الخطاب الرئاسي يكشف أزمة القيم في أمريكا

حجم الخط
1

يمثل الخطاب في البلاغة القديمة أداة من أدوات التأثير على الجماهير، إذ كان ينبغي للخطيب أن يمتلك ناصية مع الحرص على إعادة موضعة أدوات التأثير مع تقدم الزمن، غير أن العصر الحديث ما انفك يشهد تحولاً في تكوين الوعي الجماهيري، من خلال اللجوء إلى وسائل التواصل الاجتماعي التي شكلت قاعدة جديدة، يخاطب فيها بعض المسؤولين الجماهير مباشرة، بمعزل عن وسائط التواصل التقليدي، علاوة على توفر منصات تتيح الخطاب ضمن مدى واسع، يعاد إنتاج، وتوزيعه.
ولعل المطلع على تغريدات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، خاصة، وخطابه عامة، سيلحظ بأن مكوناته الخطابية تستند إلى آلية إنتاج قائمة على مسلكين، أو سياستين: الأولى خارجية، تتصل بمحور الاختيار لمستوى المفردات التي يلجأ إليها الرئيس في خطابه الموجه للداخل الأمريكي أولاً، والعالم الخارجي ثانياً، وهي مفردات تبدو وليدة بيئة لا تتصل بأي صيغة دبلوماسية، فهي تتكئ على مفردات تجنح إلى تدن واضح في كيفية التعبير عن الأفكار، من منطلق أن اللغة المستعملة تنطوي على الكثير من الاحتقار للآخر، ومع أن الموجهات الأيديولوجية ينبغي أن تكون واضحة في الخطاب، حيث يمكن التعبير عنها عبر تعديل المستوى اللغوي، كي يكون أكثر ملاءمة، غير أن خطاب الرئاسة ممثلاً بتغريدات الرئيس ترامب، التي بدأت تشغل العالم، تبدو أقرب إلى تشكيل نسقي يهدف إلى تحقيق الصدمة، فلغته لغة كراهية، واستعلاء عنصري، فضلاً عن كونها لا تعكس وعياً بتداعياتها، ولكن الأهم من ذلك أنها لغة تنطوي على الكثير من التهديد، وهذا يتأتى من منطلق الإحساس بأن منتج هذه اللغة تتمثل قوته، وبأنه قادر على توجيه الشتائم لمن يريد، وتهديد الآخرين، بل واحتقارهم، فلا جرم ـ إذن- أن تظهر الكثير من التحليلات التي تحاول أن تعكس جانباً من جوانب هذا الخطاب المضطرب، والشخصية الكامنة خلفه، ما حفّز عددا من المؤلفين لنقد هذا السلوك، كما في الكتاب الصادر حديثا بعنوان «النار والغضب في البيت الأبيض».
لا ريب في أن القيمة المنوطة بتحليل مفردات ترامب، الهدف منها يتجاوز توصيف توجه بلاغي، كون هذا الأمر يمكن أن نتوسله بأبسط طرق الملاحظة، ومستويات التحليل البلاغي، ولكن الأهم من ذلك ما ينطوي عليه الخطاب من تداعيات، ومضمرات لاشعورية، فضلاً عن توليده أزمات كامنة في الوعي الجديد، الذي بدأت الولايات المتحدة تنتهجه، بوصف هذا السلوك مناقضاً لفلسفة، أو مبادئ دولة، نهضت أسسها على منظومة قيمية عميقة، أنتجتها المؤسسة الأمريكية لا الأفراد، وهو ما يحيلنا إلى المستوى الثاني من التحليل، حيث بدأت أمريكا تتحلل من بعض الاتفاقيات الدولية على مستوى الممارسة.
لا شك في أن المنظومة الأمريكية التي كانت تشكل قاعدة للسياسة الخارجية الأمريكية التي يحكم سلوكياتها من مسوغات تحقيق قيم، ومبادئ معينة، منها حفظ الأمن والسلم الدوليين، بالإضافة إلى المحافظة على حقوق الإنسان، كما البيئة، بالإضافة إلى تحقيق التنمية، ودعم الثقافة، والفنون، وغير ذلك، التي تقوم فلسفياً على إعلان الاستقلال التاريخي، الذي كتبه توماس جيفرسون، ويعد من أبرز ثوابت السياسة الأمريكية، بالإضافة إلى كونه المرجعية الرئيسة، أو الحافظة للقيم التي نهضت عليها الولايات المتحدة، ولعل أهمها الجملة الثانية التي تتصل بحقوق الإنسان وكرامته، فضلاً عن حق الثورة، ونبذ القيم الاستعمارية، ومنها على سبيل المثال «أن جميع البشر خلقوا متساويين»، فهذه الجملة وضعت كي تعيد تقديم الحرية في مواجهة الإمبراطوريات الاستعمارية التقليدية، من منطلق أن الولايات المتحدة كانت تمثل أكبر المستعمرات البريطانية.
ربما يرى البعض أن أمريكا لم تكن في يوم من الأيام دولة قيمية بامتياز، لكونها غير محايدة في بعض سياساتها، وتحديداً تجاه القضية الفلسطينية، ولكنها مع ذلك، كانت أقرب إلى الامتثال للحد الأدنى من القيم التي نشأت عليها، وتأسست للدفاع عنها، وهذا ربما يجعل من الولايات المتحدة تشكيلاً جدلياً، فنحن لا يمكن أن نراه بوصفها شيئا متجانساً، ومطلقاً، فهي رائدة العلوم والثقافة والفنون والآداب، وهي أيضاً رائدة الاحتلال والغزو والانحياز اللاأخلاقي لدولة الكيان الصهيوني، بيد أن الأمر على عهد ترامب، قد اتخذ وضعية جديدة، ما يستدعي رؤية هذا الجانب ثقافياً، وهذا يلخص بتوصيف الأزمة القيمية التي بدأت تعاني منها الولايات المتحدة على يد ترامب، ولو على المستوى اللغوي وانعكاساته، وما لم تسارع المؤسسة الأمريكية بالتدخل، فإن أمريكا بوصفها دولة حضارية ستكون معرضة للانهيار، كون منظومتها القيمية قد أصابها العطب الذي سوف ينتقل من المستوى اللغوي إلى الممارسة الثقافية، والأهم إلى البعد السياسي.
لا شك في أن لغة ترامب، أو قراراته لا تعكس أمريكا المتعددة المستويات، ولكن والواقع، يقول غير ذلك، فخطاب الرئيس يعدّ الموجه للسياسة، والوجه الذي نعاين فيه صوت أمريكا، والأهم من ذلك فهو المنتج المباشر للخطاب الذي يتوجه فيه إلى العالم، والذي لا يبدو معنياً بترجمة المعنى القيمي والمطلق، ولا على ما يبدو ثمة تشكيل أيديولوجي عميق خلف الصادر من عقل منشئه، وهنا أستحضر على سبيل المثال مقولة فرانسيس بيكون، حين ميّز بين خطابات الإنسان، وتأثيرها على أخطاء العقل، فهناك اللغة التي تأتي من لدن العالم، وهناك لغة الفيلسوف، ومن ثم تلك التي تأتي من لدن التاجر، وهي لغة السوق والعامة، التي يتمخض عنها سوء فهم كبير في التكوين والإحالة، فالخطاب الأمريكي الرئاسي في تغريداته يعدّ تجسيداً لظاهرة التنمر اللغوي على بعض الدول التي على خلاف معها، أو حتى مع أصدقائها، ولكن مبدأ تعامله مع الآخر لا ينطلق من الخلاف الأيديولوجي، أو لكون بعض هذه الدول لا تتوافق مع المبادئ والقيم التي نهضت عليهما الولايات المتحدة، وتدعو إليهما، ومنها الحرية، واحترام حقوق الإنسان، إنما يتم النظر لها أو لبعضها بوصفها دولاً تشكل تهديداً للغطرسة اللغوية الترامبية، التي من منتجاتها الجديدة أنها حيّدت خطاب الدولة «الولايات المتحدة»، في حين تقدم الرجل، وبذلك نزعت القيم، وتفككت المؤسسة، فلا جرم أن تأتي تغريداته تجاه تلك الدول، وزعمائها أقرب إلى تحد ذاتي، لا ينطلق من خطة دبلوماسية، أو تخطيط استراتيجي.
لا شك في أنه ثمة عوار واضح في التشخيص الجديد للولايات المتحدة، من خلال وجهها الترامبي الجديد، حيث بدأت تقترب في خطابها من خطابات الدول النامية التي تختزل في الذات الحاكمة، أو الدول التي تبدو فيها نبرة الذات الحاكمة أعلى من نبرة الدولة المؤسسة، ولعل هذا مؤذن بالانهيار والخراب، فحين تتحول الدولة أو تختزل إلى ذات، يكاد لا يعبر عنها سوى هرمها «الذات الفردية»، فهذا يعني أن ثمة خللاً قيميا، وأن المبادئ، وقيم الحرية والديمقراطية، باتت في أزمة.
لا شك في أن عظمة أمريكا – شئنا أم أبينا- تكمن في أنها نتجت بفعل قيم ومبادئ عليا، سواء اتفقنا أم اختلفنا بِشأنها، فنحن لا نستطيع أن نتناسى أن الأنساق التي وسمت الوجود الأمريكي « ثقافياً» بعد الحرب العالمية الثانية، كان تنهض على أن أمريكا تسعى للعب دور أخلاقي في العالم، مع كل ما يمكن أن يشوب ذلك من خلاف أو رفض لهذا التوصيف، لقد تبنت هذا الوجه الحضاري، وبوجه خاص عند التحدث، أو التوجه إلى العالم، سواء على مستوى متلفظ المؤسسة، أو على مستوى متلفظ الرئيس، ففي أسوأ مراحل الغزو الأمريكي للعراق، كانت هنالك هندسة للخطاب الموجه من قبل المؤسسة، بالإضافة إلى الرئيس جورج بوش الابن بهدف تبرير الغزو الأمريكي للعراق، من منطلق أن هذا الغزو سوف يحمل معه الديمقراطية، فضلاً عن سعيه للتخلص من أسلحة الدمار، التي اتهم العراق بامتلاكها، فضلا عن التهديد الإرهابي، لقد نزعت الشخصنة، وقدم خطاب القيم، ومصلحة البشرية على أي خطاب سواه، فخوض الحروب في العقلية الأمريكية القيمية يمثل نهجاً مرفوضاً إلا إذا كان يهدد الوجود، أو كان يتنافى مع المصلحة الكونية، ومفهوم الأمن والسلم الدوليين، وهذا يفسر على سبيل المثال في التدخل الأمريكي الذي أقره كلينتون في حرب يوغسلافيا مع نهاية الألفية الثانية، ولكن الإشكالية تنتج حين يحمل الخطاب الأمريكي الجديد نزعات الكراهية والاستعلاء والطبقية، وتنميط الشعوب والأمم، ما يقودنا إلى نتيجة قوامها أن أسس الإمبراطورية الأمريكية بدأت تتآكل قيمياً وحضارياً، ما لم تسارع المؤسسة لتدارك الأمر وتعديل نمط الخطاب.

كاتب فلسطيني – أردني

الخطاب الرئاسي يكشف أزمة القيم في أمريكا

رامي أبو شهاب

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية