في مطار باريس كنت بانتظار إقلاع طائرتي إلى بيروت في إحدى زياراتي الخاطفة إلى الوطن العربي لملء بطارياتي الروحية والأبجدية، لأنني كاتبة فاشلة في الانتماء إلى غير الوطن الأم على الرغم من طول إقامتي في الغرب المرفّه.
في المطار جلس إلى جانبي مسافر وأعلن المذيع عن إقلاع طائرته فترك مجلته على مقعده وهرول نحو رقم الباب الذي أعلنوا عنه.
بين جَرح الحقيقة وجَرح الشعور!
(صادرت) المجلة (الفيغارو) التي تركها المسافر على مقعده ووجدتها قديمة تعود بتاريخها إلى ما قبل أشهر (3 تشرين الثاني/نوفمبر 2017) وفوجئت فيها بتحقيق مطول عن لبنان رائع الصور والنص احتل عشر صفحات وهو بقلم شارلز جيكو: ذكي وصادق ولا يريد جرح شعور أحد في بعلبك التي زارها وسواها في لبنان ولا جرح الحقيقة، وذلك ليس سهلا ولكن شارلز جيكو نجح في تحقيق تلك المعادلة شبه المستحيلة.
أما الصور فهي رائعة في نقل روح لبنان عاشق المرح وروح العيد وسحره، ومخاوفه في آن، بعدسة إريك مارتان التي تنقلت بين بعلبك وكورنيش بيروت وبلدة دير القمر والمطاعم المطلة على شواطئ بديعة وسواها كثير.
ما الذي أخافني من زيارتها لبعلبك؟
بعد وصولي إلى بيروت اتصل معي أخ سوري أعرفه من دمشق وكان صوته يفيض قلقا: ابنتي الدكتورة جنيفر قادمة لزيارة لبنان. أرجوكِ اهتمي بسلامتها فهي لا تتكلم العربية!!..
لم أقل له: من يستطيع أن يضمن سلامة أحد في لبنان الجميل؟ كل شيء هادئ الآن والناس تمارس هواية الاحتفاء بالحياة والمرح ولكن، أي عراف يجرؤ على التنبؤ بموعد الانفجار الآتي.. او تأكيد الأمان؟
ولكنني اتصلت بعد أيام بجنيفر في بيروت في بيت صديقتها اللندنية المتزوجة من لبناني وقالت لي أنها تنوي الذهاب إلى بعلبك وقلت لها: سأرافقك. لماذا؟ سألتني وقلت: لأنني أتكلم العربية!! كنت أكذب. كنت فقط خائفة عليها. لكنها ذهبت بمفردها مع سائق تاكسي. كما اكتشفت ليلا حين اتصلتْ بي.
سررت لأنني لم أعلم بذهابها بمفردها إلى بعلبك وعنجر في تاكسي إلا بعد عودتها وإلا لقلقت عليها حقا. لماذا؟ من أين ينبع ذلك الخوف عليها من رحلة عادية إلى إحدى مدن لبنان: بعلبك؟.. ولبنان هادئ حاليا..
حسنا. لن استخدم «اللغة الخشبية» كما يدعوها الفرنسيون، أي لغة الكذب وسأعترف بحقيقة أليمة اسمها الخوف في لبنان!..
حاكم دائم اسمه الخوف
لعل من أهم أسباب الهجرة من لبنان الجميل وطن التعايش بين 18 طائفة دينية مذهبية هو الخوف من انفجار الوضع في كل لحظة.
كأن الأمان في لبنان «توازن قلق» لوطن محتقن بإمكانية الانفجار لتوافر عوامله باستمرار، بين سهرة غنائية في الوسط التجاري وتظاهرة لقطع الطرقات وإحراق الدواليب كسكين في عنق الديمقراطية. وكاتب التحقيق في مجلة «الفيغارو» التقط تلك الموجة النفسية وقال حرفيا: إن بعلبك ترسم صورة حقيقية للبنان الآن وذكر اسم الفئة الأقوى عدديا فيها بالنسبة للسنّة والمسيحيين.
ريما الحسيني سيدة «لو بالمير»
ذهب كاتب التحقيق إلى فندق «لو بالمير» نسبة إلى مدينة تدمر والتقى صاحبته اليوم المحامية ريما الحسيني «زوجة شخصية من أسرة شيعية محلية مهمة» (كما وصفها التحقيق) ممتدحا تعاونها وصدقها وإطلاعها لهما (الكاتب والمصور) على الدفتر الذهبي للذين زاروا هذه المدينة التاريخية أمثال: اراغون ـ موريس باريه ـ نينا سيمون ـ بيار لوتي ـ كوكتو والكثير من الأدباء الغربيين من الشعراء والأدباء وكقارئة للتحقيق وجدت أن المحامية ريما الحسيني عكست صورة حضارية للمرأة العاملة. وأعترف أنني فرحت بعودة (جنيفر) بالسلامة من رحلتها المنفردة! وقالت لي إنه لم يكن من سائح سواها في عنجر!!
لنمعن اعترافا: اللبناني خائف ويحلم بالهجرة
كان بوسعي أن أترجم بعض ما جاء في التحقيق من كشف عن جماليات لبنان، او عن الصور المدهشة في زاوية الالتقاط التي تبرز متعة العيش والاحتفال بالحياة في طبيعة لبنانية بالغة الجمال.. لكنني لن أهرب إلى ذلك من كتابة جوهر الموضوع: تجميل الخوف!
الخوف: هذا وطن صغير تحيط به حرائق وانفجارات وزلازل ويحاول أن يظل واقفا على قدمين من جبال.
وهاجسه الأول: الحرية.. لبنان وطن يعشق الحرية ولذا أعشقه ولكنه غاية في القلق عليها.. أطالع في صور صحف عربية لافتات في تظاهرات تقول: لبنان عنوان للحرية والديمقراطية ولا يمكنكم تغيير هوية لبنان. وأقرأ: «الضغوط على الحريات تشتد كلما اقتربت الانتخابات».. وأعيش الخوف على عاصمة الحرية العربية: لبنان.
الإعلان عن موعد الانتخابات النيابية عما قريب يطمئن القلوب، ولكن أيضا يثير القلق من تسارع ردة فعل أعداء الحرية المشروطة باستقواء هذه الفئة او تلك.
الحرية.. الحرية..
لبنان وطن أنعم عليه الخالق بالجمال الذي أبرزته كاميرا إريك مارتان لكن مخلوقاته لا تستطيع العيش بدون أوكسجين الحرية.. ولذا يحكمها الخوف من زمان.. وعشاق لبنان يصلون للبننة العالم العربي في حقل الحريات قبل الإمعان في (تعريب) لبنان!
ولكن، أليست الحرية الهاجس السرّي في قلب كل عربي؟
غادة السمان