مَن أفضل مِن سفير السلطة الفلسطينية (أي حركة فتح) في القاهرة ليقدم الخدمات التي يريدها النظام المصري الجديد مِن ‘الداخل’ الفلسطيني، مِن الممثل لسلطة أبو مازن في مصر و’بالتالي’ صاحب العداء الاستراتيجي مع حركة حماس. السلطة التي وجدت في النظام الجديد لمصر ما لم تجده في نظام مبارك، السلطة المهرولة تجاه التبعية ونيل رضى نظام السيسي بما يفوق تبعيتها لنظام مبارك، لسبب أساسي هو العداء الذي يحمله هذا النظام للإخوان المسلمين و’حماس’، وهو أعمق وأشمل ما يمكن أن تُشارَك به السلطة الفلسطينية، أما فلسطين وقضيتها فلم تعد تشغل بال لا هؤلاء في ‘حماس’ ولا أولئك في ‘فتح’، فكيف الحال بنظام السيسي الذي أساء في فترة قياسية لأهالي غزّة (بحجّة حماس) بقدرٍ يُظهر نظامَ مبارك كأمٍ حنون على هذا القطاع.
كان ما يُسمّى بالسفير الفلسطيني بركات الفرا ضيفاً في إحدى فقرات برنامج ‘خطوط عريضة’ على قناة ‘إم بي سي مصر’، بدأت الفقرة بتقرير حوى رسائل مباشرة للمشاهد تقول بأن ‘حماس’ هي سبب المتاعب المصرية، وأنها أحد أسباب أزمة الكهرباء والوقود في مصر بسبب تهريبه إلى قطاع غزة عبر الأنفاق. هكذا بأسلوب فج ومباشر، وفيه شيء من البلاهة، كيف لقطاع غزة بجميع أهاليه، لا فقط بعناصر ‘حماس’، أن يسبب أزمة وقود وكهرباء في مصر والفروق الجغرافية والديمغرافية بين القطاع وجمهورية مصر العربية فروق فلكية؟ ثم يكمل التقرير بأن ‘حماس’ تساهم في تقوية ‘الإخوان’ عسكرياً رجالاً وعتاداً، بل إن الأمر وصل ‘بحماس’ إلى حد المشاركة في تنفيذ هجمات ضد الجنود المصريين في سيناء وأيضاً إلى التحضير لمخططات عدوانية تهدف إلى تهديد الأمن المصري.
هذا الكلام كبير (جداً جداً)، أي إن ثبت (بالنسبة لتفوّهات المذيعة فهي مثبتة، ولكن كيف وأين ومتى ولماذا لم نعرف) إن ثبت يمكن للجيش المصري أن يحتلّ القطاع ويدخل في حرب شرسة مع.. مع الجيش الإسرائيلي. كنت أود أن أكتب مستنكراً تلك المباشرة في بث الرسائل التحريضية للمُشاهد في التقرير، وأنها تحتاج إلى إثباتات وقرائن (عجزت عن تقديمها جميع عناصر اللواء الإعلامي المصري التابع لنظام السيسي، وجماعات الإسناد العربي كـ ‘إم بي سي مصر’ و ‘روتانا مصرية’ السعوديتين). حسب ما قاله سفير سلطة أبو مازن فالدلائل كلها إعلامية، أيْ تأييد الإعلام التابع ‘لحماس’ للإخوان، كمحطتي ‘الأقصى’ و’القدس’ (الأخيرة ليست لحماس بالمناسبة وليس كل إسلامي فلسطيني تابع بالضرورة لحماس يا سيادة السفير)، ما تبثّه القناتان إذن دليل على كلّ ما تريدون اتهام ‘حماس’ به عسكرياً وأمنياً وسياسياً.
كنت أود أن أكتب مستنكراً، ولكني بعد الاستنتاج الذي توصلت إليه أعلاه، أقول لم لا نفترض أن ‘حماس’ فعلاً تهدّد الأمن المصري ونصدّق كل ما يقوله إعلام السيسي والمبصوم عليه بالعشرة وبفرح شامت من قبل السلطة الفلسطينية وممثلها في القاهرة، ونغض النظر عن مسألة الإثباتات، لأن كل ما أريده هو مشاهدة هزيمة عرمرية للجيش الإسرائيلي على كافة حدود القطاع، فمن غير المعقول أن يضرب الجيشُ المصري ‘حماس’ في القطاع ويترك الجيشَ الإسرائيلي متغندراً على حدوده شامتاً (هو الآخر) ‘بحماس’. لكن كم من الفلسطينيين سيقتل الجيش المصري بحربه على ‘حماس’ وكلّنا نعرف كم هي ‘حماس’ متداخلة مع النسيج الاجتماعي في القطاع، أعجبنا ذلك أم لم يعجبنا (أنا ممن ‘لم يعجبنا’ بالمناسبة)؟
أو لنكذّب فرضية أن الحركة تشكل تهديداً للأمن القومي المصري، وليكفّوا عن التحريض على أهالي غزة بحجّتها.
نرجع للمقابلة والسفير الذي تفوّه بمنطلقات حركة فتح الجديدة، منطلقات وثوابت لا جدال فيها ولا انحياز عنها، منها مثلاً أن ‘محمود عباس الذي انتخب من الشعب الفلسطيني كله هو الذي يمثل الفلسطينيين’، الشعب الفلسطيني كله؟ كيف ومتى ولماذا وأين كنت أنا في حينها، لا أعرف. هو الثابت الجديد الذي اتخذته ‘فتح’ بالمناسبة، ثابت آخر جديد هو أن ‘حماس’ لم يتم انتخابها ديمقراطياً في غزّة، ثابت ثالث هو أن ‘حماس’ استطاعت وبجدارة نزع إسرائيل من مكانها واحتلاله، أقصد مكانها في ثوابت وسياسات ‘فتح’ القديمة. وبالمناسبة، ليست ‘حماس’ أفضل من ‘فتح’ في ذلك.
بالفلسطيني نقول ‘وجد من يحكّ له على جرب’، هو ما توضّح في هذه المقابلة، فالسفير لا يقول في مقابلته إلا ما تريد القناة سماعه مع كثير من الإضافات المستحبّة لها، فيذكّرنا بين فينة وأخرى سائلاً: ما مصلحة حماس لتناصب مصر الدولة الأكبر والأقوى في المنطقة العداء؟ ثم يضحك شامتاً قبل أن ينصح سفيرُ أبو مازن ‘حماسَ’ بأن توجّه بنادقها للإسرائيلي، حقيقةً، ليست هذه نكتة.
تنويه
لم أستطع مشاهدة المقابلة على التلفزيون، فانتظرت إلى أن تم رفعها في اليوم التالي على الإنترنت وشاهدتها، أتى اهتمامي بها بعد قراءة تعليقات عدّة على فيسبوك كان أبرزها أن السفير يصرّح أو يلمّح بأن معبر رفح سيبقى مغلقاً إلى أن تعود السلطة ‘الشرعية’ إلى قطاع غزة، أي سلطة أبو مازن. على الإنترنت لم أجد ذلك، رغم أني شاهدته عبر موقع ‘شاهد’ التابع ‘لمجموعة إم بي سي’، لكن المقابلة كانت مقطوشة أشكرة (كوضوح الشمس)، ولا أعرف إن كان ما تمّ حذفه له علاقة بما تمّ تناوله على فيسبوك أم لا. لا يهم على كل حال، هو تفصيل صغير في مقابلة مع ممثلٍ لسلطة تنتهج التضييق على أهالي غزة، بما قد يفوق تضييقات ‘حماس’ على الأهالي، وكلٌّ من مكانه.
جلد النساء في السودان
عرضت قناة ‘فرانس 24’ في برنامج ‘مراقبون’ فقرة تحكي عن جلد سيّدة سودانية على الملأ من قبل الشرطة هناك، السيدة على الأرض متألمة وتحاول تعديل حجابها ورجال الشرطة لا يخفون ساديّتهم في تعذيبها من خلال ضحكاتهم، والتهمة أنها كانت في سيارة مع رجل لم يكن – لسوء حظها – من أبناء عائلتها.
تذكّرني الحادثة باعتقال صحافية سودانية (حاولت السلطات الحكم عليها بالجلد) قبل أربع سنوات بتهمة ارتداء البنطلون، بنطلوناً واسعاً (فلا هو ليغينغ ولا كولون) مع حجاب، كما تذكّرني بالعديد من قصص الجلد في السودان والتي تكون ضحيتها الكائن الأضعف في مجتمعاتنا، النساء.
كي لا نأخذ من الخبر ظاهره، أي أن نظاماً قمعياً بوليسياً يتحكّم بالسودان، قاد لتقسيمها وأفقر شعبها، لا يختلف في شيء عن أشقائه العرب، أحكي هنا، إضافة لذلك، عن الذكورية المتحكّمة في هذا المجتمع، ذكورية اجتماعية تُضاف للاستبداد السياسي.
في مجتمع يسهل أن تجد فيه امرأة تُجلد، وعلناً، بل ويكون الجلد مدعاة للتسلية، للجالد وقسم من الجمهور، ندرك أن هنالك علاقة غير سويّة بين أفراد هذا المجتمع، بين السلطة والناس من جهة، بين الذكور من هؤلاء الناس والإناث منهنّ من جهة أخرى، هنا ندرك مدى البؤس الذي تعيشه امرأة من الناس، بؤس يجنيه عليها قمعان، أحدهما سياسي والآخر اجتماعي، الأول تنفيذي والأخير تشريعي. وهنا تكمن شدّة البؤس: في أن يشرّع المجتمع قمعاً سياسياً، فلا يكون للمرأة مخرجاً غير الرضى، أو الهجرة، أو الثورة.
كأن الثورة في السودان ستندلع على أيدي النساء، كما اندلعت على أيدي الأطفال في سوريا.
قيادة النساء في السعودية
في الحلقة ذاتها من برنامج ‘مراقبون’، عُرض فيديو لامرأة سعودية تصوّر نفسها وهي تقود سيّارة، متخفية بكوفيّة رجّالية حمراء (يسمونه في السعودية بشماغ ويفتخرون بصناعته الانجليزية الفاخرة)، كثرت هذه الظاهرة في السعودية (كثرت بمعنى أنه خلال السنة الماضية لم نرَ غير ثلاثة فيديوهات على الأكثر ظهرت لنا من بين ” مليون مواطن سعودي) فنرى نساء تلثّمن كرجال وقدن سياراتهن وصوّرن أنفسهن ونشرن الفيديوهات وصار العالم يتحدّث عنهنّ.
أي تحد وأي حرية تلك التي تطلبها النساء وهن متشبهات بالرجال، وهن متخفيات بزي الرجال؟ ما هذا الهبل، هل يعرفن أنهن يثرن السخرية عربياً وعالمياً أكثر مما يتصوّرنه، يثرنه على أنفسهن وعلى النظامين السياسي والاجتماعي الذي يحكمهن؟ ‘فضحتونا قدّام الأجانب’.
أرجو أن يتوقفن عن هذا الهبل لأن السخرية التي تطالهم يصيبنا نحن العرب منها ‘شي طرطوشة’، ولسنا، أو لست أنا على الأقل مستعد لذلك، خاصة وأني أعرف تجارب نسائية نضالية حديثة من بينها فرقة ‘بُسي رَيوت’ التي، للمفارقة، كنت أكتب عنها قبل أيام، والآن أجدني أكتب عن نساء عربيات يقضين في صالون التجميل ساعات قبل التلثم والتخفّي وتصوير أنفسهن وهن يقدن سيارة فارهة يمكن بسعرها تأسيس صحيفة سودانية شاملة. العماء.
أريد العودة للكتابة عن النساء في السودان لقليل من الأمل ضمن هذه الخيبات.
ممانعة ولا مش ممانعة؟
من يشاهد قناة ‘الميادين’ لثلاثة أربعة خمسة ستة أيام، في أكثر من برنامج، سيلاحظ إصرار مذيعيها ومقدمي برامجها على سؤال الضيوف مستنكرين غياب القضية الفلسطينية عن الإعلام العربي وأنها لم تعد تتصدّر نشرة الأخبار وأنها في زمن ‘الربيع العربي’ صارت عاشر الأولويات وما إلى هنالك من البكائيات الهزلية للقناة وموظفيها.
في سياق ذلك، أحب أن أذْكر بأن للقناة نشرة خاصة اسمها ‘العراق سوريا’، متخصصة في أخبار البلدين (للصدفة الإيرانية)، وأنها وحسب ما صرّح به مدير الأخبار في المحطة لصحيفة لبنانية سيتم استحداث نشرة إخبارية خاصة بالمغرب العربي، وأخرى خاصة بالشأن اللبناني.
لِمَ لَمْ يفكّر هذا الإعلام الممانع في استحداث نشرة خاصة بفلسطين حتى الآن؟ أو بالأحرى أسأله: بدل التذاكي والسؤال عن غياب فلسطين في أولويات نشرات الأخبار العربية، ومع السؤال عن نشرة ممانعة جداً مخصصة لفلسطين، أسألهم أين فلسطين في أولويات نشرات الأخبار عندهم.
مش هيَّ دي الممانعة، هي ولا مش هي يا متعلمين يا بتوع المدارس؟
Twitter: @saleemalbeik