إن الإبداع الشعري بصوره التَّعَاقُدِية ليس تَرِكَة لمبدعه، بل هو من مُمْتلكات التاريخ الشعري بنصوصه وأعلامه، فالشاعر ليس مبدعا بالمعنى الصناعي لأن الإبداع، بما هو إنشاء شعري على غير مثال شعري سابق، لا يتحقق إلا بالقوة، في حين أن وجوده بالفعل يبقى مرجأ إلى سجلات المستقبل، وبهذا لا تكون الإبداعية خصيصة الشعر، لأن منتجه يُوَّلد منتوجه الشعري بآليتين، تتجلى إحداهما في الامتصاص بما هو استبطان النص ـ الحاضر للنص ـ الغائب باعتباره المستودع الذي يحتضن الأفكار والأساليب التي تخترق أجواء المجالين الزماني والمكاني، وتتمثل الأخرى في التحويل بما هو تنضيد لهذا الإرث الشعري، وترصيص لجواهره في ديباجة جديدة، وبهذا تكون التوليدية خصيصة الشعر، فالإبداع في المجال الأدبي عامة، والمجال الشعري خاصة، لا يعدو أن يكون وَهْما لأن الفعل الشعري فعل توليدي يتداخل في إنجازه فاعلان؛ أحدهما متوارِ، وهو الذاكرة القرائية عامة، والإرث الشعري بمعانيه وأساليبه خاصة، والآخر بارز وهو المبدع الذي يُؤلِّف بين ألوان هذا الإرث لتَتَمَشْهد في صورة جديدة، ويُنشط ذاكرته القرائية التي تتداعى تراكماتها الكمية والكيفية في مسطوره الشعري لتتمظهر في مولود إبداعي متعدد الأنساب والجذور الشعرية.
تنشغل هذه السطور بديوان «شذرات على ضوء الأمل» للمغربية فاتحة الجعفري، ولا تتغيا هذه المقاربة استكناه البنى الصغرى لهذه المدونة الشعرية في إطار المقاربة البنيوية، بل تصبو هذه المقاربة إلى استكناه الموضوعات التي طرقها هذا المنجز الشعري واستظهار الثيمات التي اقتحمها هذا المتن الشعري في إطار المقاربة الموضوعاتية، كما ترمي هذه المقاربة إلى تبئير ما تمحوه الشاعرة، رمزيا، من أحكام وصور تُحَوْقِلُ المرأة في دائرة اللاَّإنساني وما تبنيه بالحلم والكشف من واقع مشرق.
ـ غواية الشعر
هذا الديوان هو أول الفتوحات الشعرية، وأول توقيع في السجل الإبداعي. هذا الديوان مبتدأ شعري خَبَرُه مستقبل إبداعيٌّ يانع. فالشاعرة تدخل هذه المغامرة الشعرية من باب استكشاف عوالم هذا الفن وتجريب طقوسه في الاحتفال بالمعنى، غير أن هذا الفضول ما يلبت أن ينقلب إلى عشق ووله يسكن الشاعرة، بل إلى غواية تستهوي الشاعرة بدون أن تضجر من عواقب هذه المغامرة:
وأنا أجمع الكلمات
أحاول إقناع شُعوري
أنني أكتب قصيدة
أسمع صدى صوتي
أصدقه
وأتيه وحدي في أنغامه
إن الكتابة الشعرية تستحيل، في لاوعي الشاعرة، حلما وفجرا، ومن أجل هذا الحلم الإبداعي تشاغب الكلمة وتعتقل الصورة وتعصر اللغة، أليس الشعر من آثار كَيِّ اللغة؟ ومن أجل هذا الفجر الشعري تُسَوِّد ثم تُشَطِّبْ فتحرق، تنظم ثم تزمجر في وجه تركيب أبى أن يستوي، تكتب ثم تضرب الأخماس بالأسداس على وحي شعري انقطع فجأة، أليس نزع ضرس أهون من إبداع قصيدة؟ لكن الشاعرة ستبقى تنشد هذا الحلم:
ليتني مثل الشعراء
في مديحهم
في نشيجهم.
ـ المرأة وعَوْلَمَةُ النخاسة
تنفتح هذه المدونة الشعرية على واقع المرأة في مجتمعات ما بعد الكولونيالية، وتنتهج في ذلك سبيلين، يتجلى أحدهما في تسجيل ما يشيع من تصورات قروسطية حول المرأة في مجتمعات المركزية الذكورية، وتوثيق ما تتجشمه المرأة من عذابات تنوس بين الاسترقاق والوأد، هكذا يستحيل هذا المتن الشعري وثيقة إدانة للمجتمع الذكوري الذي ينظر إلى المرأة بما هي كائن يعاني الخواء العقلي ويستشكله الامتلاء الجسدي، وهذه النظرة تنوجد، بالقوة وبالفعل، في اللاوعي الجمعي الذي استبطن عبر المقروء من متون صفراء والمسموع من أحاديث تحت منطقية هذه الصورة التي تُحَوْقِل المرأة في دائرة اللاإنساني، كما تستحيل هذه المدونة بيانا استنكاريا ينزاح عن المعهود من البيانات والمألوف من الخطابات لأنه ينكتب بعيدا عن المسكوك من العبارات، قريبا من البوح بما هو حكي شعري عن الوأد على ألواح الإعلانات وعن عولمة النخاسة، ولأنه يحوش من وجع لم تفطمه إبدالات الواقع ولم تجبره متغيرات العصر:
فلترافقيني أيتها الكلمة
إلى البيوت الفخمة
إلى أسواق النخاسة
حيث يرتع الأسياد
لتريني خادمة صامتة
قد طال سكوني
ويتمثل السبيل الثاني في استشراف ممكن ينضح بالإنصاف والمساواة ويزادن بالحرية والكرامة، ممكن ينقلب إلى حلم جميل تلاحقه المرأة في تعاريج الحياة وتنشغل بإنزاله من سماء الحلم إلى أرض الواقع:
لكنني الآن
أرفض أسبرين أوجاعي
أرفض مسكنات آلامي
فقد جاءت الصرخة
جاءت الولادة
وفيك أيها اليوم الجديد
أختم صك حريتي
وأعلن فيك بداية نهايتي
وتدرك الشاعرة أن ذلك لن ينكتب بالفعل ما لم يُكَنَّس من العقل الجمعي ما ترسب في زواياه المعتمة من صور وأحكام دونية عن المرأة، وما لم يُستنبت في الوجدان الجمعي وعي يستعظم الاختلاف ويستحسن التنوع، هكذا يستحيل هذا المتن الشعري دعوة للإنصاف والمصالحة، وإعلان توبة عن تلك الممارسات التي تنظر إلى المرأة بما هي فخ نصبته الطبيعة للرجل، ومحو رمزي لواقع مأساوي وبناء حلمي لواقع مشرق. والحاصل أن هذا المتن الشعري تنفيس عن الذات وتخفيف عن المرأة وتطهير من العذابات التي تنضغط في اللاوعي النسائي، متن يؤرخ للانبثاق من القوقعة والخروج من الكهف ولثورة على الحماية الذكورية والقوى الرِّجالية.
ـ قرابة دموية أم قرابة عِشْقيَّة
إن المعهود في مسالك العاشقين وطرق العشق أن المرأة ينبوع للوحي الشعري وللإلهام الشعوري، وهذا الواقع الذي لا يجهر به، في العادة، العقل الشعري يطبع، عن غير وعي، الذاكرة الجماعية، ففي أدبيات الغزل العربي يُنْسَب الشاعر، في العادة، إلى معشوقته مثل (قيس ليلى ـ جميل بثينة)، وهذه النِّسْبَة ما هي إلا محو وبناء؛ محو القرابة الدموية بما هي عرفان بفضل العيش (قيس بن الملوح ـ جميل بن معمر) وبناء القرابة العشقية بما هي عرفان بفضل الحياة، وليس يخفى على القارئ ما يفرق العيش عن الحياة، فالعيش فعل إكراه وفعل نتقاسمه مع كل من يدب على هذه الأرض، في حين أن فعل الحياة فعل اختيار وفعل لا ينكتب إلا حين نصبغ على فعل العيش معنى، هكذا تستحيل المرأة معراج الشاعر إلى الحياة وشرفته إلى معنى الوجود.
إن هذا التقلـــــيد الذي ينظــر إلى المرأة بما هي سر من أسرار الصناعة الشعرية إلهاما وإبداعا قد خرقته الشاعرة، فقد صار الرجل في هذه المدونة الشعرية ينبوعا للإلهام الشعري ومشربا للوحي الإبداعي:
أنا هويتك وكفى
فقل ما شئت عني
حسبك أن تعرف
أن البوح والهمس منك يكفيني
أعترف أن رعشاتك بحضني
في ليالي الشتاء
بلسم ودواء لجراحي
إن الشاعرة تمحو، رمزيا، القرابة الدموية (فتيحة الجعفري) وتبني القرابة العشقية (فاتحة…)، غير أنها لم تفصح عن اسم هذا العاشق الذي أسرى بها من الوجود بالإكراه وفعل العيش إلى الوجود بالاختيار وفعل الحياة، ولعل ذلك يعود إلى عادات المجتمع التي تحوقل الحب ومشتقاته في دائرة المحظورات، وهذه المحاولة في بناء القرابة العشقية، بما هي تجاوز شعري للدم السلالي، قد تكون فاتحة لتاريخ شعري جديد تنكتب فيه أسماء شعرية مثل (مجنونة يوسف ـ أسماء حسن) على غرار (مجنون ليلى ـ وجميل بثينة).
أخيرا
إن ديوان «شذرات على ضوء الأمل» ديوان تسجيلي بتصوير هذا النص الشعري، بالعبارة الحمَّالة للأوجه الدلالية، التفاصيل الدقيقة من الحياة المغربية في أبعادها الاجتماعية والعاطفية باعتبارها عَلَما على الحيوات العربية في مجالات أخرى. يتفاعل هذا المنتوج الشعري نصيا مع أعمال شعرية أخرى باختزانه لعالم الهامش والأنثى بوصفه بؤرة للاسترقاق والقمع والاضطهاد في صراعه التاريخي مع القطر وعالم الذكر بوصفه بؤرة للسلطة والتسلط. ولم يضطلع هذا النص الشعري بوظيفة التسجيل بما هو نقل أمين للواقع الاجتماعي في تمَوُّجاته فحسب، بل اضطلع، كذلك، بوظيفة النقد بما هو احتجاج رمزي على هذا الواقع الذي يستعيد النخاسة القديمة. والحاصل أن هذا الديوان يمحو رمزيا كل الصور النمطية التي تُحوقل المرأة في دائرة اللاإنساني ويبني بالحلم والكشف والرؤية عالما يؤمن بأن ما لا يؤنث لا يعول عليه.
٭ كاتب من المغرب
محمد السَّاهل