الإرهاب و الإصلاح السياسي كما يتصوَّرهما البخيت!

حجم الخط
0

الإرهاب و الإصلاح السياسي كما يتصوَّرهما البخيت!

جواد البشيتي الإرهاب و الإصلاح السياسي كما يتصوَّرهما البخيت!هل ثمة من حاجة لدي الحكومة الأردنية برئاسة الدكتور معروف البخيت إلي قانون الإرهاب حتي تمضي قدما في حربها علي الإرهاب؟ جوابي هو: كلا، ليس لديها حاجة فعلية وحقيقية ، فحربها علي الإرهاب لم تتمخض عن نتائج من النمط الذي يمكن النظر إليه علي أنه ثمرة خطأ ارتكبته الحكومة، وكان ممكنا تلافيه وتحاشيه لو أنها امتلكت قانونا للإرهاب، يُعرِّف ويُحدِّد الإرهاب، أو العمل الإرهابي. لقد ميّز الدكتور البخيت الإرهاب من العمل الإرهابي لجهة التعريف ، أو التحديد ، فـ الإرهاب ، في قوله، ظاهرة يتعذر، بل يستحيل، تعريفها ، وبسبب ذلك فضَّل معدُّو قانون الإرهاب تعريف وتحديد العمل الإرهابي ، وكأن مفهوم الإرهاب لا يكمن في الأعمال الإرهابية . وهذا التمييز الذي لا مبرِّر نظريا أو علميا له إنما يشبه، علي سبيل المثال، تمييز السياسة من العمل السياسي في قولك إن السياسة ظاهرة يتعذَّر، بل يستحيل تعريفها، بينما العمل السياسي يمكن تعريفه وتحديده. ولو أردت أن أستنتج شيئا مما قاله رئيس الوزراء الأردني في تعريف أو تحديد العمل الإرهابي لاستنتجت أن ما قاله يشدِّد الحاجة (النظرية والعلمية ليس إلا) إلي تعريف الإرهاب . في تعريفه وتحديده لـ العمل الإرهابي فهمتُ أن العمل الإرهابي يشمل، في بعض من تعريفه وتحديده، كل عمل يُرتكَب، عن قصد، ومهما تكن وسيلته، ضد حياة المواطنين وممتلكاتهم. “المنطق في هذا التعريف أو التحديد ليس قويا بما يكفي للقول بالنجاح في إنجاز مهمة تعريف العمل الإرهابي ، فالقول بنجاح كهذا يحتاج إلي منهجية مختلفة في النظر والعمل. وبما يتَّفق مع هذه المنهجية يمكننا وينبغي لنا القول إنَّ كل عمل إرهابي يضر بحياة المواطنين وممتلكاتهم، ولكن ليس كل عمل يضر بحياة المواطنين وممتلكاتهم يُعدُّ عملا إرهابيا . وفي المنهجية ذاتها، نفهم الإضرار بالممتلكات العامة للدولة، ووسائط النقل، والبيئة، والبني التحتية وغير ذلك. ونحن نعلم أن الإضرار بالممتلكات العامة للدولة ووسائط النقل.. هو من الأعمال المنافية للقانون، ولكن غير الإرهابية، التي يقوم بها متظاهرون في الدول الغربية الديمقراطية.في البيانات والمواقف الرسمية، قال الأردن، غير مرة، إن الإرهاب لا دين له، ولا جنس، لأنه ظاهرة عالمية، ويمكن أن يزاوله المسلم أو المسيحي أو اليهودي.. والعربي والياباني والألماني والروسي..يترتب علي ذلك أن نمتنع عن النظر إلي العمل الإرهابي علي أنه امتداد لـ الفكر التكفيري فحسب، فالجماعات الإسلامية التكفيرية، والتي ينبغي لنا مكافحتها بطرائق وأساليب مجدية أكثر، لا تملك من الفكر، ومن طريقة التفكير، إلا ما يجعل الإرهاب العاقبة الحتمية والطبيعية لوجودها، ولكن الإرهاب، وبصفة كونه ظاهرة عالمية عابرة للأديان والأجناس والقوميات، يضرب جذورا عميقة له أيضا في غير الجماعات الإسلامية التكفيرية، التي لن نتمكن أبدا من مكافحتها في طريقة مجدية، أي في طريقة تتضمن الإجراء الأمني ولكن لا تعد له، ما ظلت حكوماتنا ترفض الاعتراف بمسؤوليتها التاريخية عن الإعداد، عن وعي أو عن غير وعي، للأسباب التي أدت إلي نشوء وتطور تلك الجماعات، فحكوماتنا ودولنا استنفدت كثيرا من الوقت والجهد في مكافحة ومحاربة كل خصم طبيعي للفكر التكفيري وجماعاته. لقد عملوا زمنا طويلا علي إخلاء الميدان لحميدان، الذي خرج منهم، ولهم، قبل أن يصبح ضدهم، وليس في سيرة الشيخ أسامة بن لادن وقاعدته إلا ما يقيم الدليل علي ذلك.في الأقوال والآراء التي أدلي بها الدكتور البخيت في لقائه الخاص مع التلفزيون الأردني، نقف علي بعض من أوجه الحياة الديمقراطية الجديدة التي يحرص رئيس الوزراء علي تذليل العقبات من الطريق المؤدية إلي قيامها سريعا. ويتركز الجهد الإصلاحي الحكومي الآن في قانوني الأحزاب و الانتخابات العامة .وكان الدكتور البخيت صادقا في تصويره خلق الحياة الحزبية في الأردن علي أنه أقرب ما يكون إلي الخلق من العدم ، فالأحزاب السياسية الأردنية (نحو 26 حزبا يشاركون مع وزارتي التنمية السياسية والداخلية في أعمال لجنة خاصة بهذا الأمر) لا تمثِّل، بحسب رأي الدكتور البخيت والواقعي 100 في المئة، إلا 1 في الألف من مجتمعنا. ولولا حرص الحكومة علي إنشاء وتطوير حياة حزبية لظلت تلك الأحزاب علي إيمانها بأن ليس في الإمكان، في الحياة الحزبية الأردنية، أفضل مما كان. علي أن هذا الرأي السديد لا يعني، ويجب ألا يعني، أن الحكومة تمثِّل 999 في الألف من المجتمع، فتفوقها في الوزن التمثيلي علي الأحزاب لا ينفي، وإنما يؤكِّد، أن الاغتراب السياسي بين المجتمع وبين الأحزاب والحكومة (والبرلمان) ما زال قائما وقويا. ولكن كيف السبيل إلي حياة حزبية جديدة وجيدة؟ إن شيئا من مفهوم خدمة العَلَم ، أو التجنيد الإجباري ، نراه في جواب الدكتور البخيت عن ذاك السؤال، فهو أعلن أن الحكومة ستحارِب فكرة، أو ظاهرة، العزوف الشعبي عن الانتساب إلي الأحزاب ، ذلك لأن ليس صحيحا شعار مَنْ تحزَّب خان . وحتي لا يظل المواطن علي خوفه العريق في القدم من الانتساب الحزبي، ومن أجل أن يَدخل المواطنون في الأحزاب أفواجا، كشف رئيس الوزراء أن مادة في القانون ستري النور عما قريب، وسيُحظَر بموجبها التطاول الحكومي، الأمني وغير الأمني، علي الحقوق الدستورية للمواطن بسبب انتمائه الحزبي.وعملا بمبدأ أن فاقد الشيء لا يعطيه، قال الدكتور البخيت إن الحكومة تريد للأحزاب الجديدة، أو القديمة بعد تجديدها، أن تكون ديمقراطية في حياتها الداخلية، فليس جائزا أن تدعو أحزاب تفتقر إلي الديمقراطية في حياتها الداخلية إلي تأسيس حياة ديمقراطية للمجتمع والدولة. وحتي يصبح ممكنا قيام أول حزب أردني في الأردن، أي قيام حزب يتخطي، في تمثيله، الفرد وأقاربه، والفئوية الضيقة بكل أشكالها وصورها، والهوية الدينية، أوضح الدكتور البخيت أن قانون الأحزاب الجديد سيتضمن شروطا لتأسيس الأحزاب لا تسمح إلا بوجود أحزاب أردنية ، ديمقراطية في الداخل ، غير مموَّلة من الخارج ، و غير عرقية أو دينية في خطابها وتوجُّهاتها. وفي آخر المطاف، يمكن ويجب أن تنتقل الحياة الحزبية الجديدة من الكثرة الحزبية إلي التركُّز الحزبي ، فينتهي الصراع والتنافس في سياق حياة انتخابية جديدة، إلي عدد أقل من الأحزاب، يمثِّل بعضه الوسط ، وبعضه اليمين ، وبعضه اليسار .علي أن الدكتور البخيت لم يتحدث بما يكفي من التفصيل والوضوح عن الشرط الأهم وهو تغيير النظام الانتخابي بما يسمح بجعل الحياة الحزبية مجدية سياسيا، وثقيلة الوزن الشعبي، وبما يؤدي إلي قيام برلمان حزبي في المقام الأول، قوي السلطة والتأثير، وتنبثق منه، بالتالي، حكومة تمثيلية تُنهي ظاهـــرة الاغــــتراب السياسي للمجتمع عن حكومته. ہ كاتب ومحلل سياسي فلسطيني ـ الاردن8

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية