أحيانا، في ساعة جدال، عن مُستَوعِبين ومُستَوعَبين، ظالمين ومظلومين، عُلويين وسُفليين، يطلب أنسال الوليدين الأشكناز الاعتراف بعُلويتهم. هكذا مثلا ذكّر غيدي غوف مؤخرا أفيغدور ليبرمان بانه مهاجر جديد، الحقيقة التي تضعف ظاهرا حقه الأخلاقي في أن يفرض العقوبات على يونتان جيفن. فليست الأقدمية في البلاد وحدها تعتبر في نظر المتميزين بل أيضا الفارق في دوافع الهجرة. فهم يميزون بين من جاء إلى هنا طواعية ومن جاء اضطرارا. صحيح أن هؤلاء وأولئك «صعدوا» (هاجروا) إلى البلاد، بمعنى تسلقوا من حفرة عميقة إلى قمة بلاد الميعاد، ولكن المتسلقين طواعية وليس قسرًا هم أبناء القبيلة الكبرى، في الأقل في نظر بعضهم.
إن استخدام فعل «صعد» هو مثال على اللغة التي تخدم الفكر التأريخي، ففي لغة بريئة من التلقين ينبغي القول «مهاجرين». فكل اليهود تقريبا ممن يعيشون في البلاد هم مهاجرون وأنسال مهاجرين، وهكذا أيضا نحو نصف المواطنين العرب الذين هاجر آباؤهم في الـ 200 سنة الأخيرة من البلدان المجاورة بل والبعيدة. معدل اليهود الذين لم يولدوا في إسرائيل هو نحو 30 من مئة، معظمهم «أصعدوا» في طفولتهم، وقلة منهم «صعدوا» بقواهم الذاتية.
إن التمييز بين دوافع الهجرة هو هراء تام، مصدره أيضا في التعليم الصهيوني. فهو يسعى إلى أن يغرس فينا الاعتراف بأن اليهود يتطلعون إلى صهيون منذ خراب البيت وتطلعهم الدائم هو الأساس لحقهم في البلاد.
أما الحقيقة فهي أنه باستثناء اليهود المتزمتين فإن قلة ممن تاقوا للموت في البلاد المقدسة، وصل كل الآخرين لأنهم نُبذوا وليس لأنهم جُذبوا. وأيديولوجيا «الحق» الصهيونية تطورت بفعل الضرورة لإيجاد موطئ قدم لليهود المظلومين. معظم المضطهدين وجدوه في «العالم الجديد» وليس هنا.
أنا أيضا علقت في الكذبة الصهيونية وتحررت منها عندما فحصت الأسباب التي دفعت أهلي للهجرة إلى هنا. كلاهما، ملحدان تامان، هاجرا إلى البلاد قبل نحو مئة سنة، ظاهرا انطلاقا من الإرادة الحرة، ولكن في واقع الأمر لم تحركهما قوى مختلفة عن تلك التي حركت ملايين المهاجرين اليهود الذين وصلوا إلى هنا في فترات متأخرة أكثر. أمّي كانت الأصغر بين أبناء حاخام وتاجر ليتاوي. أخوها الكبير هاجر إلى جنوب أفريقيا، الثاني هاجر إلى فرنسا، الثالث احتقر يهوديته، بقي في أوروبا واختفى في فترة الحرب، الرابع وأمّي انضما إلى حركة «الطليعي» ووصلا إلى البلاد في موجة الهجرة التي تسمى «الصعود الثالث». والفرق بينهما وبين إخوانهم الأكبر يكمن في التحولات التي حصلت في عهد صباهم.
بعد الحرب العالمية الأولى فتحت بلاد إسرائيل لهجرة اليهود، بينما أمريكا سدت تقريبا. ليتها حظيت بالاستقلال وعلى الفور احتدمت فيها اللاسامية. وقتلة جدي وجدتي كانوا جيرانهم. أبي، من مواليد أوكرانيا، ممثل مسرحي، توجه إلى هنا، فقط لأنه لم ينجح في التسلل إلى الولايات المتحدة ليكون ممثل سينما في هوليوود. هذه قصة نموذجية لليهود في الزمن الحديث. وليس التمني لبلاد صهيون والقدس بل أساسا الصد عن بلدان إقامتهم وطرق أبواب الدول المزدهرة التي أرادوا الوصول إليها. برأيي، يكفي هذا كي يبرر الصهيونية، ولكن هذا لا يكفي كي يبرر الاحتلال وإبعاد المتسللين من أفريقيا.
هؤلاء المتسللون حركتهم ذات قوة الصد التي حركت أبوي: قوة اللا بديل. وتبعا لهذه القوة صاغت الصهيونية رواية تأريخية جذابة ومعززة تعتمد على ذكريات رومانسية، بعضها خيالية وبعضها ثابت في الواقع. لو تبنينا المهاجرين السود وأدخلناهم في آلة التلقين الصهيونية، لتحولوا في غضون جيل أو جيلين إلى صهاينة متزمتين مثل «أبناء منشه» الهنود، أبناء موسى «الفرعونيين» ونحو 400 ألف الصاعدين من الاتحاد السوفييتي السابق ممن ليسوا يهودا. أما قسوة القلب تجاههم فتسرق معتقدي في التبرير العلماني للصهيونية. فلا يمكن أن نبني عليها أبراج من الحجج، ونلغي هذه الحجج في ضوء الاختبار الحقيقي للمصداقية.
يديعوت 4/2/2018
يرون لندن