أبو نواس على سرير بروكست

حجم الخط
7

أزمة العقل العربي في نزوعه نحو نمذجة شخصيات التاريخ الثقافي، فالعادة في الجغرافيات العربية تنميط العقل الإبداعي وحوقلته في دائرة ضيقة، تحجب فضائله الأخرى.
إننا ننظر إلى قامات أدبنا العربي نظرة ميكروسكوبية، نظرة تنشغل بالذي يعلم هذه القامة عن غيرها، وتهمش، بالمقابل، خواص أخرى هي من حقوق هذه الشخصية، التي لا نحفظها تحت تأثير ميلنا الفطري إلى الاختزال والقولبة.
ولسنا نبالغ إذا قلنا إن معظم مبدعينا ضحايا القولبة والقراءات الاختزالية، وأن عقلنا القرائي عقل بروكستي، ولعل من نتائج ذلك تناسل أحكام تدرج على ألسنة العامة والخاصة حول المبدع العربي، ونحن نعتقد، عن فخر، أننا نفدنا إلى سمة هذا المبدع المائزة، والواقع أننا نجني على هذا المبدع حين لا يغطي حكمنا عليه كل خواصه الإبداعية وكل مواقفه في الحياة.
ويعتبر أبو نواس من قامات تاريخنا الشعري الذي مارس عليه بروكست العربي طقوس البتر والقطع، واحتفاليات التنميط والقولبة، فالدارج عندنا أن أبا نواس هو «شاعر الخمرة»، وهذا الحكم أضحى في ذاكرتنا الجماعية أيقونة على هذا الاسم الشعري، لكنها أيقونة مشوهة لأنها لا تستوعب كل خواص هذا الاسم الشعرية، ولا تحيط بكل مواقفه وأفكاره.
إن هذه الصورة التي تنطبع في وجداننا الجمعي عن أبي نواس هي صورة غير دقيقة عن هذا الشاعر، ﻷننا ركزنا في بنائها على المحظور (الخمر) الذي احتفى به النواسي في قصيده، في حين غيبنا تفاصيل أخرى لا تقل إدهاشا في سيرة هذا الشاعر، ولعل سر التركيز على هذه «الزّلة» من تاريخ النواسي الحياتي والشعري يعود إلى أن ذاكرتنا العربية لا تحتفظ إلا بالمدهشات في سير قامات أدبنا، والأدهى من ذلك أننا لا نستذكر من تاريخنا الثقافي إلا القامات التي اقترفت المحظورات واهتمت بالغرائب، فكل مبدع يسرج المحظورات مرغوب به في ذاكرتنا، بل إن هذه «الجنحة» تستحيل وسما دالا عليه ، في حين أن كل مبدع يسوح في العاديات لا بد أن يكون مصيره الصلب على ألواح النسيان. ونلفت عناية قارئنا إلى إننا نبتغي في هذ الحلقات عن أبي نواس أن نحقق هدفين، يتجلى أحدهما في إبراز أوجه أخرى ﻷبي نواس غير ذلك الوجه الخمري الذي ترسب في ذاكرتنا الجماعية، ويتمثل الهدف الآخر في إضاءة خواص استثنائية في سيرة أبي نواس قد تلهم أدباءنا ونقادنا خاصة وواقعنا الثقافي يعاني بسبب تزايد المكرور من القول الأدبي واستشراء النقد المجاملاتي.

٭كاتب مغربي

أبو نواس على سرير بروكست

محمد الساهل

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية