الشاعر العراقي أحمد جارالله : تنقّلي بين الألوان الأدبية سخرية من نظرية الأجناس الكلاسيكية

حجم الخط
0

جمالية نصوصه الأبداعية شعرا وقصة ولوحة تشكيلية بكل ما تحمله من تركيبة قائمة على أحداث الدهشة لدى المتلقي، تتكشف من خلال إصراره على تأكيد تلك العلاقة التي يتواصل فيها مع الأشياء في صورتها الواقعية المحسوسة، ولكن بعد أن تأخذ شكلا مغايرا يبتعد فيها عن حضورها اليومي المألوف، إذ يعيد إنتاجها في منطقة التعدد الدلالي.. ويشير السياق العام لنصوصه إلى إنها تتوفر على رؤى مبتكرة، وإن بنيتها الفنية تحرِّكُها سخرية سريالية تبدو واضحة في أسلوبه.
الشاعر أحمد جارالله، إضافة إلى مهمته الأكاديمية في تدريس مادة الأجناس الأدبية في جامعة الموصل يحاول أن يجمع بين الأدب والتشكيل في مغامراته الإبداعية، ومن هنا كانت أطروحته لنيل شهادة الدكتوراه عام 2002 التي حملت عنوان «أثرالرسم في الشعر العراقي الحر». أمّا في سياق دوره النقدي فقد سبق له أن نال المركز الأول في مسابقة جائزة الشارقة عام 2010 عن كتابه «مدرسة الإحياء بين الاتصال بالشعرية التراثية والانفصال عنها»، وفي عام 2013 نال كتابه «فضاء الاقتناء الفني في العالم العربي» المركز الثاني في المسابقة ذاتها، إضافة إلى فعالية حضوره الثقافي في المشهد العام، ويأتي ذلك في إطار إيمانه بضرورة انزياح موقف المبدع عن التمترس خلف نصه الإبداعي والاكتفاء بهذا الدور، تأكيدا لسلطة المثقف المعرفية في تفكيك وفهم الواقع. «القدس العربي» التقته وحاورته عن تجربته في الكتابة وتعددية العوالم الإبداعية التي يتحرك في فضاءاتها:

■ إلى ماذا كنت تسعى عندما اخترت كتابة الشعر، هل كان لديك مشروع شعري مثلا؟
□ لعلي قبل اختيار الشعر اخترت الفن بشكل عام وبأكثر من جنس فيه للتعبير عما أشعر بأنه الوجود الحقيقي للذات والأكثر دواما في حياة عابرة بسرعة إلى زوال، من هنا كان الشعر محطة مهمة في ذلك الاختيار، بوصفه الفن الأقرب إلى النفس والروح، لاسيما في اللحظات التي تعجز فيها الفنون الأخرى عن التعبير عما أريد. ومع مرور التجارب، جعلت الشعر ينهض مع الأجناس الأخرى في تشكيل الملامح الأسلوبية والفكرية لما أسميه بالمهمش في العالم، حتى أمسى الشعر، الفن الأكثر تعبيرا عن هذا المشروع الذي يحاول جعل (الهامشي والمهمش) بديلا عن الأشياء التي احتلت المتن زيفا أو بالقوة، فالكتابة عن الحرب عندي مثلا تبدأ من الأسلاك الشائكة المهمشة في دروب الحرب، ولا تبدأ من تناول سيرة القادة، ومديح حصاة على ساحل أجمل عندي من مديح صاحب سلطة أو قصر، والتغزل بالغبار الذي تتركه على الهامش خطوات الحبيبة، أعمق أثرا من التغزل بمتن عينيها.
