فقط ألا ‘ينقلب’ الواقع علينا

حجم الخط
0

إن عبارة ‘مقلوب على مقلوب’ محبوبة جدا الى الاسرائيليين. وهي على نحو عام تعبر عن عدم تناسب بين الكلام والفعل؛ وعن تضليل واحتيال. وهي في مرات كثيرة عبارة عن خداع أو حنكة وهما مفهومان متقاربان في العقل الاسرائيلي، وتكون احيانا تضليلا مضاعفا. أريد مثلا أن أحتال على شخص ما وأعلم أنه يتوقع أن أكذب ولهذا أقول الحق متعمدا، ويفرض بذلك أن الحقيقة كذب. أو بعبارة اخرى أن تقصد شيئا وتقول شيئا آخر كي تنال النتائج التي أردت.
إن مقلوبا على مقلوب قد يكون تعبيرا ايضا عن عدم العقلانية في الحياة، وعن القوى الخفية وعن عدم القدرة على التنبؤ. ‘خُطط لكذا وحدث كذا’ أي بعكس التوقع العقلاني بالضبط، فالحياة تفاجئنا دائما، ولهذا فان المقلوب على المقلوب في حد ذاته هو بمنزلة توقع عقلاني، ان الطريق ليس واضحا دائما أو ممهدا وعلينا أن نتوقع أن تفضي سلسلة أحداث ما الى نتائج عكسية. والمقلوب على المقلوب هو اذا عمل بشري مخطط له ومفاجئ ايضا، نتائجه تناقض المتوقع بسبب دخول عوامل غير مخطط لها. ويستعمل الاسرائيليون المتطورون احيانا ايضا ‘مقلوبا على مقلوب على مقلوب’ كي يُبينوا كيف حدث بالضبط ما خُطط له بمسار تضليل ثلاثي.
كان المقلوب على المقلوب دائما من نصيب يساريين ماركسيين مع مؤامرات ‘جدلية’ ويمينيين ‘خلاصيين’ مع ادراكات إلهية للمعجزات. لكن المقلوب على المقلوب بالنسبة لأكثر الاسرائيليين ليس شأنا ايديولوجيا أو دينيا، بل هو مجموع ادراكات براغماتية شرق أوسطية وجزء من الحياة.
حينما يكون المقلوب على المقلوب خيرا لشعب اسرائيل فهناك من ينتشون به ويقولون: ‘عجيبة هي سبل الله’، وهناك من يذكرون ايضا ‘سحر’ بيبي. وهناك من يبتسمون بمتعة ازاء الاخفاقات السافرة لمتخذي القرارات عند أعدائنا. خُذوا مثلا اخفاقات رئيس وزراء تركيا اردوغان. فقد أراد أن ينشيء امبراطورية عثمانية مع سورية ومصر وحماس على اسرائيل وصار أمره الى انقلاب. وتشوش عليه كل شيء بسرعة لا مثيل لها. فقد كانت الفروض معاكسة وضربه الواقع فبقي عاريا في الشرق الاوسط مع أحلام فاشلة ومشكلات في الداخل.
وانقلبت الامور على حماس ايضا فقد أرادت الاخوان المسلمين في مصر وحلفا مع سورية وايران، فقعد السيسي على رأسها وزادت عزلتها الدولية. وانقلبت الامور على حزب الله ايضا فقد أيد الاسد وأصبح ضعيفا في الداخل منددا به بصفته منظمة ارهاب في اوروبا.
إن المشكلة هي أن انجازات انقلاب الامور قد تُحدث مشاعر دعة أو ميل الى السلبية في مسار اتخاذ القرارات. وحينما تتطور الأحداث تطورا مُديرا للرأس ومتقلبا، لا سيما حين لا توجد زعامة دولية ذات قرار حاسم قادرة على رسم اتجاه يوجد خطر إدمان المقلوب على المقلوب.
ولهذا ينبغي أولا استعمال سياسة حذرة بالتقليل من الكلام والتمهل بالقرارات ولا سيما مسائل كبيرة ما زالت الاجوبة عنها غير واضحة الى الآن. هكذا مثلا أثبت الصمت الاخير لحكومة اسرائيل ورئيسها ازاء عدم وضوح الأحداث وسلوك اللاعبين في الشرق الاوسط، نضجا مدهشا اذا قيس باخفاقات سافرة للولايات المتحدة واوروبا اللتين أحدثتا فرقا خطيرا في التوقعات بين الخطابة والافعال. وينبغي ثانيا تبني حدود واضحة للعمل والاستعداد في الوقت نفسه لعدد من السيناريوهات المتوازية. وينبغي ثالثا الحذر من الميل الاسرائيلي الى إظهار الحنكة والخداع الزائد.
إن تقديم النصائح سهل بالطبع. لكن يحسن في حي الشرق الاوسط أن نُذكر بأنه لا يجوز الاعتماد على تضليلات الواقع فعلينا أن نكون مستعدين لـ’انقلاب’ الواقع علينا.

يديعوت 24/9/2013

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية