تقديس الموت وحد السكين

حجم الخط
1

ثمة أناس مرضى في نفوسهم. بائسون كان القدر وحشيا معهم. في السنوات الأخيرة يمكن أن نجد قسما من هؤلاء المظلومين في شبكات التواصل الاجتماعي، حيث يجدون بعض المواساة. ويوجه غير القليلين، المرضى النفسيين إلى مواقف سياسية، في الغالب قومية متطرفة تقوم على أساس كراهية الآخر، خلافا للمواقف القومية التي تقوم على أساس محبة الدولة. أما الأكثر جنونا، فيشتمون رضيعة ابنة سنتين قتلت في حادث طرق لأنها «يسارية»، أو مسؤولين كبار في الجيش، أو مجرد صحافيين. كلماتهم فظيعة، ولكن هناك في الغالب ما ينتهي هذا. يمكن أن نحصي في صفحة واحدة المخربين اليهود منذ قيام الدولة. فعل معظمهم هذا انطلاقا من تزمت أعمى لا بسبب خلل نفسي.
خلافا للمجتمع اليهودي، فإن الأزمة النفسية أو الاجتماعية في المجتمع العربي تترجم في حالات عديدة جدا إلى ذبح اليهود. قسم كبير من الانتحاريين في الانتفاضة الثانية اصبحوا هكذا بعدما اتهموا بتدنيس شرف العائلة، طردوا من البيت أو قاطعهم مجتمعهم، نساء أمسك بهن متلبسات بالخيانة، رجال لوطيين أو كل ما يعتبر في المجتمع الفلسطيني شاذا. وفي الجولة الأخيرة من طعنة السكين أيضا في السنة الماضية، كان عدد غير قليل من الشباب والشابات الذين يعانون من خلل في نفوسهم. جندي يرى فلسطينيا أو فلسطينية يركضان نحوه بسكين، لا يمكنه أن يكون طبيبا نفسيا، ولكن في أوساط أولئك الذين اعتقلوا بالفعل كانت الأزمة النفسية ـ الاجتماعية ذات مغزى. هكذا أيضا الثأر على خلفية عائلية: أخ، ابن أخ، او ابن مخرب تربى على الحاجة للثأر.
المخرب الذي قتل أول أمس الحاخام إيتمار بن غال في أرئيل، عربي إسرائيلي ذو مشاكل شخصية. مستفيد من خدمات الرفاه الاجتماعي، عائلة مفككة. فماذا فعل لينفس عن غضبه؟ أخذ سكينا وقتل يهوديا. هذا هو الفرق كله، والمقارنة لازمة. ثمة في إسرائيل عائلات ثكلى كان بودها أن ترى قاتل عزيزها يصفّى. ثمة مرضى نفسيون وثمة أيضا أناس لم تتحسن حيواتهم. رغم ذلك، فإن فوارق الثقافة تظهر أسود على أبيض في كل مرة يقارن فيها بين الأسماء القليلة للمخربين اليهود المتزمتين الذين لا مغفرة ولا غفران لهم، وبين القوائم الطويلة والكتب المسمومة، مع قوائم العرب الذين سعوا لقتل اليهود.
من لا يرى هذه الظاهرة ويعترف بها، منكِر للإرهاب. الأسوأ من هذا، أنه منكِر للنزاع. فهل هو كل العرب؟ بالتأكيد لا. لكن من دون التصدي للكمية الإجرامية والميل لتشجيع وتعظيم وإثابة المخربين لن يكون ممكنا تشجيع الأصوات الأخرى. قلائل من يتجرأون على الخروج ضد الأصولية، الجهاد والقومية المتطرفة في كل مكان، ولا سيما في سياقنا هنا في إسرائيل.
حظيت سلسلة التقارير الممتازة لتسفي يحزقيلي على القناة 10 كمستعرب في أوروبا المتأسلمة، بنقد متهكم بالضبط للسبب ذاته. «في كل كنيس أرثوذكسي تدخله في أمريكا أو أوروبا ستسمع موقفا مشابها تجاه العرب»، كما ادعى أحدهم. هو مخطئ، لكن الخطأ ليس القصة، بل عدم فهمه. فالصراع الديني ـ القومي ـ الثقافي الجاري في العالم الغربي، وفي الجبهة الأبرز، الصدام الحضاري الجاري في إسرائيل، هو ضمن أمور أخرى عن قدسية الحياة وقدسية الموت.
لقد طورت الصهيونية آليات دفاع لمواجهة الثمن الباهظ للطبق الفضي. «خير الموت من أجل بلادنا» أصبح أسطورة، ولكن إلى جانبه القسم المهم: فقط «عندما لا يكون مفر». هكذا هو الموقف من الحروب والانتفاضات والعمليات العسكرية. فقد حياة الإنسان كان دوما في الاعتبار، ولا يهم من وقف على رأس الساحة السياسية والعسكرية. في الطرف الآخر، فإن الموت هو الحل. هو ليس اعتبارا مهما، خاصة من قبل أولئك الذين يرسلون للقتال. لا عرفات في حينه، لا حماس ولا الإخوان المسلمين الذين يتجولون في أوروبا ويتحدثون عن احتلالها. تقديس الموت هو الذي يدفع مسلمين مؤمنين يعيشون أزمة (وممن ليس لهم أزمة) لقتل أحد ما وربما الموت على الطريق إلى ذلك.
هذه رسالة لأحمد الطيبي: الاهتمام بالظاهرة هو المسيرة الوحيدة التي يمكن أن تحرر المجتمع الإسلامي على المدى البعيد من ربقة المتزمتين. كلما كانوا ينفون ويهتفون «عنصرية» ضد كل من يقول هذا بصوت عال، فإن الإسلام سيغرق فقط أكثر فأكثر في ثقافة سفك الدماء. إنها مصلحة دولية، هذا القتال ضد انعدام العقل السوي، من أجل المسلمين، اليهود وكل من يوجد عند حد السكين.
يديعوت 7/2/2018

تقديس الموت وحد السكين
العملية في أرئيل
يوعز هندل

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية