يجمع كتاب «سر أوكرانيا» الصادر حديثا عن دار نشر كراس المتوحد، تجربتين فنيتين: يضم الكتاب قصائد كتبها الشاعر السويسري برينو مرسييه عن المغرب وبلدان أخرى، ويحتوي من جهة أخرى على لوحات للفنان المغربي الحسن الفرساوي، تحتفي بأشعار مغربية. تدخل هذه اللوحات في إطار تجربة «شعرغرافيا»، التي بدأها الفنان منذ عدة سنوات، مازجا بين الكتابيّ والبصريّ: «يخرج الحرف في تجربة الفرساوي، من إطار الممارسة التقليدية للخط العربي، حيث لا يوجد هناك، انضباط لأي قاعدة أو قياس. هناك فقط، إعطاء فرصة للحرف كي يحلم». تنسج أشعار مرسييه في «سر أوكرانيا» علاقات وثيقة مع فن السيرة: يروي الشاعر تلك اللحظات المثيرة التي التقطتها عيناه خلال أسفاره في المغرب وقصة حجه إلى مكة والمدينة.
يتكون الديوان من ثلاث لحظات شعرية: ذكريات سفر إلى المغرب هي اللحظة الأولى: يسرد قصة تحوله للإسلام وبحثه عن الطرق الصوفية. يكتب عن أمكنة زارها: يكتب عن مقهى الأوداية، وجبال الكندر.. كذلك عن رمضان. تدون اللحظة الشعرية الثانية قصة سفر لتركيا، حيث كتب عن «الحمامات» وما توفره من مساحة للاسترخاء. وخص اللحظة الثالثة للاعتداءات الإرهابية التي شهدتها باريس.
برينو مرسييه شاعر سويسري ولد عام 1957. عوالم شعره ذات طابع إنساني، تتوجه بالدعوة للتسامح والإخاء. ينفتح النص على مجال الآخر. يكتب مرسييه القصيدة الحرة بلغة شفافة مباشرة.. الكتابة بهذا المعنى شهادة عن الأحداث البارزة، يكتب قصيدة الحدث.
كتب الباحث الفرنسي جان فرانسوا كليمان عن كتابات برينو مرسييه ما يلي: «تغيب القواعد التقليدية للنظم الشعري الفرنسي. يفلت برينو مرسييه من شبكات المفروضات الواجبة. يتفاوت طول أبيات الشاعر، حيث تكون غالبا أصغر من البحر الفرنسي الطويل. أما تأثيرات تجاوز جملة البيت الشعري إلى لاحقه مثله مثل الوقف في منتصف البيت، قلما تعتمد في هذه الأبيات البسيطة التي يتغير طولها باستمرار، والتي تنفصل أيضا تبعا لوحدات المعنى، وهو ما يوافق في الوقت نفسه نظاما في التعبير عن المعنى وفوضى في الشكل المعروض، أي نفسا غير منضبط لقياس هو بدون شك علامة على نوع من القلق غالبا ما نجده عندما يتم اختيار بحور شعرية متنوعة ومختلفة.. يفرض الشاعر على نفسه إكراها آخر، مثل تفكيك الجملة وبترها، أو نوع من الخروج عن القاعدة يصل حد جعل اللازم متعديا.. واعتماد الإضمار وترتيب كلمات وجمل بدون ربط. وتلكم كلها أشكال تكثيف غالبا ما تتضمن مجانسات صوتية. وإذا كانت الشعرية لا تحتل إلا شطرا في الديوان فلأن الكتابة النثرية مهمة كثيرا. فبماذا تخبرنا تلك الكتابة؟ إنها تخبرنا بدوافع الرحالة والسياح، خصوصا منهم من يقصدون المغرب، حيث تثبت الدراسات المتوافرة أن دوافعهم متنوعة، تزداد وتنقص سلبا وإيجابا حسب الحالات، منها ما يرتبط باقتفاء أثر أحاسيس وانفعالات قوية كالقطع مع المعيش اليومي والحياة العادية، التي سرعان ما تتم العودة إليها بعد ابتعاد مؤقت. كما أن هناك السفر للقاء أناس آخرين ومشاهد ومناظر مغايرة بالنسبة للجوالين المتأملين. والسؤال المركزي هو لماذا يهرب «سويسري سعيد» عاش «طفولة سعيدة» من خلال التلفاز نحو أيسلندا، وليبيا والعراق وهايتي، ومن خلال السفر نحو كرواتيا ومصر وإيطاليا والمغرب (حيث يزور مدن طنجة وشفشاون والعرائش والبيضاء والجديدة والصويرة، ويخص كل واحدة بقصيدة). والجواب واضح جلي، لم يعد الشاعر يجد نفسه في جنة بلد طفولته فيرحل هاربا.
سويسرا اليوم «مجتمع مأزوم قاتم الأمد» يعيد «لعبة مأتم طائرة» ولا يوجد فيها غير «الفارين من الكنائس الباردة الحزينة ومن أجراسها الصامتة» فهذا عالم يرشح برائحة الموت. ولماذا التوجه بعد كرواتيا وإيطاليا نحو الشرق الجديد في مصر والمغرب؟ يأتي الجواب كالتالي، «كان الأمل يأتي من إفريقيا.. بعيدا من أكواخ الحضر القذرة». هذا الجواب خطير لأنه إذا كان الرحالة يهرب من مدن الشمال فإن ما يجده في الجنوب هو مدن أخرى في أوج تطورها، ومعها كما يبدو في إحدى القصائد أشكال حكم متسلطة يسميها الشاعر استبداد «الضفة الجنوبية». إن ما يجعل الحلم قائما هو غياب التحليل السياسي. إنه يحمل فقط رغبة حالمة.. ويشير إلى أنه مفتتن بالإسلام لأسباب جمالية محضة، لأن المنارة التي «تجعل المسجد غاية في الأنوثة، فتنتني بحسنها».
إن ما يكشفه طلب الرحيل الذي نجده فيه هو أهمية الحلم في خلق علاقة جديدة بالعالم الماضي أو الآتي أكثر منه بالفضاء المغربي. ونفهم أهمية نصوص مثل هذه التي سنطالع من أجل تدبير أكثر عقلانية للتسويق السياحي في المغرب، بما أننا أمام نص يحثنا على جعل التصنيفات الحالية معقدة ومركبة، تلك التصنيفات المؤسسة فقط على عروض تخص الجسد أو الفكر أو العلاقات الاجتماعية أو تأملات المجال. ورغم أن الطلب المعبر عنه هنا هامشي فمن الواجب بناء منتوجات للاستجابة له. ولمن سيكلف نفسه عناء القراءة ليس الشعر دائما شعريا جدا. وفي الأساس هذا هو السبب الذي يجعله يمنح متعة حقيقية، بل ربما أعمق الانفعالات مما لا يمكن لمن يجعلون العقل مقابلا للإحساس أن يفهموه.
٭ كاتب وباحث مغربي
عثمان بوطسان