سعاد الصباح تُمطر من جديد: أهلا بالمحاربة القديمة مثلي!

حجم الخط
32

يا لها من هدية استثنائية وصلتني مع بداية هذا العام: كتابان جديدان من الشاعرة د. سعاد الصباح، هما «وللعاصفير أظافر تكتب الشعر» 140 صفحة ـ قصائد، والثاني: «قراءة في كف الوطن» 305 صفحات، وهو ومضات شعرية كالبرق الذي حين يشتعل لوهلة يلقي الضوء على ما حوله.. وعلى ذاته.. وعلى الأعماق.. ومعظمها رسائل حب للوطن.
في البداية تلفت القارئ جمالية الغلافين. وحين بحثت عن الفنان الذي رسمهما فوجئت بأنه المؤلفة نفسها، ولم أكن أدري أن د. سعاد رسامة أيضا وكنت أظنها ترسم بالكلمات فقط..

مرضى الدكتاتورية الأدبية!

لدى بعض الكاتبات والكتاب مرض اسمه «أنا فقط»، إنه مرض الديكتاتور الأدبي الذي يريد إيهام نفسه والآخرين أنه «المبدع الأوحد»، وعلى كثرة أخطائي لم أصب يوما بهذا المرض. وأفرح حين تُمطر من جديد رفيقة أبجدية ويحتفل بها قلبي وقلمي.. تماما كاحتفالي بأقلام الجيل الشاب وآخر ما وصلني منهن كتاب جميل من الجزائر من الشاعرة نصيرة محمدي، وكم أحببت في كتابها مودتها لرفيقاتها المبدعات، حيث أهدت قصيدة إلى رفيقة أبجدية هي بسمة شيخو. والأدب العربي ليس بُحيرة آسنة، بل هو النهر الذي يتجدد ويفتن بكل ما يصب فيه من إبداع تكتبه المرأة او الرجل لا فرق، فليس للإبداع أعضاء مؤنثة او مذكرة.. إنه لحظة ضوئية إنسانية، أسعدني أنني وجدت الكثير منها في الكتابين الجديدين للدكتورة سعاد الصباح.
تكتب د. سعاد برهافة شعرية:
ياقلبي،
أيها المتمرد
كالميت فوق العشب
طرزت نخلك بيدي..
وبكتك عذوبة الرطب
تقرأ تلك الرهافة الفنية وتتحسس قلبك وتتساءل أين مددت قلبك في إحدى ميتاته؟

شهريار لم يمت أيها الرجل الشرقي!
تهمس سعاد جارحة كالعطش:
إنني أحتاج كالأرض
إلى ماء الحوار
فلِمَ لا ترى في معصمي
غلا السوار؟
ولِمَ فيك شيء من بقايا شهريار؟
ليس في ذلك النصر الشعري نُواحٌ شهرزادي بل فيه احتجاج على نسيان بعضهم إنسانية المرأة..
تضيف:
وأنا متعبة من ذلك العصر الذي
يعتبر المرأة تمثال رخام
فتكلم حين تلقاني..
لِمَ الرجل الشرقي ينسى حين يلقى امرأة نصف الكلام؟ ولِمَ لا يرى فيها سوى قطعة حلوى/وزغاليل حمام!
ولِمَ يقطف التفاح عن أشجارها/ثم ينام؟!.
وتكتب عن «أبو جهل»:
أيا قادما من كتاب الغبار بعينيك ألمح سوق الجواري..
تصرف كما كان جدودك/سيتملكون النساء/كأي عقار!
وفي سؤال معلق تتساءل تلك المقاتلة: ماذا تريد المدن النائمة/ الكسولة الغافلة/مني/انا الجارحة الكاسرة.. المقاتلة.

عشق الكويت ولبنان

في الكتابين أبجدية جميلة في عشق الكويت وبيروت:
تقول: «إنني بنت الكويت، غرفتي الشمس/ومن بعض أسماني الصباح/وجنودي اخترعوا الأمواج والبحار/وموسيقى الرياح/صادقوا الموت…
وتقول في قصيدة بيروت:
بيروت يا قصيدة القصائد
يا عمري الجميل/مكتوبا على الرمال والأصداف والغمام/ويا مكاتيب الهوى/ ينقلها الحمام.
وتضيف: بيروت يا شعري الطويل/منشورا على الروشة/والأرزة والأشرعة البيضاء/يا فرحي/ كطفلة ضائعة في شارع الحمراء.
وتؤكد: بيروت يا شفافة العينين/يالؤلؤة بحرية/يا مهرة تصهل في ملاعب الحرية/يا وردة قد تركت أوراقها وعطرها/وأصبحت قضية.

النضارة الأبجدية والشجاعة الشعرية

ها هي د. سعاد تعود إلينا بحيويتها الأبجدية كلها..
وأنا محاربة قديمة تفرح بعطاء رفيقات الأبجدية وبالذات اللواتي يتنبهن إلى نبضات قلب الوطن.. وها هي سعاد غاضبة نازفة صامدة تكتب من الوطن العربي وإليه..

أين المبدعة ليلى بعلبكي؟

ذكرني الحضور المتجدد لسعاد الصباح بغياب كاتبات مبدعات بدأن كضياء نجم عطاء ثم اختفين ولا أجد مثالا على ذلك مثل الكاتبة اللبنانية ليلى بعلبكي، المحاربة القديمة التي توقفت عن الكتابة وأسف الكثيرون لذلك وأنا منهم.
لقد أعلن الصديق الشاعر الناشر رياض نجيب الريس عن قرب إصداره لرواية جديدة من ليلى بعلبكي وكان ذلك منذ نحو عقدين ولم تصدر الرواية وكنت أترقبها..
فليلى زميلة أبجدية، وحين وصلت إلى بيروت للدراسة في الجامعة الأمريكية كانت ليلى تكتب عمودا في مجلة ناجحة يومئذ هي «الأسبوع العربي» وطلب مني رئيس التحرير يومها ياسر هواري كتابة عمود وهو ما فعلته إلى جانبها، وكنت أطالع (لزميلتي) ليلى بإعجاب ومحبة وكم أعجبت بقصتها القصيرة التي نشرتها المجلة يومئذ بعنوان «لم يعد صدرك مدينتي» وأصدرت ليلى كتبا ناجحة مثل: «أنا أحيا» و«سفينة حنان إلى القمر» وسواهما ثم توقفت عن الكتابة منذ عقود، وأسفت حقا لذلك؟
أين أنت أيتها المحاربة القديمة؟

كوليت خوري المحاربة القديمة: أين أنت؟

منذ اليوم الذي رحلت فيه كريمة كوليت خوري الشابة نارة قلت لنفسي: هل ستستطيع كوليت الوقوف على قدمي أبجديتها بعد تلك الضربة. وفعلت وذلك يدعو للاحترام ولكنها توقفت عن الكتابة قبل عشرة أعوام وكان آخر كتبها كما عرفت من «ويكيبيديا ـ الموسوعة الحرة» قد صدر عام 2008 وهو «عبق المواعيد».. عودي يا كوليت فرفيقاتك المحاربات القديمات مثلي يفتقدنك، كما القارئ الذي أحب أبجديتك في «أيام معه».

سعاد الصباح تُمطر من جديد: أهلا بالمحاربة القديمة مثلي!

غادة السمان

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية