محاولات أمريكية لمنع توسع العملية التركية إلى مناطق أخرى أو استمرارها لفترة طويلة

حجم الخط
0

واشنطن ـ «القدس العربي»: تريد الولايات المتحدة محدودية من حيث النطاق والمدى للعملية التركية الأخيرة في بلدة عفرين السورية التي تسيطر عليها ميليشيات كردية. ووفقا لتعليقات صادرة عن البيت الأبيض ووزارة الخارجية من مسؤولين كبار فإن واشنطن لا تريد أي نوع من التصعيد في شمال غرب سوريا التي تعتبرها الإدارة الأمريكية منطقة مستقرة نسبيا بالنسبة للبلاد التي مزقتها الحرب.
ولم ترد الإدارة الأمريكية على تصريحات وزير الخارجية التركي التي أكد فيها أن تركيا لا ترى أي طريقة للتعاون مع الولايات المتحدة في حال بقاء وحدات حماية الشعب في الصورة، واكتفت السكرتيرة الصحافية لوزارة الخارجية بالقول إن واشنطن قلقة جدا إزاء الوضع في تلك المنطقة بما في ذلك المخاوف من بدء هجرة جديدة للمدنيين بسبب شعورهم بعدم الأمان .
ولوحظ أن وزير الخارجية الأمريكي تيلرسون تحدث بإيجاز حول لقائه الأخير مع وزير الخارجية التركي، وهو لقاء يأتي ضمن سلسلة من المحادثات الأمريكية – التركية التي جرت في الأيام الأخيرة إضافة إلى مكالمات صريحة وجادة بين الطرفين بشأن المخاوف من العملية التركية في سوريا، ناهيك عن نشاطات كبيرة للعديد من المسؤولين في السفارة الأمريكية في تركيا تهدف إلى التوصل لاتفاق بشأن الأزمة.
ودعت الولايات المتحدة حتى الآن الأتراك إلى ضبط النفس والحد من عملياتهم في الجيب الكردي، فيما لم تصدر عن الجانب التركي إشارات تفيد الاستجابة بل تصاعد الحديث في انقرة عن توسيع العمليات إلى منبج وغيرها من المناطق التي تتواجد فيها قوات أمريكية.
ومن الواضح أن هناك مشاعر من القلق في الإدارة الأمريكية بشأن مشكلة عفرين التي يردد العديد من المسؤولين الأمريكيين في كل مرة بأنها كانت مستقرة نسبيا. وأكد معظم التصريحات على ضرورة التركيز على مكافحة تنظيم «الدولة الاسلامية» وقالت إن الولايات المتحدة أنها هناك لذلك السبب مع الإشارة إلى أن تركيز الأتراك على قضايا أخرى سيعمل على نقل الموارد المتوفرة والقوات من محاربة التنظيم الإرهابي إلى محاربة الأكراد وهذا سبب مشكلة للولايات المتحدة.
واعترفت وزارة الخارجية الأمريكية بالمخاوف التركية إذ قالت السكرتيرة الصحافية هيثر نويرت إن الولايات المتحدة تتفهم مخاوف الأصدقاء الأتراك، وهم حليف مهم في الناتو، بشأن المنظمات الإرهابية المختلفة وإن الولايات المتحدة تتفهم مخاوفهم بشأن حزب العمال الكردستاني ولذلك تجري واشنطن محادثات مع الحكومة التركية بهذا الشأن من أجل معالجة هذه المشاكل ومحاولة تحقيق الاستقرار. وأشارت نويرت إلى أن الولايات المتحدة تريد تشجيع الأتراك على تخفيف التوتر.
المهمة الدبلوماسية الأمريكية لتحقيق دعوة واشنطن لمحدودية في النطاق والمدة للعملية التركية في عفرين هي مهمة شاقة بالتأكيد حيث تصاعدت التساؤلات عن مدى التزام الولايات المتحدة بالوقوف إلى جانب شركائهم الأكراد الذين قاتلوا مع القوات الأمريكية وساعدوا على طرد «تنظيم الدولة» من الرقة وغيرها من المدن ومدى التزام الولايات المتحدة من جانب آخر بالوقوف إلى جانب حليف مهم في الناتو والمعركة ضد التنظيمات الإرهابية وسط تعقيدات دولية ونزاعات إقليمية لا تحتمل المزيد من التوتر .
وحذرت الإدارة الأمريكية من تصريحات روسية تتضمن اتهامات تقول إن مسؤولية الهجمات التركية تقع على واشنطن لأنها مدت الأكراد بأسلحة إلى وحدات حماية الشعب على الرغم من أن موسكو تغض الطرف عن استخدام النظام السوري للأسلحة الكيماوية. وقالت وزارة الخارجية الأمريكية إن هذه التصريحات ليست مفيدة على الإطلاق وإنما هي دعاية تسعى إلى دق إسفين بين حليفين في حلف شمال الأطلسي ولكن هذا الشيء لن يحدث ولن ينجح .
وحث الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الرئيس التركي رجب طيب اردوغان على تقليص العمليات العسكرية في الجيب الكردي، وحذره من أن اتخاذ أي إجراء من شأنه أن يتسبب في اشتباك محتمل بين القوات التركية والأمريكية. وقال إن انقرة وواشنطن يجب أن تركزا بدلا من ذلك على هزيمة مسلحي «تنظيم الدولة».
وطالب السناتور ليندسي غراهام بعقد جلسة استماع بشأن الأزمة مع تركيا قائلا إنه لا يمكن أن تكون الاستراتيجية الأمريكية في سوريا قائمة على تمسك الأكراد بالأراضي العربية بمساعدة من أكراد من حزب الشعب الديمقراطي، وهو ما تعتبره تركيا وسوريا أمرا غير مقبول.
وفي تطور لاحق صعدت إدارة ترامب من ضغوطها على تركيا والجماعات الكردية للانسحاب من الصراع العسكري المتزايد في سوريا، محذرة انقرة من عدم استهداف شركائها الأكراد ومطالبة المقاتلين الأكراد بعدم الانضمام إلى المعركة ضد تركيا. وحث بيان للبيت الأبيض تركيا على توخي الحذر وتجنب أي عمل قد يخاطر بحدوث نزاع بين القوات الأمريكية والتركية. وصرح مسؤول أمريكي «من الواضح تماما أنه ستكون هناك عواقب إذا ما تحرك الأتراك إلى منبج» .
وحذر مسؤولون أمريكيون الأكراد من احتمال فقدان الدعم الأمريكي إذا حاربوا تركيا واستخدموا أسلحة أمريكية من المفترض استخدامها فقط لمحاربة «تنظيم الدولة»، ووصفوا ذلك بأنها مشكلة جدية .
من الواضح تماما أن واشنطن ترغب في إنهاء القتال في عفرين ولكنها ليست مستعدة للقيام بضغط شديد حول المشكلة. وفي الواقع هناك اتفاق وسط العديد من المحللين الأمريكيين بأن الإدارة الأمريكية لا تملك خيارات واسعة للتعامل مع الأزمة ولكنها غير سعيدة قطعا بالإجراءات التركية.
ما الذي يمكن استنتاجه من تحركات تيلرسون بشأن الأزمة السورية بما في ذلك مشكلة العملية التركية في عفرين؟ بشكل عام الولايات المتحدة عالقة في الشرق الاوسط إلى أجل غير معلوم. ومن الواضح أن هناك رغبة أمريكية غير نقية بالبقاء وسط الصراعات في المنطقة إذ أن إعلان ريكس تيلرسون أن القوات الأمريكية ستبقى في سوريا إلى أجل غير مسمى يعني أن الإدارة الأمريكية ترغب في البقاء في حرب مفتوحة لأهداف غير معلنة، ويعني هذا أن سوريا أصبحت جبهة جديدة في (الحرب الطويلة) وأن واشنطن مصممة على خوض القتال في الشرق الأوسط حتى بدون تقديم خدمة للمصالح الأمريكية الحيوية.
ذهبت القوات الأمريكية إلى سوريا بهدف دفع تنظيم «الدولة» إلى خارج الأراضي التي سيطر عليها هناك، وقد تحقق هذا الهدف في لحظة مثالية للولايات المتحدة لإعلان النصر والانطلاق ولكن واشنطن اختارت عدم الانسحاب، وهذا نهج متأصل في شخصية السياسة الأمريكية، وأصبح عدم القدرة على الخروج من الرمال المتحركة للشرق الأوسط سمة مميزة للسياسة الأمريكية الخارجية مما يعكس فشلا في تكييف السياسة الخارجية مع الظروف المتغيرة.

محاولات أمريكية لمنع توسع العملية التركية إلى مناطق أخرى أو استمرارها لفترة طويلة

رائد صالحة

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية