواد المختلفة، بتفاصيلها وحيثياتها التي ترسخت في تصوراته مسبقا، غير مرئية، ينسُج منها موقفا أو قضية، ليضع المتلقي أو الناقد أمام عوالم استطاعت عدسته أن تلتقطها، ليُشكّل منها موضوعا أساسيا ورمزيا، إلى أن تكتمل الرؤية التي تقود عمله الفني الى التعبير الدقيق عن قيم وفضائل وإنسانية بعمق تعبيري وثقافي واضح المعالم. والظاهر في هذه التجربة، هي تلك الرؤية النقدية التي تحملها أعماله في بعدها الجمالي والفني والدلالي المستمد من الواقع، وفي اختراقها له بالإحالة عليه، وبصنع مسافة تغشي المضامين، لكن وحدها الرؤية البصرية النقدية تستطيع تخبير محتويات أعماله، والكشف عن فنية المنديلي الفوتوغرافية وابتكاراته التي غالبا ما تقوده إلى أشياء العالم الخفية. فغالبا ما يضع مقطعا لمشهد ما، كشواهد القبور مثلا، دالا لهذا المعنى، باعتباره تلك المادة المستقبلية التي تعود إليها كل المشاهد. فيجعل الرائي يغوص في رحلة فلسفية بين الواقع والصورة، لتشغيل حواسه، وللوقوف عند الرؤية الفنية المختبئة وراء الأعمال، والوشائج التي تجمع بين عناصرها. فهو يتبدى بذلك مهووسا بفضاءات وشخوصات تخييلية وواقعية يتأملها، ويحاول العبور إليها… بأسلوب ممنهج، يفسح المجال لتوظيف المهارات الفنية والتقنية الفريدة، مما يخدم الأهداف ذات الدلالات والمغازي العميقة. لتختلف الصورة كليا عن الصورة المعتادة لما تحتويه من ماورائيات وإشارات وعلامات وايحاءات لها تأثيراتها الخاصة ومعاييرها الجمالية النوعية.