■ كيف تتعامل شعريا مع اللغة كدال ومنظومة رمزية والواقع كمدلول ومنظومة مادية، خاصة إذ ما اتفقنا على أن الشعر يعمل باللغة وليس بالمادة، كما يشير إلى ذلك أدونيس؟
□ الشعر يعبِّر بدواله اللغوية عن رؤيتي للواقع، به أحاول صنع عالم آخر، عالم يتشكل خياليا ومعنويا في ظلال اللغة ومدلولاتها متجاوزا مادية الواقع واشتراطاته التي تجر المدلولات إلى معنى واحد، وحقيقة واحدة. والشعر لا يعترف بذلك ابدا، فمهمة الشعر فتح الدوال وتشتيت المدلولات إلى أكثر من احتمال وتأويل.
■ ما هو المهم في النص الشعري لديك وعادة ما يأخذ منك الحيز الأكبر من التركيز والاهتمام أثناء عملية البناء؟
□ بنية النص الشعري كلها مهمة، لكن مع ذلك يأخذ تشكيل الصورة الشعرية عندي أهمية أكبر من جهة اختيار مرجعيتها وأسلوب تشكيلها، فضلا عن ذلك فإن للعنوان أيضا مكانة مهمة جدا تجعلني أحيانا أترك النص بعد الانتهاء منه حتى الوصول إلى عنوان يناسبه.
■ الى أي مدى انعكست الفوضى في الواقع العربي على المنتوج الإبداعي؟ بمعنى هل هناك أزمة في البنية الثقافية؟
□ البنية الثقافية في العالم العربي على مر التاريخ كانت وليدة أزمات متتالية في المجالات الأخرى للحياة، ولاسيما السياسية، وهذا ما جعلها متوترة ومحتدمة، ومرتبطة اختيارا (كما في قصائد المديح) أو غصبا (كما في قصائد السخرية السياسية) بما يحدث في الشارعين السياسي والاجتماعي، لكن المتغير الجديد بعد تلك الفوضى الحديثة، هو حدوث مزيد من الخروقات في موضوعات الأدب للتابوات المعروفة، ولعل الزوال الدراماتيكي للسلطة السياسية في العالم العربي بنماذجها الديكتاتورية، وتراجع السلطة الدينية بسبب نكساتها وتخبطها، نبه الأدباء إلى أن تلك السلطات قابلة للنقد والتناول في أعمالهم الأدبية، وبنحو أوسع حرية وتجريبا. من هنا لا أتصور أن ثمة أزمة في البنية الثقافية على الصعيد الفني والتجريبي.. ولعل الأزمة كانت ولا تزال في ما وراء الكتابة من صعوبات الطبع والنشر والتوزيع والتسويق، التي تشهد غالبا على المستوى المادي خاسرا وحيدا اسمه المؤلف.
■ إذا سلمنا جدلا بمسألة التجديد الشعري باعتبارها ضرورة قائمة، ما الذي ينبغي أن يتحقق إبداعيا لكي نقف أمام جيل شعري جديد؟
□ عالم الإبداع من الصعب حصر حركته باشتراطات معينة، لأنه دائم التمرد والعبور والتغيير، ومن ثم فإن مسألة الجيل أراها تنبثق تلقائيا بدون خضوعها لإبعاد الفعل (ينبغي)، لاسيما عندما تحيط بالمبدعين ظروف عامة متشابهة، كالحروب والحصار والثورات والمتغيرات الاجتماعية والسياسية الكبيرة، التي تترك خلفها مشتركات فكرية ووجودية تتشكل في ما بعد بهيئة نصوص شعرية ذات سمات أسلوبية مشتركة بين أكثر من شاعر. هذا الأمر يسهم في صناعة الأجيال الشعرية.
■ لديك تجارب مستمرة ومهمة في كتابة القصة القصيرة إلى جانب الشعر، ماذا يعني هذا التنوع الأجناسي في الكتابة: اكتشاف، أم مغامرة، أم الذهاب إلى ما لم يستطع الشعر الوصول إليه؟
□ أنا من جيل حاول أن يهضم أدبيات الحداثة وما بعدها، ومن ثم لم أجد أي حرج في التنقل ما بين الأجناس، ورؤيتي للموضوع الذي أريد أن أعبر عنه هي من تختار الشكل المناسب لها بدون تخوف أو توجس ينبع من العبور بين الأجناس، لكن شرط أن يكون التعبير في الأجناس التي أجربها جميعا بمستوى فني واحد، وحسب المعايير الأرقى لكل جنس، وهنا كان لتخصصي الأكاديمي في تدريس مادة الأجناس الأدبية لطلبة الدراسات العليا ولسنوات عدة دورا في جعلي ناقدا فنيا لما أكتب، فضلا عن كوني المؤلف نفسه.. أؤمن أن المبدع يكون مبدعا وشاعريا (بمفهوم الشعرية) ليس في نصه وحسب، بل في حياته الشخصية وطريقة وجوده في العالم التي ينزاح بها عن طريقة الآخرين، لذلك أنا أبحث عن مزيد من الانزياح بهذا العبور والتنقل بين جنس أدبي وآخر، لكنه تنقل طبيعي وليس مصطنعا، تستدعيه التجربة وليس الاستعراض، فما يشغلني هو التعبير بغض النظر عن الجنس الأدبي الذي اخترته، بل إنني أحيانا أمر بفترات صمت أدبي لأعبر من فن الأدب إلى فن الرسم، الذي بدأت به رحلتي الإبداعية.. وحين يضيق بي أفقه أعود إلى الأدب، وفي طريق العودة أحمل معي كثيرا من سمات الرسم التي تتسرب إلى الأدب.. وإذا ضاق كلاهما برؤيتي أنتقل إلى النقد الأدبي أو النقد التشكيلي، وفي كليهما أنجزت كتابين متميزين، الأول عن مدرسة الإحياء الشعري، ونال جائزة الشارقة في المركز الأول عام 2010، والثاني في النقد التشكيلي عن قضية الاقتناء الفني، ونال الجائزة الثانية أيضا في الشارقة عام 2013.. ولعلي حاولت الجمع بين الأدب والتشكيل في أطروحتي للدكتوراه عن «أثرالرسم في الشعر العراقي الحر».
■ الملاحظ أن البيانات الشعرية غابت عن حراك الحداثة الشعرية، خاصة في العراق بعد أن كانت رائجة حتى نهاية القرن العشرين، إلى ماذا تعزو ذلك؟
□ ظاهرة البيانات الشعرية غير مجدية في فضاء الإبداع المعاصر من جهة الانفتاح الواسع بين التجارب الشعرية، بفضل وسائل الاتصال الحديثة التي تجعل الشاعر مطلعا على العديد من التجارب، ومن الصعب احتكاره في بيان لفئة معينة، لكنها مهمة تاريخيا من جهة التوثيق للمراحل والاتجاهات، والإعلان عن الرؤى والجماعات الأدبية.
■ هنالك من يرفض تماما فكرة وجود التطور في الشعر، لأنه إذا ما سلمنا بفكرة التطور في الشعر فهذا يعني أن كل الشعر القديم يبدو متخلفا أمام النتاج الشعري الحديث ، كيف تقرأ هذه المسألة؟
□ ثمة اعتراضات كثيرة على زج مصطلح التطور في معاينة الشعر، لأن الشعر لا يتطور لمجرد مرور الزمن عليه، وإنما يتغير، فشعر المتنبي إذا أخضعناه لمفهوم التطور هل يعني أنه كان شعرا متخلفا؟ بالقياس إلى شعر السياب الأحدث منه.. وهل يمكن أن نعتبره متطورا بالقياس إلى الشعر الجاهلي الأقدم منه مع ما فيه من روائع المعلقات.. الصحيح أن الشعر يتغير بمرور الزمن، وهذا التغيير ليس ضرورة أن يكون نحو الأفضل، بل قد يحدث العكس كما رأينا في أغلب شعر العصور الوسطى.
■ ما الذي فتح آفاق تجربتك الإبداعية سواء في إطار الشعر أو القصة القصيرة، بمعنى ما هي الروافد الثقافية التي كان لها الأثر في هذا الإطار؟
□ ممارستي لأكثر من جنس أدبي وفني جعلتني أؤمن بانفتاح الفنون على بعضها بعضا ومثلها الأجناس الأدبية أيضا، هذا الإيمان دفعني للاطلاع الواسع على الروافد النظرية والتطبيقية لكل جنس أدبي وفني، ما أسهم بتأسيس ثقافة واسعة لديّ، ولعل قراءتي عن المدارس الفنية في التشكيل والأدب ولاسيما السريالية هي الأهم في تشكيل تلك الروافد، لأنها منحتني المغايرة في الرؤية والغرابة في الخيال والتصور وإيجاد العلاقات العجيبة بين الأشياء والمواقف والأحداث، فضلا عن كون السريالية رسخت لديّ مبدأ السخرية في رؤية العالم والبحث عن نقاط الزيف فيه لتعرية ما يقف خلفها من مكبوتات بشكل أشبه بالكوميديا السوداء، بل أن تنقلي من جنس أدبي إلى آخر اعتبره شكلا من أشكال السخرية من نظرية الأجناس الأدبية الكلاسيكية التي تحاول عزل الأجناس عن بعضها ورسم الحدود بينها، وأنا أجدني مستمتعا بتجاوز الحدود وكسر العزلة.
■ هل من إشكالية يعاني منها المثقف العراقي بشكل خاص قبل وبعد عام 2003 على اعتبار أن هذا التاريخ أصبح مفصليا في الذاكرة الجمعية والثقافية بشكل خاص؟
□ من المفارقة أن المثقف العراقي كان يدرك عدد الخطوط الحمر التي عليه أن لا يتجاوزها قبل عام 2003، وبإمكانه أن يكتب في كثير من الموضوعات، باستثناء تلك الخطوط التي ترتبط عادة بالسلطة، وعندما يريد أن يقترب من الخطوط فإنه يلجأ إلى الترميز، أو كما يقال إلى اللف والدوران الفني كي لا يفتضح أمره، ويكون نصه أكثر مجازا وتأويلا. بعد عام 2003 زالت الخطوط الحمر كلها في السنوات الأولى، وصار بإمكان المثقف أن يعبر عما يشاء تجاه السلطة السياسية، ما أسهم في تخفيف الطاقة الرمزية والمجازية في نصوصه، فلم يعد هناك ما يمكن أن يعترض عليه، كل شيء مباح.. لكن بمرور الوقت بدأت تنشأ سلطات أخرى، ولاسيما الدينية المرتبطة بالسلطة السياسية بكافة مستوياتها، تضع خطوطا بألوان أخرى أمام المثقف تمنعه من تجاوزها، والمفارقة أن الخطوط تعددت وتجاوزت أصابع اليد الواحدة والثانية.. بل وصل عددها إلى عدد شعر الرأس، حتى ضاعت على المثقف قائمة المحظورات فلجأ إلى الصمت لأنه لم يعد يدري من يرضى عن رأيه ومن يغضب منه. أما من استمر بالتعبير فهو ممن يؤمن بأن السلطات أيا كانت هي من تشجعه سرا على خرق محظوراتها وخطوطها لأجل إثبات نهجها الديمقراطي المزعوم في الإصغاء لرأي الآخر.. لكن الحقيقة أن قبولها للآخر وتجاوزاته على خطوطها الملونة المحظورة إنما يأتي من إيمانها بأنها أكبر من أن تسقطها كلمات المثقفين، لأنهم فئة هامشية أمام حيتان الأموال التي تتحكم بالقرار السياسي بمعزل عن أي تأثير للمثقف ورأيه الناعم الرومانسي، كما يصفه المتعاطفون معه من أسماك السياسة وليس من حيتانها.. لأن الحيتان تلتهمه دفعة واحدة… ولا وقت لديها للتعاطف مع هذا الكائن المهمش المنقرض الذي اسمه: ديناصور وأعني المثقف.

الشاعر العراقي أحمد جارالله : تنقّلي بين الألوان الأدبية سخرية من نظرية الأجناس الكلاسيكية

حاوره: مروان ياسين الدليمي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية