بين ديكارت والغزالي الذوق والشك وحلية التصوف

حجم الخط
0

ينطلق الجابري كما أركون من مسلّمة التضاد البنيوي بين حقيقة التصوّف كسلوك ومعرفة ووظيفة العقل، ومن دون قراءة البيئة التي أدّت دورها في نشأة الفكر الصّوفي لا يمكن الوصول إلى مظاهر الفكر الصوفي، الذي يعتمد أساس العقل كما الغزالي في نقده للفلاسفة والباطنيين والمتكلمين والمتصوّفة، والنّقد لا يكون إلا بالعقل، وقال إنّ الأقيسة العقلية عاجزة عن الوصول وحدها إلى الحقيقة، لذلك فهي تحتاج إلى «الذوق الباطني» الذي يحوزه المتصوفة، بينما رأى ابن رشد أنّ منطق العقل في حركة النص كفيل بالإيصال إلى الحقيقة، ومن هنا كانت توفيقيته الشهيرة بين العقل والنقل، وبالتالي يكون الرأيان متكاملان لا متناكفان.

الغزالي ومحور الوجود في العالم:

تثير فكرة التّجربة الفردية للتصوّف أسئلة مختلفة حول مدارات التحوّل في البنية الذّهنية للمتصوّف، الذي يمسك زمام دواخله ويقرّر أن يعيش الباطن في تمثّلاته العزلوية المنتجة لآثارها، ولعلّ نموذج أبي حامد الغزالي الذي ولد في 450 هـ في طوس في خراسان ودرس علم الكلام في نيسابور على إمام الحرمين الجويني، ثم انتقل إلى بغداد حيث عهد إليه نظام الملك بالتدريس في المدرسة النظامية، ولكنّه لم يلبث أن انقطع عن التّدريس وعكف على التأمل والتعبّد، ثم ترك بغداد إلى المدينة المنوّرة وغيرها من الحواضر الإسلامية كمكة المكرّمة ودمشق والإسكندرية، حيث قضى عشر سنوات متنقلا بينها، عاد بعدها إلى طوس وتوفّي فيها عام 505هـ.
إنّ دراسة النّموذج تتطلب كما يرى عبد الوهاب المسيري «التّمييز بين بنية النموذج وعناصر تكوينه. فالبنية سكونية وثابتة تكاد تكون خالية من الزّمن. أما عناصر التكوين فمتحركة، وعنصر الزّمن والتاريخ أساسي فيها»، فدراسة أبي حامد الغزالي كتجربة ناجزة بمعزل عن العلاقات التي ساهمت في تطوّرها قد لا تلبي الحاجة في استطلاع العناصر التي تدفع بالذّات من موقفها الجوّاني نحو مواجهة العالم، ولعل العنصر الأساس في هذه التّجربة هو الشك المنهجي، وإذا تطرّقنا إلى الشك فإنّ ذلك يقود بالضّرورة إلى التّجربة الدّيكارتية، والشكوك كما يقول أبي حامد: «هي الموصلة إلى الحق فمن لم يشك لم ينظر، ومن لم ينظر لم يبصر، ومن لم يبصر بقي في العمى والضلال». إنّ هجرة أبي حامد الغزالي من العالم الخارجي إلى دواخله الباطنية باحثا عن الحقيقة كان منطلقها الشك، حيث لم «يجد مخرجا إلا بدراسة كتب الفلاسفة»، فتنقّل بين آراء المتكلمين والباطنية والفلاسفة والمتصوّفة وانتقد كل منهم مستقرّا به المقام عند المتصوّفة الذين رأى أنّهم أقرب هذه الفرق وصولا إلى الحقيقة، ذلك لأنّ أسلوبهم يعتمد على «الإحساس الباطني أو الذوق الباطني»، ولعل أهم ما في فترة الشك الغزالية هو عزلته الإيجابية التي أقحمته كلية في فضاء التأمّل ومحاولة إدراك العالم من عمق الذّات.
وتضع العزلة الإيجابية الصوفي في محور الوجود في العالم، فالتّجربة الغزّالية في إطار حركتها نحو العالم من خلال تجربة الباطن الشكوكية، أسّست لمرحلة يقين ما بعد الشك ضمن سياق معيّن انطلق من الكينونة الباطنية محاولا الوصول إلى الكينونة الجوهرية أو الله جل جلاله، وما بين المحطتين كانت التّجربة تتبلور من خلال إدراك عدم اعتبار «الأقيسة العقلية أداة صالحة لمعرفة الحق، بل الأداة الصالحة هي الذّوق الباطني»، وبالذّوق الباطني توصّل إلى تحرير ذاته من الشك بالوصول إلى الإيمان عن طريق «المنقذ من الضلال والموصل إلى ذي العزّة والجلال»، وبالتالي يصبح الباطن محطة عودة إلى الذّات بما تقتضيه الحالة الوجدانية، وهو ما أسمّيه بـ «استراتيجية العاطفة» إذ تعتبر العاطفة من مكوّنات العمق الذّاتي المرافق للوجدان والحالة النّفسية، فتصبح هذه الاستراتيجية عودة إلى الذّات عندما تقف موقفا حاسما أمام نفسها، مسائلة إياها. تتعدد استقبالات حالة العودة هذه وقد يتفجّر منها الموقف الصّوفي على أساس أنّ التصوّف تجربة فردية، والغزالي يكون قد توصّل من خلال هذه التّجربة، كما يقول محمد البهي في مقدّمة كتاب «المنهج الفلسفي بين الغزالي وديكارت» لحمدي زقزوق، إلى:حقيقة العقل في البدن، وحقيقة الله في الوجود، فهو يقول في الإحياء: «في القلب غريزة تسمّى النور الإلهي… وقد تسمّى العقل، وقد تسمّى البصيرة الباطنية، وقد تسمّى نور الإيمان واليقين..»، فالقول بعدم عقلانية الغزّالي في بحثه عن الحقيقة، فيه شيء من المجافاة للحقيقة ذاتها، فاعتماده على اليقين الباطني في الوصول إلى الحق ليس معناه التخلي عن مقاييس العقل في مناقشة القضايا التي عرضت له، حيث نجد أنّه «نقد وهدم التعاليم المتناقضة للفلاسفة الأرسطيين العرب»، والنقد والهدم لا يكونان سوى بالعقل، وعلى هذا الأساس تنقل بين آراء المتكلمين والفلاسفة والباطنية والمتصوّفين وانتقد كل منهم.

ديكارت ومعرفة الحق:

رينيه ديكارت فيلسوف ورياضي وفيزيائي فرنسي (1596- 1650). والمعروف أنّ ديكارت لم يكن متصوّفا ولكن التّجربة الغزّالية تستدعي بالضّرورة تجربة ديكارت لاتفاقهما في توظيف الشك المنهجي كطريق للوصول إلى الحقيقة. والجدير بالذّكر أن نقول بأنّ عصره شهد بعض التطورات العلمية التي عادت على معطيات الدّين وتصوّراته بالشك، فكوبرنيكوس (1473 ـ 1543) أثبت أنّ الأرض ليست مركزا للعالم، وأيضا غاليليو (1564 ـ 1642) الذي جاء بعده ودافع عن نظريته وقال بدوران الأرض حول الشّمس وليس العكس، كما تقول معتقدات الكنيسة. ارتبطت تجربة ديكارت الفلسفية بالعقل الذي يعتبره «أعدل الأشياء توزّعا بين الناس»، وإذا كان العقل كذلك فإنّ كل فرد يستطيع أن يصل إلى الحقيقة عن طريق العقل الفطري، وبهذا ارتبط مسار ديكارت بالشك في كل الموجودات، لكنّه علّل الوجود الإنساني بوجود التّفكير، ورأى أنّ المرتبة الإنسانية تتميّز بالفكر غير القابل للشك فقال: «إنّه يستطيع الشك بوجود (الأنا الجسم) ولا يستطيع الشك بوجود (الأنا الفكر)»، وتأسّست مقولته المشهورة بالكوجيتو: «أنا أفكر إذا أنا موجود»، فاستدلّ على الأنا الوجودي بالوجود الفكري، وقاده هذا الاستدلال إلى الجانب العقدي فرأى أنّ العلم الذي كان يشتغل عليه يجب أن يؤسّس للعقيدة، لكن تبيّن له أنّ ذات هذا العلم يتأسّس في الله، فهو يقول: «وإذا فقد وضح لي كل الوضوح أنّ يقين كل علم وحقيقته إنّما يعتمدان على معرفتنا للإله الحق».

مسار النموذج بين شكّين فلسفيين:

تلتقي تجربة ديكارت مع الغزّالي في إصرار كليهما على الوصول إلى الحقيقة عبر الشك المنهجي، فرجع الغزالي إلى «حقيقة الفطرة الأصلية» ورجع ديكارت إلى «قوة العقل الفطرية». لقد توصّل كلا الباحثين عن الحقيقة إلى الله، حيث تعيّن مسار الغزّالي بعذابات البحث المنقذة من الضلال والموصلة إلى ذي العزة والجلال، انطلاقا من إعادة تأثيث باطني يغوص في النّفس ويشتبك مع غرائزها كمحاولة للانفكاك من حجب العتمة التي تمنع البصيرة من النّفاذ إلى حقائق الكون التي تلتقي كلها عند معين الجمال والحق، وهي الفطرة العقلية ذاتها التي جعلت من ديكارت لا يقبل من خلال تأمّلاته إلاّ ما تميّز من العقائد بالصّدق، والصّدق عنده هو «هذا النّوع من القضايا غير القابلة للشك»، فتوصّل أخيرا إلى الله، ولعل الفيزيائي الفلكي الأمريكي ثرين كسوان ثوان يندرج ضمن مسار البحث عن الحقيقة التي تكشف عن انسجامها العميق مع حقائق الكون حين ألّف كتابه «الاتّساق الحفي» سنة 1989 و»أفرد فيه فصلا كاملا عن الله كـ(خالق نظّم وضبط كوننا، وهو الذي صنع وحدته وجماله وتناغمه).

٭ كاتب جزائري

بين ديكارت والغزالي الذوق والشك وحلية التصوف

عبد الحفيظ بن جلولي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية