د. محمد عجلاني
كانت سورية مهدا للمسيحية عبر التاريخ ومن سورية بشر الراهب بحيرت علي طريق بصري الشام بأن هناك رسولا للمسلمين سيكون اسمه محمد صلي الله عليه وسلم. واذا كان المسيح قد ولد في القدس فان مدينة معلولا التي ما زالت تتكلم الارامية لغة الانجيل دليل علي عمق الرابطة التي تربط سورية بالديانة المسيحية. بدون بالطبع ان نتحدث عن الغساسنة وسهول حوران التي احتضنت القبائل العربية المسيحية والتي سكنت بلاد الشام.
لقد لعب المسيحيون في سورية ادوارا كبيرة وسطروا عبر التاريخ ملامح بطولية من الشهيد جول جمال الي فارس الخوري بدون ان نذكر جبلة بن الايهم ومفارقة المسيحيين السوريين للصليبيين الغزاة الذين شوهوا بحملتهم هذه الديانة المسيحية ومبادئها النبيلة.
وان لم يلعب المسيحيون في سورية نفس الدور الذي قام به المسيحيون في لبنان ضد سياسة التتريك للدولة العثمانية الا انهم لم يتوانوا عن تقديم شهداء علقوا علي اعواد المشانق اثناء الثورة السورية الكبري في عام 1916 ضد سياسة جمال باشا السفاح.
ويبلغ حاليا عدد المسيحيين في سورية حوالي مليون ونصف المليون الي مليوني شخص ويشكلون حوالي تسعة بالمئة من سكان سورية البالغ عددهم سبعة عشر مليون نسمة، وينقسمون الي مسيحيين ارثوذكس اي تابعين للكنيسة الشرقية وكذلك كاثوليك اي تابعين للكنيسة الغربية، وهناك في سورية ايضا مسيحيون موارنة وسريان وكذلك بروتستانت بدون ان ننسي بالطبع المسيحيين الارمن الذين يتمركزون في مدينة حلب. ومقر الكنيسة الارثوذكسية هي انطاكية وهو دليل آخر علي ارتباط تركيا بالديانة المسيحية والتي كانت عاصمتها القسطنطينية قبل ان تتحول الي مدينة اسطنبول. وبرع المسيحيون في سورية في الاعمال الحرة واحتلوا مركزا هاما في سوق الصياغة قبل ان يحتلوا بعد ذلك مراكز مرموقة في مجال التعليم والثقافة والفكر، ولا ننسي ان احد مؤسسي حزب البعث هو المسيحي الدمشقي ابن حي الميدان المرحوم ميشيل عفلق، ولا ننسي ايضا ان اول من نبه الي مخاطر دولة اسرائيل علي وحدة العرب وقوميتهم هو الكاتب قسطنطين زريق وكذلك نجيب العازوري، وميشيل شيحا من لبنان.
من الناحية السياسية، لعب المسيحيون ادوارا هامة في الحياة السياسية السورية بعد الاستقلال عن فرنسا واوصلوا نواب لهم الي البرلمان السوري وكان لهم وزراء في عدة حكومات سورية بعد الاستقلال. ولعبوا ادوارا كبيرة بحكم اتقانهم للغات الاجنبية في الاتصال مع الغرب والاوروبيين وفتحوا مدارس خاصة لتعليم اللغات الاجنبية والموسيقي والفنون والرسم سرعان ما اغلقها تيار الشوفينية الوطنية البعثية المفرطة في وطنيتها.
انتسب المسيحيون وخاصة من ابناء الساحل السوري الي الحزب القومي السوري الذي اسسه الشهيد انطوان سعادة وكان لافكار الحزب ودعوته الي العلمانية صدي ايجابي لدي ابناء الطائفة المسيحية. ويخشي المسيحيون في سورية وهذا حقهم من تطرف بعض التيارات الاسلامية والشوفينية المفرطة في العداء لابناء الثقافات الاخري غير الاسلامية والتي يولدها الفكر المتعصب. لذلك تجدهم ينتسبون الي احزاب علمانية يسارية ام يمينية.
