شعيب حليفي يرصد تغريبة مدينة سقطت من السماء

حجم الخط
0

ووقعت في الطريق بين الدار البيضاء ومراكش، تغريبة مدينة ترنم بها الكاتب والروائي شعيب حليفي في كتابه الجديد «السطات في تاريخ الأزل بالشاوية»، الذي صدر في نهاية 2017 عن منشورات القلم المغربي. إنها صفحات لا يروم كاتبها إلى التوغل والإبحار في عباب تاريخ مدينة سطات وتاريخ منطقة الشاوية غير الرسمي، غير المكتوب في الكتب المدرسية والمقررات الجامعية فحسب، بل يمضي أكثر من ذلك إلى نبش صحف مطوية، محفوظة في رفوف السرديات الشعبية والمخزنة في مكتبات متحركة في ذاكرة أشخاص عاشوا حاضر وماضي الشاوية غرب المغرب الأقصى.

سطات حليفي

إن كتاب سطات هو رسالة عشق لهذه المدينة الواقعة في مفترق الطرق، كمثلث برمودا، إذ يجعل منها حليفي مدينة أزلية لا تشبها مدينة «في ترابها وشمسها وفجرها وغروبها وهمس أوليائها المتحقق في النفوس الواسعة. إن حليفي يرسم بالكلمات صورة مدينته، التي هبطت من السماء لتحط في واد ذي زرع، جغرافي وتاريخي واجتماعي معلق بين السماء والأرض، بين الشمال والجنوب وبين شرق وغرب ثلة من المدن المغربية المتناثرة ككتل سكنية مبعثرة فوق خريطة الزمن». إنه يقدم لنا سطات بمثابة يأوي إليها الأخيار والفجار، الأبرار والأشرار، العلماء والأولياء، الدجالون والقتلة والمُدعون والعارفون. فشعيب حليفي يفشي سر كتابته عن المدينة بقوله: «إن ما كتبته وما سأكتبه خلال ما مضى من حياتي وما سيأتي، من حروف زفت إلى قلبي وروحي، لم يكن إلا تاريخا شاهقا لصورة سطات».

استحضار الماضي

لقد أخذ حليفي على نفسه موثقا أن يخلق لسكان مدينته ماضيا يحذو فيه حذوعروة بن الورد على لسان الشاعر المغربي أحمد العراقي حين قال: «كان الناس في مدينتي لا يعيشون غير حاضرهم فصنع لهم عروة ماضيا»، لربما كان الناس في سطات هم أيضا لا يعيشون غير حاضرهم فنبش لهم حليفي ماضيا موغلا في تاريخ بُعيد الفتح الإسلامي فحملهم محلقا بهم على جناح سردياته في الآفاق ليحط بهم في إمارة برغواطة بتمسنا، ثم يقسم بعد ذلك بالأيمان الغليظة من دونوا لهذه الآفاق مثل البكري، ابن عذاري، ابن حوقل، ابن خلدون، ابن الخطيب، ابن أبي الزرع، الناصري وصاحب الاستبصار، على أن يقلعوا عن التزايدات والتخيلات على مملكة بورغواطة. الإمارة التي بدأت مع القرن الثاني الهجري غامضة خلال أربعة قرون، واستمرت غامضة سياسيا ودينيا وأثريا حتى يومنا هذا. ثم معرجا في رحلته الاستكشافية التاريخية عن كثبان الغرب ليمخر عباب زمن سحيق (القرن الخامس ق.م) حيث مرّ من منطقة الشاوية القرطاجنيون بدون أن يكتب لهم الاستقرار، نظرا لمقاومة الأهالي ولم يكن الرومان أفضل منهم حظا، حيث لم يقدروا على إخضاع المنطقة تحت نفوذهم، ثم يرد اسم منطقة الشاوية على لسان أشخاص ارتبطت أسماؤهم بالبعثات الرحلية والاستكشافية حنون القرطاجي، هيرودوت الإغريقي أوبولبيوس الروماني وبطوليمايوس. يحاور في غياهب الذاكرة ذكرى طريف بن مالك مؤسس أول مملكة أمازيغية عربية بتمسنا، هذا الذي أرسله موسى بن نصير سنة 710 ميلادية قائدا لأول سرية استطلاعية إلى إسبانيا، والذي دعم وساند جيش طارق بن زياد. فمروا بحروب البرغواطيين مع المرابطين ثم الموحدين، فغزوات البحر من الإسبان والبرتغالين في القرون الوسطى، حتى الوصول إلى الاستعمار الفرنسي ثم انتفاضات زمن الفرنسيين وما بعد زمن الفرنسيين.

التاريخ الصوفي

غير أن هذه النبش في دفاتر ماضي مدينة سطات وحاضرها لا يكتفي بتاريخ المدينة السياسي والجهادي فقط، بل يشرع أمامنا أفقا يحمل في ثناياه نفحة فكرية صوفية أحيانا، وأخرى فلسفية، تتحول من جرائها منطقة الشاوية تامسنا، إلى جسر للسائحين والباحثين عن الإشراق والتبصر، والساعين إلى الفتح الكبير في رحاب المعرفة الكونية الحائطة بمركز الدلالات والمعاني. فمن هنا عبر الشيخ الأكبر محيي الدين بن عربي، في مطلع القرن الثالث عشر الميلادي، قادما من الأندلس في اتجاه مراكش، وسحرته الكلمات الراقدة في الأرض هابطة وحيا عزيزا على التراب، وهنا ارتقى أعلى مقام «القربة» مقام بين النبوة والصديقية، كما يذكر ذلك في الباب الواحد والستين ومئة من كتابه «الفتوحات المكية». ثم تتوالى أسماء مرت من هنا الشريف الإدريسي، الحسن الوزان، ابن بطوطة ولسان الدين ببن الخطيب. ثم سلاطين وجواسيس رحالة مثل خورخي دي هنين أو دومينكودي باديا المعروف باسم (علي باي العباسي).

سيرة المدينة ومخلوقاتها

كتاب سطات هو سيرة ذاتية مسربلة بما هو يومي وما هو تاريخي مكتوب ومحكي. إنها شذرات من سيرة سنوات وذكريات أيام الكاتب في المدينة وما حولها وفي البادية، يوميات سردية لا تنتظم في عقد محدد، تقفز تارة من الشباب إلى الطفولة ومن الطفولة إلى الشباب ومن هذا إلى التاريخ. إن ما يزيد من الافتتان بهذا الكتاب هو ذلك التمازج والتوازن بين التاريخ الشفاهي والتاريخ الرسمي، الذي جعل منهما شعيب حليفي جسرا يشد الحاضر إلى الماضي، دون أن يطغى أحدهما على الآخر. فحليفي يغرق أحيانا في تفاصيل وجزئيات تتوالد وتتكاثر لتنبثق عنها خانات غاية في التمازج، ثم تميل إلى أن تصبح هذه الخانات جد ذاتية في لغة تتراوح بين الفيض الشعري والبعد الفلسفي المتكئ على البحث التاريخي وعلى الظواهر الاجتماعية في الوسط الشاوي، وفي مدينة السطات قبل الكل. فهذا الكتاب السطات هو امتداد لأعمال حول المدينة والمنطقة سبقته بسنوات، أعمال روائية مثل «زمن الشاوية» سنة 1994، و«رائحة الجنة» 1996 و«لا أحد يستطيع القفز فوق ظله» سنة 2010 حيث يتوغل شعيب حليفي في ماضي وحاضر منطقة الشاوية، لانه يؤمن بأن الماضي هو حلقة جسر يمكن من خلالها فك رموز الحاضر: «إن من يمعن النظر جيدا في مرحلة مغرب القرن 19 يمكنه إدراك ما يجري في مغرب اليوم»، إن حليفي هو كاتب منطقة الشاوية، الذي يستقي في الغالب مادة إبداعه من تاريخها وحاضرها، إنه يمخر عباب ذاكرتها الشعبية من أجل إدراك واقعها الآني. متتبعاً الوصف الدقيق للملابس والأشياء، الأشخاص والأحداث في صيغته الروائية. ففيض الحنين، الذي ضمنه حليفي كتابه سطات ما هو إلا امتداد إلى ذلك البحث المتأني عن الهوية، المهددة يوميا بالتقزم والتلاشي، أمام متاهات حياة ذات أطراف باذخة في مدينة متروبول الدار البيضاء. كما أنه سعي من غير كلل للبحث عن الالتصاق والحفاظ على لغة وثقافة وأسلوب حياة تهرب يوميا من اليد مثل البرد.

٭ كاتب مغربي

شعيب حليفي يرصد تغريبة مدينة سقطت من السماء

إدريس الجاي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية