هل الدبلوماسية الدولية رواية في فصول؟

لعل هذا السؤال الذي اخترناه عنوانا لمدارنا لهذا الأسبوع يبقى السؤال الوحيد الذي يحتمل حدا ادنى من الوجاهة، في ظل المآل الذي تؤول إليه دبلوماسيتنا الدولية وبشكل حثيث.
نتذكر جميعا كيف كان يعامل الجنرال ديغول مجلس أمن الأمم المتحدة، ناعتا إياه بـ’الشيء’، دلالة على جموده وعدم قيامه بالخطوات المنتظرة منه متى اقتضت ظروف مأساوية رد فعل حازم واضح من المجتمع الدولي. من بين ما اثار انتباهنا في الأيام القليلة الماضية، تصريحات متنوعة رشحت عن المناقشة الطارئة التي نظمتها الجمعية الوطنية الفرنسية لمناقشة الوضع السوري. وفيما لم تتناول وسائل الإعلام الكثير من هذه التصريحات، لعل من المفيد إيراد هنا الرسالة الأبرز التي ارادت مجموعة من النواب الفرنسيين توجيهها، وهي كتلة الخضر، من انصار الحفاظ على البيئة.
لقد وضع رئيس المجموعة اصبعه على واحدة من أهم الاشكالات التي ساهمت على أوسع نطاق في الإخلال بالتنظيم الهيكلي لمجلس أمن منظمة الأمم المتحدة. هذه الإشكالية، نعرفها جيدا، تعاني منها دول كثيرة، بما فيها الدول دائمة العضوية في المجلس. إنها حق النقض، المعروف بالكلمة ‘السر’ العابرة للحدود، الفيتو. وإذا كانت هذه الكلمة تتداولها الألسن على مر الأيام والساعات حاليا فإن أحدا تقريبا- لم يبادر إلى طرح سؤالين جوهريين وهما، كم عمر حق النقض، وفي أي عصر نعيش حاليا؟
حسنا فعلت مجموعة ‘الخضر’ الفرنسية بطرح إشكالية تفعّل واحدة من أكبر مفارقات تاريخ العلاقات الدولية: لقد دخلنا القرن الواحد والعشرين الذي يتميز أساسا بظروف ذاتية وأخرى موضوعية تجعل الدول الأعضاء في منظمة الأمم المتحدة لا تصيخ السمع للثنائية القطبية التقليدية، وريثة الحرب العالمية الثانية، المتمثلة في تصنيف الرأسماليين في جهة، والاشتراكيين دعاة اقتصادات الدولة المخططة في جهة أخرى، وهو تصنيف غالبا ما وضع ‘الطيبين’ في جهة، و’الأشرار’ في جهة أخرى، وهو تصنيف أيضا غالبا ما صور التاريخ العالمي للجماهير على نحو أدلجتها حتى النخاع، مخلّفا وراءه أضرارا راحت الشعوب ضحية لها بامتياز.
أرادت كتلة الخضر البرلمانية الفرنسية لفت الانتباه إلى هذا الموضوع، ولو بطريقة أقل صراحة من تلك التي بيّناها. فقد لامست ـ مهما كانت الحال- واحدا من أكثر الجوانب إثارة للجدل عند طرق ملف الأمم المتحدة ومجلس أمنها، وهو علاقة هذه المنظمة بالتاريخ. فهي من ناحية وليدة التاريخ بنشأتها، ولكنها في نفس الوقت من ناحية أخرى، هيكليا وهو الأهم، لا تساير هذا التاريخ أبدا.
فهل يعقل أن نتعامل مع نظام عمل يستخدم أداة ربما كان يمكن فهم أنها كانت نافذة فى خضم موازين القوى التي تركتها وراءها الحرب العالمية الثانية، ولكنها الآن صارت بائدة بما لا يختلف فيه اثنان، في نظام عالمي لم تعد له أدنى صلة بتلك الأجواء؟ نعم كان ممكنا فهم ان يكون لموقع القوى العظمى التي باتت كلها طرفا فاعلا ومباشرا في نزاعات حرب 1945، دخل في حسابات منظمة موكول إليها رعاية نظام عالمي جديد مبني على السلم والرخاء معا.
وإذا فتحنا قوسا جانبيا عند هذه النقطة بالذات فسيتكشف لنا ان هذا المهام الجليلة سرعان ما تحولت إلى مشهد احتل فيه صراع المصالح بين القوى العظمى ذاتها مركز صدارة قلبت مهمّة المنظمة الجليلة مئة وثمانين درجة.
الآن – وقد دخلنا عهدا جديدا يتميز أساسا ببروز نظام متعدد الأقطاب، ألغى بشكل صارم على المستوى الاقتصادي، ذرائع تجاذبات استقطابية وليدة سياق الحرب الباردة، أصبحت لدينا فرصة ذهبية لأن يتبع النظام الاقتصادي الجديد الذي يرشح الدول الصاعدة لتبوؤ أهم المراكز، نظام سياسة دولية قل نظاما دبلوماسيا- خليقا بقولبة اوضاع بيروقراطية تهيمن على القرار الدبلوماسي بما لا يترك مجالا للتنفّس، وبالتالي لمقاربة الأوضاع مقاربة عادلة.
لكن يبدو أننا لا نزال بعيدين كل البعد عن تلقف حبل النجاة في هذا الشأن.
وبينما حبل النجاة هذا يتدلى من عوامل موضوعية جديدة، أبرزها دخولنا عالما متعدد الأقطاب يعطي مجالا غير مسبوق لمنافسة اقتصادية نزيهة إذا نظرنا الى معدل نمو دول مثل البرازيل او الهند مثلا- تظل دبلوماسيتنا حبيسة بنود
وقوانين تلبدت فوقها سحب غبار لم يتخذ أحد مبادرة لتبديدها.
أجل، إنّ قرار دبلوماسيتنا الدولية أو عدم قرارها الأمر سيّان- محكوم ببنود وفصول. بالفعل، فقد صار الفصل كلمة الساعة الآن. ومن بين هذه الفصول، فصل محدد.. يتردد على كل الألسن في دوائر الخارجية العالمية، إنّه الفصل السابع، محل كل الخلافات الدبلوماسية الراهنة بشأن استخدام القوة من عدمه في الموضوع السوري.
وإذا ببيروقراطيتنا الدولية تظهر علينا، في عهد الكومبيوتر والثورة الرقمية، كورشة مكاتب تكدست عليها عشرات الأوراق مرتبة بعناية داخل عشرات من الملفات، تشكل فصول رواية من نوع جديد، وصلنا فيها الآن إلى الفصل السابع، رواية دبلوماسية لم تعد ابنة زمنها.. فيما يتواصل قتل النساء والأطفال والشيوخ والشباب، من دون هوادة ولا ضمير.
ليت الأحداث التي ترويها رواية دبلوماسيتنا الدولية أحداثا خيالية، ولكنها مع الأسف احداث من صميم الواقعية، تزداد فصولها إيلاما بمرور الأيام.
حقّا، إن دبلوماسيتنا الدولية رواية في فصول، تطل بنا على مر أيامنا وليالينا بجديدها الملطخ بلون الدم البريء، فإلى متى يكون ثمّة قرّاء لهذا الكتاب؟

‘ باحث اكاديمي فرنسي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية