بعد أشهر كثيرة من النضال البطولي لزيادة الوعي العام سيحصل المعاقون على زيادة مضحكة ومهينة. الموظفون يتقدمون بخطة طرد اللاجئين الأفارقة إلى مصير الحياة والموت المؤلم. يجب علينا أن نعرف وأن ننفجر: من أين نمت هذه الوحشية اليهودية؟ هي تناقض بشكل كبير ما اعتقدناه بأنفسنا على مر الأجيال. ما تكرهه لنفسك لا تفعله لصديقك (هيلل العجوز)، و«أحب لصديقك ما تحبه لنفسك، كل من أنقذ نفسا كأنه أنقذ العالم جميعًا» (الصيغة الشعبية للقضاء الأصلي في السنهدرين بصيغته العالمية: «كل من أحيا نفسا واحدة كأنه أحيا العالم جميعًا».
في الخطاب العام الصورة الذاتية التي راكمناها لأنفسنا، كانت ذخرنا وتراثنا، وقد تفاخر معلمونا أمامنا بأن تلك هي توراتنا باختصار، ونحن هكذا، أخلاقيون جيدون يعنيهم الآخرون وإنسانيون. باختصار، يهود.
التعاطف مع المعوقين ونضالهم موجود. وفي نهاية المطاف هؤلاء المناضلون الذين نشاهدهم في التلفاز هم يهود، لكن إذا كان موظفو المالية وحكومتنا الوطنية يشعرون بالراحة من مواصلة التنكيل بهم وإهانتهم فذلك لأنهم يعرفون أنه في نهاية المطاف هذه الكتلة الإنسانية التي تسمى جمهور هي كتلة لامبالية. أو أنها تبنت الشعارات الجمهورية لتقليص دور الدولة (خلافا لتوسيع دور الدولة في الماضي للخط الأخضر)، أو أنها تأمل بعدم حدوث ذلك. استطلاعات الرأي العام تشير إلى أن معظم اليهود الإسرائيليين يؤيدون طرد اللاجئين الأفارقة، وهذا يعني أنهم يتبنون بإرادتهم الادعاءات الرسمية بأن الأمر يتعلق فقط بباحثين عن عمل، وكل التقارير عن الفظائع المتوقعة لهم لدى هبوطهم في رواندا هي أكاذيب يطلقها من يعارضون الطرد الذين لهم «أجندة» خلافا للموظفين الذين يمثلون الواقع العلماني». الصحافي غرشوم غورنبرغ نشر في «واشنطن بوست» مقالا بعنوان «بطرد طالبي اللجوء الأفارقة تخون إسرائيل تأريخها». غورنبرغ تحدث مع ييماني وهو مهاجر من أريتيريا، الذي حسب أقواله فإن هناك موظفا إسرائيليا قال له: «قريبا سنعيدهم جميعا، وستجلس تحت شجرة وتفتح فمك مثل القرد بانتظار الموزة التي ستسقط». وعندما ذكره ييماني بأنه إنسان، قال له الموظف: «أنتم لا ترون أنفسكم بأنكم تشبهون القرود؟». المتحدثة بلسان مكتب الهجرة والسكان لم تجب عن سؤال الصحافي بهذا الشأن. غورنبرغ المندهش قال: إن كل إسرائيلي يهودي يعرف ما معنى لاجئين: أفراد عائلة هربوا من أوروبا في حينه أو طردوا من دول عربية، الذين نجوا من الكارثة والمكان الوحيد الذي استطاعوا الوصول اليه هو إسرائيل. «كل يهودي إسرائيلي يعرف أن هناك عددا أكبر كان يمكنهم النجاة لو لم يغلق الغرب أبوابه أمامهم»، قال.
أيضا كل فلسطيني يعرف ما معنى اللجوء، وما هو معروف أكثر أنه هو نفسه مبعد، لاجئ، ابن عائلة لاجئين أو أحد الرعايا الوضيعين في وطنه. إسرائيليون بلكنة روسية أو أمريكية أو روسية ولكنة أصلية تماما ينظرون اليه كمن يعيش هنا بالإحسان. أي بصورة مؤقتة.
إن صدمة وذهول غورنبرغ هي حقيقية، لكنها ليست في محلها. الحقيقة المرة هي أنه خلافا لعنوان مقاله فإن إسرائيل لا تخون تأريخها، بل تسير بأمانة في أعقابه: نحن عملنا ونعمل طوال الوقت عكس «ما تكرهه لنفسك لا تفعله لصديقك». الطرد الجماعي للفلسطينيين في 1948 وهدم منازلهم يكشف عن مخطط وتفكير مسبق، وليس فقط في الحرب. التأريخ هو أيضا الحاضر: في كل يوم موظفونا وجنودنا ينفذون عملية طرد معينة. ما تكتبه «هآرتس» بالعبرية عن ذلك يمر مرور الكرام، وهذا فقط يمثل 1 من الـ 1000 مما يقوم به طوال الوقت الأحفاد المباشرون للاجئين يهود من أوروبا ومن الدول العربية.
الوحشية لا توجد فقط في التعاون على التنكيل وفي عملية الطرد نفسها. بل أيضا في الوقوف جانبا، وفي الصمت والتجاهل ايضا. الوحشية لا تولد، بل هي نوع من التمرين لتصل إلى درجة الاعتياد. وليس من الأسهل الاعتياد على واقعنا كطاردين ـ إلى درجة النفي التام له ـ من خلال تغليفنا لها بغلاف «الأمن» وبعد ذلك بالاحياء والفيلّات والوعد الإلهي لأبينا إبراهيم.
الطرد ليس فقط التحميل على الشاحنات، بل هو أيضا تدهور للوضع إلى درجة التوق للهرب منه. مليونا فلسطيني حبسناهم في غزة، اعتدنا على ذلك. وطلبنا الأموال من أوروبا لتحسين ما في ظروف السجن. فلسطينيون مقدسيون يتم رميهم من بيوتهم التي عاشوا فيها سبعين سنة لمصلحة المستوطنين، بأوامر من المحكمة، اعتدنا على ذلك وسررنا. حكمنا على عشرات آلاف الاشخاص في الضفة الغربية بالعيش من دون التزود بالمياه، الكهرباء والحق في البناء. أصدرنا أحكامنا بسعادة، وباجتهاد نحكم. صادرنا من الفلسطينيين مواطني إسرائيل أراضيهم ونحن لا نخصص لهم مناطق أخرى للبناء عليها. بعطف مميز قمنا ونقوم بذلك.
الحقيقة هي أن أغلبية الإسرائيليين اليهود لا تعنيهم الوحشية تجاه المعوّقين اليهود واللاجئين الأفارقة، أيضا لا يعنيهم تغليفها بورق السلوفان للاقتباسات من مصادرنا الأولية. لقد نفذنا على الفلسطينيين العكس. لا يوجد إله أو دولة أوروبية لم تعاقبنا، وهكذا اعتدنا على السهولة التي يمكن احتمالها جدا للتسبب بالمعاناة الجماهيرية.
هآرتس 4/2/2018