وعندما وصل الرئيس الراحل حافظ الاسد الي الحكم في عام 1970 مد جسورا للتقارب معهم واستقبل المطارنة ورجال الكنيسة بشتي الاتجاهات واعتبرت اعياد المناسبات المسيحية كأعياد رسمية ووفر الدعم المادي والمعنوي لاتباع الكنائس المختلفة وعين منهم مستشارين في القصر الجمهوري وكذلك بعث بسفراء مسيحيين الي عواصم الدول الكبري وعلي الاخص فرنسا التي تعتبر ام الكنيسة. وبالطبع يبقي تمثيلهم ضعيفا نوعا ما في وزارات الدولة وخاصة السيادية منها، بوزيرين او احيانا وزير واحد، اما بالنسبة للجيش وكذلك الجهاز الامني فقد تضاءل عددهم وبقي الجيش محصورا بأبناء الطائفة العلوية الذين شكلوا العصبية الامنية والعسكرية لحماية النظام الحالي.
وعلي عكس ما يري البعض، فان النظام السوري ليس غير طائفي ولا غير ديني ولا علماني، بل هو نظام فوضوي المعايير الوحيدة فيه هي الولاء لهذا النظام والقبول به علي فوضويته واخطائه وتعثراته، لا يهم ان تكون مسيحيا او مسلما سنيا او درزيا او علويا، المهم ان تدخل في بوتقة الاطار الذي يرسمه لك النظام، والغريب انك عندما تسمع رجالات النظام وان كانوا من اطياف ومذاهب دينية مختلفة الا ان اللغة التي يستخدمونها هي لغة واحدة سطحية وبعيدة عن فهم مشكلات الواقع السوري وفيها خليط من الديماغوجية والرومانسية والايديولوجية المتشبثة والمنغلقة علي نفسها. علي سبيل المثال تسمع كثيرا خلال احاديث المسؤولين السوريين عبارة التشبث بالثوابت الوطنية و عدم التفريط، و سورية لن تركع، كلام جميل ولكن ما هي ترجمته علي ارض الواقع!
والمشكلة ان النظام يعتقد عن طريق فتح كنيسة او مسجد انه قد حاز علي رضي هذه الطائفة او تلك، ويعامل احيانا الفرد السوري علي اساس انتمائه الديني وليس موقفه الوطني، الشعب السوري بمسيحييه ومسلميه يبحث عن سعادة ومستقبل ابنائه، وتوفير العيش الكريم لهم، الفقر ضرب الشعب السوري بشتي طوائفه، وكذلك البطالة، ولزيادة الامور سوءا، تقوم بعض السفارات الاجنبية بدور مشبوه يقوم علي تشجيع المسيحيين للهجرة من سورية، ليستقروا في البلاد الاجنبية، وخاصة ان الفقر والحاجة بدآ يدفعان بالبعض منهم علي الهجرة، وهذا الخبث التآمري يهدف الي ابعاد المسيحيين الشرقيين عن جذورهم التاريخية واماكنهم الروحية والدينية ان كان في القدس او في الموصل او في بصري الشام وحلب، وذلك لتفريغ المنطقة من الاعتدال ولزيادة روح التعصب وقوي الظلام والتعصب.
الحل ليس بهجرة المسيحيين من الشرق، بل يجب ان يعمل المسيحيون مع اخوانهم المسلمين علي تغيير الاوضاع الجامدة في سورية، تغيير الدستور لكي يسمح للمواطن السوري ان يكون ناخبا او منتخبا، العمل علي ان تكون سورية دولة للجميع، لجميع الاحرار من ميشيل كيلو الي فاتح جاموس الي حمود الشوفي الي رياض الترك، ليس لان هناك كنيسة او مطرانا يشيدان بالحكم القائم ان المسيحيين قد تخلوا عن معركة الحرية والديمقراطية. لن يكون للمسيحيين مكان اذا تدهورت الامور اكثر واكثر، واتجهت سورية الي اوضاع متأزمة، سقف الوطن لن ينهدم علي رأس المسلمين السنة والعلويين، بل سينهدم علي رأس الجميع، وسنخسر هذا الوطن في وقت لم تعد تنفع فيه ساعة الندم، وحمي الله سورية من كل شر.
ہ رئيس مركز دراسات الحياة السياسية السورية في باريس8