في مفهوم ‘الاستثناء’ في النسق السياسي المغربي أو ‘العبور اللغوي الآمن’
23 - September - 2013
حجم الخط
1
تعطي التجربة السياسية في المغرب، مثالا واضحا على أن العملية السياسية في بلدان ما يسمى العالم الثالث، هي في أحسن حالاتها ‘تصريفات لغوية’ حتى لا أقول ‘ألعاب لغوية’ استعارة من فيلسوف اللغة النمساوي’لودفيغ فتغنشتاين – لمواقف حرجة ولحظات تاريخية ومصيرية لدى شعوب هذه البلدان. وبشيء من التخصيص، يلاحظ أن النظام السياسي في المغربي، تفاعل مع التطورات الأخيرة التي هزت منطقة شمال افريقيا والشرق الأوسط، بتخريجات مفاهيمية تبدو إلى حد الآن ناجعة وذات فعالية. ومن أبرز هذه التخريجات المفاهيمية نجد مفهوم ‘الاستثناء المغربي’. يثبت محرك البحث غوغل، أن عبارة الاستثناء المغربي تم تداولها عبر المقالات وغيرها من المواد المنشورة على مواقع الشبكة العنكبويتية أكثر من ‘770’000مرة، ويقصد بالاستثناء المغربي، كون المغرب ولاعتبارات تساق في الخطاب الرسمي، لا يمكن أن يرتهن في تطوراته السياسية ولا في مساره التاريخي والمجتمعي لأي تجربة كانت، شرقية او غربية؛ لأن البلد له خصوصيات معينة. يحشد الخطاب الرسمي في التأسيس لهذا الاستثناء معطيات كثيرة، وهذا التأسيس يأخذ بعدين: التأسيس لما قبل والتأسيس لما بعد. أما التأسيس بالمعنى الأول فهو عملية إعادة تركيب للتاريخ تتجلى في: أولا: التسويق لكون الاستثناء المغربي ‘حقيقة’ في تاريخ المغرب، ففي كتب التاريخ الرسمي مثلا، يستعاض عن مفهوم تعاقب الأمم والدول في المغرب الأقصى، بمفهوم ‘تاريخ الدولة المغربية’ بصيغة المفرد؛ فيغدو الموقع الجغرافي هو المحدد في صياغة المفهوم الدال على الكيان، ومعطى يتأسس عليه اعتبار أن المغرب حكم على مر التاريخ ولا يزال بدولة واحدة، بل إن هذا التوظيف يذهب في الخطاب الرسمي مدى أبعد، وهو ما يتجلى في المفهوم المشاع في هذا الخطاب وقبله في تلك الكتب تحت عبارة: ‘المغرب عبر التاريخ’. ومن هذا التأسيس نلاحظ أننا عندما نقرأ كتب التاريخ المدرسية، نجد فيها حديثا عن الدولة السعدية والمرابطية والموحدية والمرينية، لا كدول وفترات حكم بينها قطيعة بالمعنى الباشلاري؛ نظرا لاختلاف توجهاتها السياسية دنيويا واختياراتها المذهبية دينيا، بل باعتبارها استمرارية في الماضي ـ للمفارقة – للدولة المغربية، بل إن البعض في دفاعهم المتطرف عن هذا الاستثناء اعتقدوا ـ عن يقين يثير الاستغراب ـ أن المملكة المغربية لا يمكن أن تطالها ‘سنن العمران’ في قيام الدول واندراسها، حسب فلسفة التاريخ الخلدونية. ثانيا: الحديث عن الاستثناء المغربي في عدم خضوع ملوك المغرب منذ قرون لمركزية الزعامة الدينية لملكيات المشرق. وهنا تساق الحجة المعروفة، حجة انفراد سلاطين المغرب بصفة أمير المؤمنين، التي احتكروها، من دون حتى من يدعون أنهم يحكمون بلاد المقدسات الإسلامية مهد الرسالة الخاتمة. ثالثا: الترويج للاستثناء المغربي، بدعوى حصول إجماع على الملكية في صفوف المغاربة، بل يذهب الخطاب الرسمي بهذا الاجماع إلى أبعد حد، عندما يتحدث عن حصول إجماع داخل المغرب على المذهب الديني ـ الفقهي والعقدي والسلوكي ـ وهو أمر لا دليل عليه في ظل التدافع المجتمعي واختيارات الأفراد التي لا يمكن تنميطها على هذه المستويات. رابعا: التنبيه في مناسبة كثيرة على ان الدولة المغربية شكلت استثناء في عدم خضوعها لنفوذ التاج العثماني بين سائر بلاد المسلمين. خامسا: وبنوع من المعاصرة، اعتبار تعاطي ملك المغرب مع التطورات الأخيرة، استثنائيا، من حيث أخذ زمام المبادرة في رفع سقف الاستجابة لمطالب أصوات الحراك المجتمعي والسياسي المغربي. أما التأسيس البعدي، فيتجلى في سعي النظام السياسي المغربي، إلى توظيف مفهوم الاستثناء المغربي لتحقيق مكاسب وثمار سياسية؛ ولذلك لوحظ تكثيف الحديث عن هذا الاستثناء في ارتباط بالمستجدات الأخيرة في منطقة شمال افريقيا والشرق الأوسط؛ بل حتى التيارات الراديكالية؛ سياسية كانت أو دينية استقلالا، أو راديكالية سياسية دينية جمعا، هاته التي تبنت مطالب التغيير، يستشف من تعاطيها مع التطورات الأخيرة التي تعرفها المنطقة، أنها تؤمن بدورها بهذا الاستثناء أو على الأقل تقر به؛ فإذا ما تمت الدعوة إلى ثورة أو حراك اجتماعي، تنبري أصوات من كل صوب للدفاع عن طرح أن التغيير يجب أن يتم وفق ما تمليه خصوصيات الاستثناء المغربي. إن هذا الموقف هو الذي جعل الملكية في المغرب تخرج، لا أقول كما يقول البعض سالمة من ‘عاصفة’ فترة الربيع العربي، بل بمكاسب لا تخطئها عين المتتبعين. بيد أن هذا التوظيف السياسي لمفهوم الاستثناء المغربي لم يكن لينجح حقيقة، لولا ‘الشرعية الظرفية’ التي اكتسبها. وبيان ذلك أن النظام السياسي المغربي، يسوق داخليا وخارجيا بأنه ‘نظام ذكي’، عرف كيف يدبر ويراوغ أمواج وعواصف المرحلة، في إشارة إلى أن التواطؤ الإيجابي (الذي سمي إجماعا وطنيا) لمختلف الفرقاء السياسيين على مراعاة الاستثناء المغربي، ضمن للبلاد العيش في استقرار يحسد عليه أهلها، عكس حالة اللاستقرار التي تعيشها البلدان التي اختارت الدخول في تجربة التغيير بالفعل الدموي والعمل الثوري. ومن ثم كانت مآلات الثورات العربية الأخيرة، التي خيبت آمال كثير من صناعها، وكذا المتعاطفين معها، صك تزكية للاستثناء موضوع الحديث، وفرصة عرف النظام كيف يستغلها ليروج لفكرة أن الاستقرار الذي ‘ينعم’ به المغرب كان ‘مكسبا’، لتوافق القوى السياسية وقوى المجتمع المدني على ما سمي باختيار المغرب: ‘التغيير في ظل الاستقرار’؛ بل نجح في جعل جميع القوى الأخرى، بما فيها قوى المعارضة، تتبنى الخطاب الداعي، لا إلى اعتبار الاستثناء المغربي مكسبا، بل مطلبا به ينادي وعليه يناضل كل الفاعلين السياسيين. وبما أن مفاهيم الأنساق السياسية، غير ‘ذاتية الاعتماد’، فإن مفهوم الاستثناء المغربي شأنه شأن المفاهيم في العلوم السياسية والاجتماعية، يتمترس وسط شبكة من المفاهيم الداعمة. وهنا يزخر المشهد السياسي في المغرب بمفاهيم من قبيل: الشرعية الدينية والتاريخية، الاجماع الوطني، الديمقراطية التشاركية، التغيير في ظل الاستقرار، دولة المؤسسات، وكذا اللعبة اللغوية التي طال أمدها، وهي من آخر فصول العبور اللغوي الآمن في البلد: التأويل الديمقراطي للدستور.. إنها مفاهيم يستغرق النقاش حولها كل جهد قد يبذل في سواها. الاستثناء في المغرب حقيقة كان أو مجرد ادعاء ـ ليس استثناء، بل هو القاعدة؛ إنه باختصار اسم آخر لحالة الطوارئ التي جوهرها في المغرب، أن شخص الملك ومحيط المؤسسة الملكية هما الفاعل السياسي الأقوى في البلاد، وباقي الفاعلين هم رتوش العملية الديمقراطية.