في 14 كانون الثاني/ يناير اجتمع المجلس المركزي لـمنظمة التحرير الفلسطينية في رام الله وكانت ذروته في خطاب الرئيس ورئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس. وفي الغداة اتخذ المجلس عدة قرارات، يمكن ترجمتها كتوصيات للجنة التنفيذية للمنظمة. وكانت معظم تلك القرارات ضمن روح توصيات عباس لأعضاء المجلس في خطابه، وتشبه القرارات التي سبق اتخاذها في الماضي.
لم تبشر حماس بتغيير حقيقي في سياسة عباس، الذي يرفض استخدام الإرهاب كاستراتيجية عمل (لضررها بالمصالح الفلسطينية) ويتبنى الكفاح الشعبي ونزع الشرعية عن دولة إسرائيل. ورغم اللغة الحادة التي اتخذها إعلانه بشأن «موت» مسيرة أوسلو والادعاء بأن السلطة الفلسطينية دُفعت إلى وضع ليس لها فيه صلاحيات سلطوية عملية (حتى وإن لم يستخدم تعبير «تحت الاحتلال»)، ترك عباس فتحة للمفاوضات وامتنع عن تبني اقتراحات أعضاء مجلس بارزين دعوا إلى التخلي عن فكرة الدولتين لصالح دولة واحدة مع مساواة كاملة في الحقوق لكل مواطنيها. مع ذلك، شدد عباس على تفضيله الواضح لرعاية الأسرة الدولية، في صيغة مجموعة الدول التي قادت المفاوضات إلى الاتفاق النووي مع إيران، وتصدرها المسيرة السياسية، كبديل عن الولايات المتحدة، التي كفت في نظره عن أن تكون وسيطا نزيها. بل وخرج عباس بحدة ضد الإدارة الأمريكية في ظل توجيه إهانات، ضمن آخرين، للسفير ديفيد فريدمان وللسفيرة نيكي هيلي. كما أعلن عن نيته في مواصلة مساعي السلطة للانضمام إلى سلسلة من المنظمات الدولية والعمل على الاعتراف بدولة فلسطينية في مجلس الأمن.
برزت في خطاب عباس الرواية الفلسطينية التي تصف المشروع الصهيوني ودولة اسرائيل كمشروع استعماري ومؤامرة من القوى العظمى الغربية، هو المشروع غير الشرعي، وليس فيه ما يؤكد الادعاء بشأن العلاقة القومية ـ التاريخية للشعب اليهودي بأرض إسرائيل. أما نية الإدارة الأمريكية إطلاق مبادرة لاستئناف المسيرة السياسية والتسوية، التي وفقا للفلسطينيين تقصي إلى الهامش موضوع القدس ومسألة اللاجئين، فقد وصفها كاستمرار للمؤامرة ذاتها، لذا فقد رفضها رفضا باتا. على خلفية خيبة أمل عباس من الإدارة الأمريكية من الدعم الهزيل للقضية الفلسطينية، ومن جانب الرباعية العربية السنية ـ البراغماتية، وكذلك عقب الشكوك بفرص نجاح مسيرة المصالحة بين فتح وحماس، ركز خطابه على استعراض تاريخي انتقائي على نحو ظاهر، عارضا تراث إنجازاته كرئيس السلطة الفلسطينية ورئيس منظمة التحرير الفلسطينية.
تعبر قرارات المجلس المركزي بعد خطاب عباس عن نهج كيدي بارز، واستياء وغضب. ولكن من المشكوك أن تتبنى اللجنة التنفيذية لـ م.ت.ف القرارات وتطبقها نصا وروحا كما حصل في الماضي. إذ لعباس كرئيس للجنة التنفيذية، صلاحيات في العمل على تطبيق القرارات وفقا للظروف، ومن المعقول أنه هذه المرة أيضا لن يسارع لتطبيقها بسبب الخطر في ذلك على مستقبل ومجرد بقاء السلطة الفلسطينية، التي يعد استمرار وجودها مصلحة واضحة لعباس وكبار مسؤولي م.ت.ف الذين يعتبرون من مؤيديه.
يتعاظم الإحباط والغضب تجاه الإدارة الأمريكية واعتبارها متحيزة بل ومعادية في ضوء إمكانية أن يقر الكونغرس قانونا لتقليص ميزانية المساعدات للسلطة الفلسطينية، نتيجة للدفعات للسجناء الأمنيين وابناء عائلاتهم. في هذا الوقت، وبسبب يأس القيادة الفلسطينية من الولايات المتحدة ومن الدول العربية المهمة، فإن أملها الوحيد هو تجنيد الأسرة الدولية ولا سيما الاتحاد الأوروبي، بهدف تقليص الأضرار المالية وتحقيق الاعتراف بدولة فلسطينية مستقلة في حدود 1967 وعاصمتها القدس الشرقية. أما التغيير في الموقف الأمريكي بالنسبة للمساعدات المالية، فقد وجد تعبيره في قرار الإدارة الأمريكية تقليص نحو 65 مليون دولار من المبلغ الذي كان يفترض أن يحوّل إلى وكالة الغوث في الربع القريب القادم. ومن المعقول أن يؤثر التقليص، في المرحلة الأولى، على نشاط الوكالة خارج مناطق السلطة الفلسطينية أكثر من غيرها، ولكن من شأنه لاحقا أن يمس بنشاط المنظمة في مناطق السلطة أيضا، إلا إذا سد الاتحاد الأوروبي وغيره الفجوة الناجمة عن ذلك.
ظلٌ ثقيل على أجواء الاجتماع ألقاه غياب مندوبي حماس والجهاد الإسلامي الذين دعوا إليه لكنهم اختاروا ألا يأتوا، وهاجموا عباس وقيادة السلطة بحدة على إبقائهم العلاقات مع إسرائيل، مع التشديد على التعاون الأمني. والاحساس المتبلور هو الطريق المسدود في العلاقات بين فتح والسلطة الفلسطينية وبين منظمات المعارضة الفلسطينية، إلى جانب تدهور متواصل لواقع الحياة الصعب في قطاع غزة، وتثبّت الفرقة بين القطاع والضفة الغربية.
هذه الظروف الفلسطينية الداخلية، إلى جانب خيار القيادة الفلسطينية الانقطاع عن الإدارة الأمريكية وتعظيم النهج الكيدي، تستدعي من إسرائيل تمييزا استراتيجيا واضحا بين قطاع غزة، حيث يتمكّن ويعمل كيان شبه دولة معاد، وبين الضفة الغربية. كيان شبه الدولة الحماسي في غزة هذا، يمكنه أن يكون معاديا وفاعلا، مردوعا من استخدام قوته العسكرية ضد إسرائيل، ولكنه معاد وفاشل وعنيف تجاه إسرائيل. أما المصلحة الإسرائيلية فهي ضمان الإمكانية الأولى، وذلك لأن من شأن المواجهة العنيفة جر إسرائيل لإعادة احتلال القطاع بغية إسقاط حكم حماس، من دون بديل معقول في الأفق المنظور باستثناء الحكم العسكري الإسرائيلي بكل معانيه والكلفة التي ترافقه. أما إمكانية المساعدة على عودة السلطة الفلسطينية للسيطرة الكاملة في قطاع غزة وإعمار القطاع من خلال السلطة وليس من خلال حماس، فلم تكن إمكانية واقعية حتى في أفضل أيام مسيرة المصالحة، بل هي أقل واقعية بعد انعقاد المجلس المركزي في منتصف كانون الثاني/ يناير 2018.
لضمان الإمكانية المفضلة بالنسبة لإسرائيل في قطاع غزة، يجب الاعتراف بحقيقة وجود القطاع ككيان شبه دولة وبحماس كصاحبة السيادة، يمكن حيالها التعامل في إطار تفاهم وتعاون ـ ليس باتفاقات موقعة أو تسوية دائمة (غير قابلة للتحقق)، إلى جانب إبقاء الردع العسكري. أما غاية التعاون، الذي يفترض أن يجد تعبيره ضمن أمور أخرى في بناء بنية تحتية وإصدار تصاريح عمل في إسرائيل بشكل منضبط، فستكون تحسين الواقع الإنساني في المنطقة وإعمارها بهدف تثبيت الردع العسكري وتقليص خطر اشتعال العنف.
في هذا الإطار ينبغي العمل أيضا على تغيير تفويض وكالة الغوث وحصره بالمساعدات الإنسانية الضرورية في مشاريع محددة ومراقبة، بل بثمن مساعدة مالية أكبر، ونقل باقي الصلاحيات إلى حكومة حماس في قطاع غزة من دون دعم مالي.
أما في الضفة الغربية فسيتعين على إسرائيل وضع استراتيجية تقوم على أساس التفاهم بين إسرائيل والإدارة الأمريكية والمعسكر العربي السني البراغماتي ولا سيما مصر والأردن والسعودية. لقد حانت أمام اسرائيل فرصة استراتيجية تاريخية من المشكوك أن تتكرر: إدارة أمريكية متعاطفة ومستعدة لتغيير قواعد اللعب، ومتحررة من المسلمات التي انسجمت مع مطالب القيادة الفلسطينية، وطُرحت كشرط لاستئناف المسيرة السياسية. وإلى جانبها يقف المعسكر السني البراغماتي، المستعد لتأييد المبادرة الأمريكية، ولا يرى في المسألة الفلسطينية مسألة أساسية ومفضلة كما في الماضي، ويفهم الأهمية في تعزيز معسكر إقليمي في مواجهة سعي إيران لتوسيع نفوذها الإقليمي وتهديدات الإرهاب الجهادي السلفي.
مع ذلك، فإن الطريق المسدود الذي علقت فيه الساحة الفلسطينية لا يصب في تحسين مصالح إسرائيل الاستراتيجية دائما. يمكن لإسرائيل أن تستنفد الضعف الفلسطيني في المدى القصير، وأن تواصل وتقرر حقائق على الأرض وتستمتع باحساس الإنجاز أو التفوق، لكن في نظرة إلى المديين المتوسط والبعيد، فإن إسرائيل تجد نفسها خاسرة بسبب العبء الذي سيلقى عليها في قطاع غزة، والحاجة لإعادة تنظيم آليات السيطرة في الضفة الغربية في حال انهيار السلطة الفلسطينية أو إخفاقات عميقة في أدائها. إضافة إلى ذلك، من شأن إسرائيل تعميق الفجوة بينها وبين الدول الأوروبية وتعلق في مواجهات زائدة مع الإدارة الأمريكية التي ستسعى إلى لجمها حتى وإن كان بشكل مؤدب وودي أكثر مقارنة بإدارة أوباما.
القيادة الإسرائيلية مطالبة بالتالي بترجمة الاستعداد المعلن للتقدم في حل الدولتين القوميتين في صيغة محدودة أكثر، تحفظ مصالحها الحيوية إلى جانب حفظ إمكانية تنفيذ هذه الفكرة حين تسمح الظروف بذلك. وعلى الخطوة أن تستند إلى تفاهمات مع الإدارة الأمريكية وإلى توسع قاعدة الدعم لزعماء المعسكر السني البراغماتي. كل هذا بهدف وضع الفلسطينيين أمام خيار قبول تسوية انتقالية بعيدة المدى ومحدودة، في صيغة دولة فلسطينية في حدود مؤقتة بغياب كل إمكانية للتسوية الدائمة في الظروف السياسية القائمة، أو رفضها، مع كل ما يعنيه ذلك بما فيه الاعتراف الدولي بالرفض الفلسطيني.
نظرة عليا 7/2/2018
كوبي ميخائيل