من هو الرئيس القادم لمصر؟ سؤال خرج من دائرة المحلية المصرية إلى دائرتيها الإقليمية والعالمية. سؤال يُثار على كافة المستويات وداخل دوائر صنع القرار القريبة والبعيدة، سؤال دشن بشكل ما بداية معركة الانتخابات الرئاسية في مصر، التي من المنتظر أن تجري مع بداية العام القادم. السؤال وما ترتب عليه من متتاليات عددية وهندسية كشف الستار عن تصاعد أسهم الفريق أول عبد الفتاح السيسي، كمرشح محتمل للمنصب الرئاسي، ومن ثم فتح المجال لموجات من التأييد المتعاقبة له.. وأتاح الفرصة للبعض أن يرفض الفكرة من حيث المبدأ، لأنه لا يريد رئيساً لمصر ذا خلفية عسكرية، سواء كان السيسي أو عنان، وزاد من مواطن الاختلاف بين أطياف المجتمع، وأضاف بعداً آخر لأبعاد الارتباك التي تظلل غيومها أرجاء المجتمع في أنحاء مختلفة من مصر. لا خلاف بين المتابعين للشأن المصري أن شعبية السيسي بزغت عندما أقدم على خطوة تأييد الثورة الشعبية التي بدأت يوم 28 حزيران/يونيو وبلغت ذروتها بعد ذلك بيومين. قبل هذا الحدث لم يكن القائد العام للقوات المسلحة بطلاً شعبياً، بل لا نجافي الحقيقة حين نذكر أن البعض ادعى عليه ظلماً وبهتاناً أنه كادر إخواني تعتمد عليه الجماعة في استكمال اخونة مفاصل القوات المسلحة خاصة، لأنه نأى بنفسه عن معترك السياسة ورفض أكثر من مرة الاستجابة للضغوط التي مورست عليه لكي ينقلب على رئيس الجمهورية. وبعد الثالث من تموز/يوليو الذي تم فيه عزل الرئيس محمد مرسي وأُعلنت في ضوئه خارطة طريق أتت بالمستشار عدلي منصور رئيسا للجمهورية، زادت شعبيته وأصبح رمزاً قومياً يحتل قلوب الغالبية العظمى من أبناء ‘الشعب المُعلم’. لهذا السبب وحده بدأت منذ حوالي شهر حملة شعبية لجمع توقيعات من المواطنين تحت شعار ‘كمل جميلك’ تدعو الرجل ‘البطل’ لأن يستعد للترشح لمنصب رئيس الجمهورية في الانتخابات القادمة.. حملة يقال انها جمعت حتى الآن نصف مليون توقيع، مما ساهم في امتداد ندائها إلى مواقع التواصل الإجتماعي لأجل تحفيز كل الفئات داخل المجتمع على توسيع دائرة الدعوة، لكي تمثل ضغطاً شعبيا من شأنه أن يحدث حراكاً جارفاً يعكس موجات الحب الذي تكنه له القلوب، يأمل المشاركون فيها أن يتوج في نهاية المطاف تنصيباً جماهيريا للرجل قبل ان تترجمه صناديق الانتخاب كحقيقة ملموس. لا يستطيع منصف أن ينكر مكانة الفريق عبد الفتاح السيسي الجماهيرية.. ولا أن يقلل من المكانة التى أصبح يحتلها عن جدارة في واحدة من أهم صفحات تاريخ مصر.. ولا أن يحرمه حقه في الترشح كمواطن مدني، بعد أن يتنازل عن زيه العسكري، لكن مع هذا الإنصاف نقول بكل تجرد ونزاهة وحيادية أن المشهد المصري المُلتبس في هذه اللحظات ينضوي على محاذير لسنا في حرج من أن نشير إليها، مغردين خارج السرب، على خلاف بعض الكُتاب والمحللين والسياسيين الذين أضافوا إلى شعارات الحملات الدعائية التي تطالب الرجل أن يكمل جميله، منشورات عدائية تندرج تحت بند تصفية الحسابات ومنابر شتى للتعبير عن الشماتة والتشفي، وفرصة مواتية لتشكيل وبناء شبكة مصالح من نوع جديد، أو إن شئت الدقة ‘الصيد في الماء العكر’ كما يقول المثل الشعبي المصري الدارج. من جانبا نقول.. سيؤكد الترشح أن التأييد العسكري لثورة الشعب المصري في 30 يونيو لم يكن مساندة لحراك جماهير غير مسبوق في تاريخ مصر، بل كان انقلاباً عسكرياً بكل المقاييس، رغم ما افرزه من اختيار رئيس مدني انتقالي وحكومة انتقالية. انقلاب عسكري أخفى ملامحه وراء معاني لم تكن سامية ولا أصيلة حتى يتَحين اللحظة ويقفز إلى المقدمة ويدير دفة الحكم، الذي كانت تأمله الجماهير مدنياً بعد أن ثارت على الفاشية الدينية، فإذا بها تقع تحت طائلة الحكم العسكري او تحت ‘بيادة العسكر’ كما تقول هتافات أنصار التيار السياسي الإسلامي. وسيرسخ أن دعوة وزير الدفاع لجماهير الشعب بمنحه التفويض للتعامل مع الإرهاب لم تكن لإعادة الأمن للوطن والاستقرار للمجتمع، ولكن لكي يكون نوع من استعراض القوة الذي يعبر منه إلى كرسي الرئاسة. وسيؤدي هذا الوضع في حالة الفوز ـ وهو أمر وارد بنسب عالية جداً ـ إلى عسكرة دولاب الدولة بالكامل بدلا من أخونتها، وسيَلقي المعترضون العنت وسيُقضى قضاء مبرماً على حلم ديمقراطية الدولة ومدنيتها. وساعتها لن تتوقف الألسنة ولا الكتابات عن القول ان القوات المسلحة نجحت في تنفيذ مؤامرة التوريث لصالح رجلها، على الرغم من أن الشعب ثار على هذا المخطط مرتين خلال عامين ونصف العام، مرة ضد مخطط توريث الابن، واخرى ضد تدابير توريث الجماعة والعشيرة. وسيفتح على مصر أبواب الجحيم .. في الداخل سيمنح لتيار الإسلام السياسي مسوغات التشبث بمقولات ‘الانقلاب العسكري’ و’خيانة الانقلابيين’ و’الحق في عودة الشرعية’ و’ضرورة الاحتكام للصندوق’.. وعلينا ان نتوقع كل ما يخطر على البال في هذا الخصوص، على كافة المستويات وما سينجم عنه من صدامات أكثر بكثير مما هو جار الآن.. وفي الخارج ستستعيد القوى المعادية للثورة المصرية مقومات مناهضة ما جري يوم 30 يونيو باعتباره انقلابا، وستوسع من دائرة تأثيرها ضد الدولة المصرية ومؤسساتها وجميع أطيافها السياسية، ما عدا الإسلامية، تحت وابل من الابتزاز. سيُرجع الغالبية العظمى من المراقبين والمحللين أسباب فوز الرجل ‘القوي’ إلى براعة استغلال المؤسسة العسكرية للظرف الأمني الذي يسيطر على المجتمع والدولة معا، وليس إلى برنامجه الانتخابي الذي ربما لن نسمع به. وفي هذا إهدار بالغ الدلالة لمبدأ تكافؤ الفرص الذي يعد من أهم اشتراطات نجاح المنهاج الديمقراطي في الاختيار. انقسم المراقبون في ضوء ما جاء على لسان الدكتور مصطفى حجازي مستشار الرئيس عدلي منصور للشؤون الإستراتيجية، الذي نقلت عنه صحيفة ‘ديلي تلغراف’ اللندنية الجمعة 20 ايلول/سبتمبر- أن ‘الفريق السيسي ربما يُضطر تحت ضغط الجماهير الى أن يرشح نفسه لقيادة البلاد، إذا لم تظهر على السطح شخصية مناسبة لتولي منصب رئيس الجمهورية، خاصة أنه لا يوجد ما يمنع من تلبية دعوة الجماهير التى تتصاعد يوما بعد يوم’.. إلى فريقين أحدهما يرى ان القول يفتح المجال لخطوة الترشح، والثاني اعتبرها بالون اختبار. أيا ما كان القصد من وراء مثل هذه التسريبات.. وأيا ما كانت تحليلات البعض لمطلب السيسي وقف الحملة.. فالأمر عندي أن الرجل أعلن أمام الجماهير أنه ورفاقه ليس لهم مطمع في السلطة.. وهذا في رأيي مربط الفرس، لأنه يمثل تعهدا أمام الله والوطن وإعلانا صريحا لا لبس فيه أنه تصدى لتحمل المسؤولية من نقطة تلاقي المصلحة الشعبية بالمصلحة الوطنية العليا وليس طمعاً في منصب أو كرسي. لذلك لا أتحرج أن أقول للفريق أول عبد الفتاح السيسي، ان حب الجماهير وفهمها وتصديقها لما جري على لسانك على الملأ هو الذي سيبقى، والكرسي زائل، وان تقدير الغالبية العظمى من طوائف الشعب الذي اكتسبته بصدقك وتوازن فعلك ووقوفك في المكان الذي يدعم حركة الجماهير، هو الذي سيبقى إلى ما شاء الله، وان اعتزاز الجماهير بك وانت تواصل الوقوف بزيك العسكري مدافعاً عن حقوقها ضد أي استغلال او فساد، هو الذي سيجعلها مطمئنة إليك، أكثر من ثقتها فيك وأنت فوق كرسي الرئاسة. أعرف أن أقلاما كثيرة تقول ان اللحظة تفرض عليك الاستجابة لمطالب الجماهير، وأعرف أن بعض التحليلات السياسية والرصد شبه اليومي للرأي العام اللذين يصلان إلى مكتبك، كل هذا يصور الأمر على أنك المنقذ، لكن أُصدقك القول ان وجودك في مكانك الذي أنت فيه الآن هو الذي سيحتفظ لك بصورة الرمز القومي في الداخل الخارج..