«ما الذي تقترحونه إذا؟»، هذا السؤال كان على مدى سنوات كثيرة هو السؤال الذي بدد ادعاءات الوطنيين والمسيحانيين الذين يرفضون الاتفاق الدائم، والذين عملوا على إقناع الجمهور بوجود مرضى بفكرة الدولتين لشعبين. وبرغم مرور أكثر من عقدين على التوصل إلى اتفاق أوسلو، فإن صلاحية هذا السؤال لم تنته. إضافة إلى ذلك، في السنوات الأخيرة زعماء هذا المعسكر نجحوا في ذر الرماد في أعين عدد من الجمهور عن طريق إطلاق «أفكار» و«خطط» للحل، حتى لو كانت مدحوضة من أساسها وتنقصها أية إمكانية عملية أو سياسية للتحقق.
خلافًا لمن ينفون ويتجاهلون تاريخ النزاع والروايات المتناقضة للطرفين، والذين يريدون فيدرالية وكونفيدرالية ووطنا واحدا لدولتين أو دولة كل مواطنيها، فإن هذا المعسكر يحرص على عرض وعيه بعدم إمكانية ضم الضفة الغربية جميعها لإسرائيل. وهو يسكب في أفكاره «حلولا» للتوتر القائم بين رغبة الضم للأرض والتهديد الموجود في اكتساب الجنسية، «العروس الفلسطينية»، على هُوية إسرائيل اليهودية.
لقد انضمت إدارة الرئيس ترامب التي تبنّت، وهي تروج لخطة رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو، إلى قائمة مخترعي هذه الخطط ـ استمرار الوضع الراهن لبني بيغن، خطة «كانتونات» لمردخاي كيدار، خطة «الحسم» للاتحاد الوطني، خطة «التهدئة» للبيت اليهودي وقرار مؤتمر الليكود ضم «مناطق الاستيطان المحررة» ـ وإذا كانت هذه تتباهى بعنوان «دولتين لشعبين» فهي تستخف بالفلسطينيين، ومثل الخطط الأخرى القائمة على الجهل والانقطاع عن الواقع والبلطجة وتجاهل القانون الدُّولي وأغلبية المجتمع الدُّولي وإعادة كتابة مشوهة للتأريخ.
بني بيغن لا يريد ثورات. في تشرين الأول الماضي كتب «يجب عدم التمكين من إقامة سيادة أجنبية في غرب نَهَر الأردن… وطالما أن الأمر يتعلق بنا وفي حدود الأخطار الأمنية فيجب تمكين السكان العرب في يهودا والسامرة من العيش برفاهية، بما في ذلك العمل في إسرائيل. وفي المستقبل تمكينهم من التطور الاجتماعي والاقتصادي في سياق إدارة ذاتية لشؤونهم». ولخص أقواله بأنه «لا يوجد في هذه الأقوال أي جديد، ولا يمكن التجديد»، أي أنه طالما أن الفلسطينيين يناضلون على حقهم بدولة كما تم الاعتراف بها من المجتمع الدُّولي فإن إسرائيل ستمنعهم من الرفاه والتطور الاجتماعي والاقتصادي من خلال مواصلة السيطرة والاحتلال.
مردخاي كيدار الذي يستخدم «بوقًا» للمعسكر في العالم العربي، قال في مقابلة أجريت معه في تموز 2016 «أنا غير متعمق في جذور الهندسة، أنا فقط أقوم برسم النموذج العام»، وهو الأمر الذي لم يمنعه من وضع خطة غير منطقية لضم أريحا ورام الله ونابلس والخليل وطولكرم وقلقيلية وغزة، «التي كل واحدة منها هي على شكل مدينة ـ دولة». مثلا «لنابلس والقرى المحيطة بها جواز سفر خاص بها وحكومة خاصة بها وهيكل للحكم والاقتصاد». هل يحتمل أن كيدار لا يدرك أن هذا النموذج كان يناسب العصور القديمة والعصور الوسطى؟ والذي لا يمكن أن يوجد في القرن الواحد والعشرين؟ وإذا افترضنا أن كيدار يتجاهل بشكل متعمد شرق القدس مع الـ 350 ألفا من سكانها الفلسطينيين الذين سيحصلون تلقائيا على الجنسية الإسرائيلية، فنحن لا نستطيع عدم التساؤل هل هو لم يسمع عن تجمع المدن المتصلة، بيت لحم وبيت جالا وبيت ساحور، مع الـ 200 ألف من سكانها، ولذلك لم يقم بضمها. هل جنين ومحيطها أيضا التي يعيش فيها ربع مليون فلسطيني من دون مستوطنات يهودية، لم يلاحظها كيدار؟
كيدار يستمر ويؤكد: «الفضاء القروي الذي ستفرض عليه إسرائيل سيادتها سيضم تقريبا 10 في المئة من السكان العرب، وستعطى لهم إمكانية الحصول على المواطنة الإسرائيلية الكاملة.
هل كيدار لم يلاحظ حقيقة أن الفضاء القروي المحيط بـ «الكانتونات» المقترحة يضم نحو 70 في المئة من السكان الفلسطينيين؟ كيدار لم ينس حتى تحديد أن «المعابر بين إسرائيل وكل دولة من هذه الدول ستكون معابر حدودية وسيتم السماح بالحركة في هذا الفضاء من خلال تأشيرات».
هل من الواضح له أنه من اجل تطبيق ذلك يجب بناء عائق أمني حول كل كانتون من هذه الكانتونات؟ البناء والإشراف على مئات بوابات الخروج إلى العمل في فلاحة الأراضي؟ الرقابة والإشراف على الحركة بين «الكانتونات» التي لا يعارض كيدار أن تقيم فيدرالية على طول مئات الكيلومترات؟.
بتسلئيل سموتريتش واوري اريئيل تعمقوا في التاريخ أكثر من كيدار، ولخطة تشكل العلاقات المطلوبة مع الفلسطينيين اليوم، قدموا خططا قائمة على أيام يهوشع بن نون، الذي أرسل حسب «المدراش» ثلاث رسائل لسكان البلاد قبل دخوله إليها: «من يريد التسليم فسيسلم»، أي ضم الضفة لإسرائيل وإنشاء ست مقاطعات إدارية للفلسطينيين (خطة «الكانتونات»)؛ «من يريد الذهاب فليذهب»، أي إدارة نظام تمويل وتعويض يتجاهل «الصمود الفلسطيني»؛ «من يريد الحرب فليحارب»، أي «نحن سنحارب الفلسطينيين الذين سيستمرون في الكفاح المسلح ضد إسرائيل»؛ وفي «الحرب مثلما في الحرب»، أي فرصة ذهبية لنكبة أخرى.
نفتالي بينيت وأصدقاؤه من البيت اليهودي يحسنون الصنع «بدقة»، «خطة التهدئة» وكمية الرمال التي تنثرها. بينيت اعترف أن «ضما كاملا ليهودا والسامرة مع مليوني مواطن فيها» غير قابل للتحقق وهو يعرض للخطر «مستقبل دولة إسرائيل لأسباب أمنية وديمغرافية وقيمية». لذلك هو يريد «عرض حل عقلاني يخدم مصالح دولة إسرائيل» على شكل ضم مناطق (ج) لإسرائيل التي تمتد على مساحة 60 في المئة من الضفة الغربية، وإبقاء الحكم الذاتي الفلسطيني على مناطق( أ و ب) حقا؟.
نظرة سريعة على الاتفاق المرحلي تظهر أن مناطق (أ و ب) ليست مناطق حقيقية تظهر في فيلم الحزب، بل في الواقع يوجد فيها نحو 169 كتلة وقرية فلسطينية معزولة. هكذا أيضا مناطق (ج) تتكون من بضع عشرات من الممرات الضيقة التي تخترق كل مناطق الضفة الغربية. كيف ينوي بينيت تنفيد تعهده بخلق «تواصل مروري كامل للفلسطينيين»، يمكن «السكان العرب من الوصول إلى أية نقطة في الضفة الغربية من دون حواجز أو جنود»؟ بوساطة شق عشرات الشوارع الرابطة والجسور العلوية والأنفاق بكلفة المليارات؟ هل سيشرف عليها بوساطة مئات الحواجز والطائرات من دون طيار ودوريات الجيش؟.
هل ينوي حقا منح المواطنة الإسرائيلية للسكان الفلسطينيين في مناطق (ج)؟ إذا كانت الحقائق الجافة تعد 300 ألف شخص يعيشون هناك وليس 50 ألفا، كما تشير الخطة؟
كيف ينوي الإشراف على الدخول إلى إسرائيل من مناطق الحكم الذاتي، هل من خلال تفكيك الجدار الأمني القائم الذي استثمر فيه 15 مليار شيقل، وإقامة جدار جديد على طول 1800 كم بتكلفة 27 مليار شيقل، والذي يحتاج إلى صيانة سنوية بكلفة تقدر بـ 4 مليارات شيقل وحمايته تحتاج إلى وحدتين؟. كيف ينوي ضمان حق المِلْكية للفلسطينيين الذين هم أصحاب أكثر من نصف مناطق (ج) التي تم ضمها لإسرائيل. هل من خلال فتح مئات البوابات الزراعية لـ 350 قرية فلسطينية في مناطق الحكم الذاتي، التي جزء من أراضيها تم ضمه لإسرائيل؟ هل يدرك الحاجة إلى آلاف الجنود الذين سيستدعون لهذه المهمة الروتينية؟
ربما هو لا يلاحظ حجم التهديد في كل بوابة من هذه البوابات، مثلما كتب ذات مرة الجيش الإسرائيلي لمحكمة العدل العليا: «كل نقطة عبور تزيد الخطر الذي يكمن في تسلل مخربين إلى إسرائيل، وتشكل نقطة احتكاك تزيد الأخطار على قوات الأمن التي تشرف على هذه النقاط».
حزب الليكود صادق بالاجماع على قرار فرض سيادة إسرائيل على مناطق الاستيطان ـ الكتل الاستيطانية اليهودية. هل أعضاء الحزب يدركون أنه باستثناء غوش عصيون وغوش قطيف المخلى، فان المستوطنات لم تتم إقامتها في أي يوم حسب هذا النموذج. حيث أنه في كتلة غور الأردن متوسط البعد بين مستوطنات المجلس الإقليمي يصل إلى 21 كم؟ وأن 60 من مئة من المستوطنات معزولة؟ وأنه في ثلث هذه المستوطنات تعيش نحو 60 عائلة وفي نصفها أقل من ألف نسمة؟ وأن الأغلبية الساحقة في 15 مستوطنة من هذه المستوطنات الكبيرة توجد على حدود الخط الأخضر أو قرب القدس؟.
إدارة ترامب والسلام
آخر وذروة حملة الأوهام هذه هو بنيامين نتنياهو، بدعم وتشجيع من اللإدارة الأمريكية. لو كان من الصعب تفويت الحماسة في صوت رئيس الحكومة في الوقت الذي أعلن فيه أثناء زيارة نائب الرئيس الأمريكي مايك بنس أنه سيدعم كل جهد لترامب من أجل السلام، والأكثر صعوبة هو الافتراض أن مصدر هذه الحماسة هو عدم معرفته لتفاصيل الاقتراح المتبلور. الوثيقة التي قدمها صائب عريقات لمحمود عباس تكشف مضامين تناسب مدرسة نتنياهو التي تستند إلى الجهود الكبيرة التي استثمرها السفير رون ديرمر والسفير ديفيد فريدمان في بلورة المضامين وتسويقها. ولمن نسي، الأخير يعتقد أن إسرائيل تحتل فقط 2 في المئة من الضفة الغربية.
«خطة أمريكية» تنفي حدود 1967 كقاعدة وتمكن إسرائيل من ضم 10 في المئة من الضفة الغربية من دون تبادل للأراضي هي خطة بعيدة عن قرارات المجتمع الدُّولي وعن مواقف الفلسطينيين. التنازل عن عاصمة فلسطينية في شرق القدس يضع العالم الإسلامي والعربي خلف الفلسطينيين «الرافضين». احتمال تدخل إسرائيل العسكري في دولة فلسطين منزوعة السلاح يقدم مفهوما جديدا لمصطلح «سيادة». بناء على ذلك فإن احتمال الموافقة على هذه الخطة التي تفقد القرارات الدُّولية من المضمون والتي تقوم على البلطجة وعلى ميزان القوة بين إسرائيل والفلسطينيين، ليس أكبر من احتمال تبني «خطة الكانتونات». في المقابل، احتمال رفض الفلسطينيين للخطة سيسوغ في نظر إسرائيل تبني أحد الخطط الأخرى أو ما يشبهها «ضم معاليه أدوميم أو القدس الكبرى»، هو احتمال أعلى بكثير.
يبدو أن من صاغوا هذه الأفكار يشبهون الذي اقترح الاكتفاء بخط سكة حديد واحد. وعند سؤاله كيف سيستجيب ذلك لحركة القطار في اتجاهين قال «أنا فقط اقترح». هذا الشخص كان يهوشفط هركابي الذي كتب عن سقوط متسادا وحذر من أن «حجم الحلم الكبير، الذي يشترط تحققه هو واقعيته التي تكمن في أنه برغم أن الحلم يريد التسامي على الواقع، أرجله دائما منغرسة في هذا الواقع. هذا هو الفرق بين الحلم والخيال الذي يحلق على أجنحة الوهم».
يكفي مما تم طرحه من أمور أن نفهم أن هذه الخطط لا تعتبر حلما، بل خيالا يتجاهل الواقع ومتطلباته. الأمل بأن الأفكار عديمة المضمون ستشكل واقعا مرغوبا فيه هو وصفة مضمونة للانحدار نحو الكارثة. نحن نأمل أن لا نحتاج إلى مكيف للواقع من اجل أن ينثر في كل اتجاه غبار المسيحية، ونكتشف مجددا هذا الصراع بكامل شدته. والفهم المطلوب هو أن احتمال تسويته يكمن في فكرة الانفصال وإقامة دولتين أو في تصفية الحلم الصهيوني.
شاؤول اريئيلي
هآرتس 25/1/2018